الصراع داخل النظام السوري على النفوذ الاقتصادي والسيطرة على الأرض
يشكل رئيس النظام السوري بشار الأسد بالنسبة للسياستين الروسية والإيرانية في سوريا “ضرورة ووسيلة” في آن واحد، فالروس يستخدمونه لغايات أبعد من الحدود السورية، مخططات قد تبدأ من سواحل المياه الدافئة في المتوسط وقد لا تنتهي عند بعثرة أوراق حلف الناتو والدول الكبرى المنافسة لموسكو في الشرق الأوسط وإعادة ترتيب حدود المنطقة استنادا إلى النفوذ والتغلغل.
أما السياسة الإيرانية فهي وفق معطيات تحركاتهم في الميدان السوري، تعكس رغبة ملحة من قبل طهران في ضرب أوتاد في الجغرافية السورية الحساسة، مستغلة لذلك التراخي الدولي وضعف النظام السوري الذي انقسم رجاله بدورهم بين موال لها ومؤيد لموسكو، ليعود هذا الشرخ بثقل بات واضحا في المشهد المحلي للسوريين من انهيارات اقتصادية وأخرى سياسية، في حين أن السوريين باتوا يترنحون بين تلك الانقسامات، بدون معرفة متى وكيف وأين المستقر.
القيادي في المعارضة السورية المسلحة، العقيد فاتح حسون، استبعد اهتزاز العلاقات بين الأسد وداعميه الدوليين، معللا ذلك باتفاق روسيا وإيران على “إبقاء الأسد في السلطة في الوقت الراهن” في حين يتجلى الصراع في أروقة النظام السوري داخليا، حول الصراع على النفوذ الاقتصادي والسيطرة على الأرض.
من الصحيح، القول بإن التدخل العسكري لكل من روسيا وإيران قد ساهم إلى حد كبير في انقاذ الأسد من السقوط، وتحجيم انتشار رقعة الثورة في البلاد، إلا أن تلك التحركات حملت في جعبتها صراعات أخرى، وتقسيم لمرتكزات الدولة السورية وصولا إلى أذرع النظام ذاتها، ما بين موسكو وطهران.
فكل طرف منهما جند قيادات عسكرية وسياسية ومحلية لصالح مشروعه الخاص، إلا أن كليهما اتفقا ضمنيا وتحت العنوان العريض على عنوان “منع اسقاط الأسد ونظامه”. ورغم تصريحاتهم المتكررة حول “الشرعية” إلا الاتفاقيات المبرمة مع دمشق، تكشف وجها آخر لمصالحهم، غير تلك التي تم نسجها إعلاميا حول الأسد وشرعيته أو خلاف ذلك.
الباحث في مركز “جسور” للدراسات عبد الوهاب عاصي، صنف “التنافس بين رامي مخلوف وبشار الأسد” ضمن أبرز وأكثر ملفات الصراع الداخلي ذات التأثير على النظام السوري، كونه لا يُشكّل تنافساً على مصادر الثروة فقط بل أيضاً على السلطة والمكانة، ومع أن تحوّل هذا الخلاف إلى نزاع يبدو صعباً جداً، لكن عدم تقديم بشار الأسد لتنازلات بل وتشديد الملاحقة والعقوبات بحق ابن خاله والعمل على عزله عن عائلته مقابل منحها أو أحد أفرادها امتيازات اقتصادية، قد يدفع إلى تنافس حاد يؤدي إلى مزيد من الاصطفاف والتمايز داخل السلطة، والذي بدوره قد ينعكس على الواقع الاقتصادي والأمني.
إضافة إلى وجود تنافس أجنحة آخر على المستوى العسكري بين روسيا وإيران، والذي يأخذ بحسب ما قاله عاصي لـ “القدس العربي” في كثير من الأحيان شكلاً عنيفاً من ناحية الاقتتال على موارد اقتصاد الحرب من معابر برية ومائية على الحدود وخطوط التماس، وطرق الإمداد وغيرها، لكن هذا النوع ما يزال خاضعاً لقدرة الحليفين على إدارة التنافس بشكل لا يؤثر على العلاقة الاستراتيجية.
يبدو أن الدعم الروسي والإيراني المقدم للأسد بمختلف مستوياته، أخفى في ظلاله الكثير من الأطماع لهما في الجغرافية السورية، مخططات كان لا بد فيها من تجنيد رجالات النظام السوري، حتى باتت بعض قيادات دمشق تصنف وفق الانتماء للداعم الخارجي، الذي بدأ بدوره خلال السنوات الأخيرة موسم الحصاد للتدخل العسكري.
صحف غربية، ترى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي حشد قوات عسكرية ضخمة في سوريا، كان هدفه الاستراتيجي هو البحر الأبيض المتوسط بما فيه من صادرات للطاقة والسياسة البحرية، حيث يعتبر وصول روسيا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط عبر مضيق البوسفور أمرًا حيويًا لنشاطها البحري والبحري، وهو ما دفع بوتين إلى إقامة قواعد عسكرية لجيشه في قلب المنطقة العلوية في سوريا، في لعبة لعل محلصتها “صفر مشاكل” لموسكو.
فيما لم يستغرب، تقرير لموقع “ت ر ت العالم” باللغة الإنكليزية”مساعي روسيا وإيران لإبقاء الأسد في الحكم، حيث أن موسكو مهتمة بالاستقرار لمصلحة “إعادة الإعمار” عند انتهاء الصراع، أما هدف إيران الأساسي هو الترسيخ العسكري والأيديولوجي ، بحيث يمكنها بناء طبقة إضافية للدفاع الأمامي والردع في هيكلها الأمني الإقليمي.
مع توسع الأزمة الاقتصادية وسيطرة إيران وروسيا على أغلب القطاعات الواعدة، انقسم النظام السوري، وفق القيادي في المعارضة السورية، العقيد فاتح حسون، بين مؤيد لإيران ومؤيد لروسيا، وبدأت الصراعات تأخذ شكلاً أكثر حدة بعد استعادة النظام تدريجياً للعديد من الأراضي السورية، حيث أظهر رغبة كل دولة في ضمان نفوذها المستقبلي على الدولة السورية وعلى قيادتها، وخاصة القيادة العسكرية، وعلى الاقتصاد، وبالتالي تأمين نفسها حصة في الأرباح من إعادة بناء البلاد.
وبناءً على ذلك، في حين لا تسعى إيران ولا روسيا إلى إقامة أي شيء قريب من الديمقراطية في سوريا أو بديل عن بشار الأسد وحكمه المتمركز حول العلويين، فمن الأسهل على دمشق تلبية مطالب طهران – كما فعلت حتى الآن بشكل أو بآخر – من الاستسلام للمصالحة السياسية من خلال الانفتاح على المعارضة وإصلاح الدستور كما تطالب موسكو. وفق “ت رت العالم”.
لا بديل عن الأسد
أولوية روسيا في سوريا في الوقت الراهن، هي الحفاظ على تواجدها العسكري والحفاظ على مكاسبها الاقتصادية، لكن في الوقت الحالي لا ترى روسيا شخصاً آخر يستطيع حماية مصالحها في سوريا غير بشار الأسد.
أما الأسد بالنسبة إلى إيران فيمثل وفق القيادي المعارض، الحليف الاستراتيجي في المنطقة الذي يضمن لها بقاءها ونفوذها في سوريا، وبالتالي تضمن استمرار الممر الذي يربط دمشق مع طرطوس، الذي يمر قريبا من الحدود اللبنانية. وهو ما سيسمح لطهران بمواصلة شحن الأسلحة لحزب الله، لذا فإن إيران ليست في وارد التخلي عنه بأي شكل.
وبوادر ذلك تظهر في الاتفاقية العسكرية الشاملة بين التي وقعها رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية مع وزير دفاع النظام علي أيوب في دمشق.
وجاء وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف حاملاً في جعبته عدة مطالب على رأسها تحجيم الدور الإيراني، وظهر ذلك جليا خلال حديثه في المؤتمر الصحافي مع المعلم إنّ “الوجود الإيراني في سوريا أمر لا يخص روسيا، بل هو قرار سيادي للنظام السوري” في إشارة إلى أنه يلقي بالكرة في ملعب النظام لمعالجة نفوذها وسحب البساط من تحت إيران في سوريا.
مما يؤكد، من وجهة نظر العقيد فاتح حسون، ذلك التقارب الكبير مع إسرائيل، التي لم توقف ضرباتها على المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا، إلى جانب تنافسهما المكشوف للاستيلاء على ثروات سوريا في مختلف القطاعات.
كما أن الأسد مدرك بدوره إلى أن روسيا وإيران متفقتان ضمنيا على بقائه في السلطة، والحفاظ على نظامه حيث ترى طهران فيه رأس حربة وجسرا للعبور إلى المتوسط وركيزة في “مشروعها التوسعي” بينما تريد موسكو الحفاظ على قاعدة طرطوس وإعادة النفوذ العالمي.
انهيار قدرات النظام
استمرار تنافس الأجنحة الداخلي يحرم النظام السوري، بحسب رؤية الباحث عبد الوهاب عاصي، أي هامش ممكن له لا سيما على صعيد التعطيل، فروسيا مثلاً تطالب النظام لسوري منذ فترة طويلة بإصلاح عسكري وإداري لكن هذا الأخير لم يستجب مستفيداً من تنافسها مع إيران.
كما أنّ استمرار التنافس يعمّق من انهيار قدرة النظام السوري على إدارة اقتصاد الحرب والاقتصاد الموازي، فمنذ منتصف عام 2019 بدأ جملة إجراءات ضد شبكة المحسوبية لتحصيل الأموال من أجل دعم الليرة المحلية، لكن يبدو أنّ ذلك قد يقوّض إمكانية الحصول على دعم مرضٍ بالنسبة له حتى وإن كان قد ساهم هو ذاته في دعم صعود هذه الشبكة.
احتواء إيران
ما تزال روسيا قادرة على احتواء مطالب إيران خلال المسار السياسي، وحتى مع انتخابات مجلس الشعب الأخيرة لم يظهر أي شكل من التنافس بين الطرفين.
لكن ذلك لا يعني في حال تنامي التنافس ألّا ينعكس على ملفات أخرى مثل اللجنة الدستورية وما قد ينتج عنها، لذلك ليس مستبعداً أن ينتج خلاف جديد على مستوى علاقة النظام السوري بالأكراد.
فروسيا تريد بحسب عاصي، استمالة حزب الاتحاد الديمقراطي وإشراكه في العملية السياسية وربما الضغط على النظام من أجل تقديم تنازلات حول طبيعة الإدارة شرق سوريا، في حين أن إيران رفضت مراراً تقديم تنازلات حول هذا الأمر وحثت النظام السوري على حصرها كإدارة محلية وفق ما ينص عليه دستور عام 2012.