تتعزّز المخاوف لدى النظام السوري، والأهالي في مناطق سيطرته، مع قرب إعلان الحزمة الجديدة من قانون قيصر، التي ستزيد من الأعباء، بسبب العقوبات التي تضاف إلى واقع الاقتصاد الذاهب نحو مزيد من التدهور، جراء عوامل مختلفة وعلى رأسها الفساد المعمّر، والانهيار العملي المتسارع لسعر صرف الليرة أمام الدولار، فضلا عن التوقف الفعلي لعجلة الاقتصاد المحلية عن الدوران بشكل مستمر منذ سنوات.
ولعل الواقع المعيشي الصعب، يخوف الكثيرين من التأثير المباشر على حياة البسطاء من المدنيين والناس في سوريا، إذ أن هذه العقوبات أسفرت عن انهيار العملة المحلية إلى مستوى غير مسبوق، فيما يرى خبراء ومتابعين لـ”القدس العربي” أن “هذا القانون قد حمل رسميا اسم قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين، لذا فإن القانون العقابي للنظام وداعميه استند إلى ضرورة تقديم المساندة والدعم للمدنيين، وهذان هما الأساس الذي تم بناء القانون عليه، أي “العقاب والمساند”.
ويهدف قانون قيصر وفقا للخبير السياسي محمد سرميني، إلى تشكيل فارق سياسي في الملف السوري من ناحية تغيير سلوك النظام وحلفائه أي روسيا وتحديداً إيران، من حيث دفعه لتقديم تنازلات سياسية، أو على أقل تقدير تعطيل قدرته على الاستمرار في الحرب وتقويض قدرته على السيطرة الأمنية والاجتماعية.
ويقول الخبير لـ”القدس العربي” إن “بنود العقوبات المفروضة على سوريا تستهدف المؤسسات الحكومية مثل المصرف المركزي في سوريا، باعتباره -بحسب رؤية المشرعين الأمريكيين- مؤسسة مالية هدفها الأساسي هو غسيل الأموال، إضافة إلى معاقبة الأفراد الداعمين للحكومة والنظام، من مسؤولين مدنيين أو عسكريين أو متعاونين يمولون أي نشاط للنظام السوري، أو يساهمون في دعم وتمويل أي من النطاقات الثلاثة، العسكرية والتنموية والاقتصادي”.
كما يجمّد القانون عملية إعادة الإعمار، إذ ينصّ على فرض عقوبات على أي شركة أو فرد يدعم النظام في قطاعات الطاقة أو الطيران أو الإقراض، أو الإسهام في تحسين أو توسيع أو صيانة إنتاج الحكومة السورية للغاز الطبيعي والبترول ومشتقاتهما، مما يعني أن مختلف الشركات الروسية والإيرانية والأوروبية والعربية التي تسعى للحصول على قسم من كعكة السوق السورية المنهارة لن تستطيع الوصول إلى غاياتها، حيث تمتلك بنوده قدرات رادعة.
حياة المدنيين
في هذا الجانب، يتخوف كثيرون من التأثير المباشر على حياة المدنيين في الداخل، حيث إنّ “هذه العقوبات ستحول دون إعادة تأهيل البنى التحتية وإصلاح الخدمات الأساسية، إضافة إلى تفاقم حاجتها بصورة مطردة للغاز والبترول”.
وعلى الرغم من وجود أسباب موضوعية سابقةٍ على بنود قانون “قيصر” أوصلت الاقتصاد السوري لهذه المرحلة، فإن القانون بحسب سرميني قد “وضع بنودا في محاولة لتحديد أُطر لحماية المدنيين ومساعدتهم، بدءا من استثناء المساعدات الإنسانية من العقوبات وانتهاء بالإمكانات الممنوحة للرئيس الأمريكي لإيقاف سريان القانون لمدة مؤقتة ضمن شروط معيّنة”.
عزلة تامة
قانون قيصر ووفقا للخبير السياسي، لن يسقط النظام السوريّ سياسيا، بل إنه سيضعه في حالة غير مسبوقة من العزلة الدولية اقتصاديًّا وسياسيًّا، وستجعل هذه النقطة بالذات من استمرار دعمه أمرا مكلفا لجميع حلفائه، حيث ركّز مشرعو القانون على استهداف النظام السوري ومؤسساته، والنظام الروسي والمسؤولين فيه، والنظام الإيراني ووكلائه والراغبين بالتعامل معه.
بالتوازي مع ذلك، فقد صُمّم القانون على نحو يهدف لمنع الشركات والأفراد من الاستثمار في سوريا، سواء بهدف دعم النظام أو المشاركة في جهود إعادة الإعمار التي تقودها حكومة النظام، إذ إن القانون يُعاقب بشكل واضح وجذري المتعاونين مع النظام بأي شكل من الأشكال، كما أنه سيكون مستمرًّا لعشر سنوات مقبلة على الأقل قابلة للتجديد إن لم يتغير سلوك النظام السوري.
صلاحيات الاستمرار
لم يوضع سقف زمني لاستمرار القانون، إلا أن ستة شروطٍ وضعها مشرّعوه يمكن أن تشكل أساسًا فعليا لإيقاف القانون وآثاره، تتمحور وفقا للمستشار الاقتصادي لدى مركز “جسور” للدراسات خالد تركاوي حول “وقف قصف المدنيين عبر سلاح الجو الروسي والسوري، ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة والسماح بمرور المساعدات الإنسانية وتحرّك المدنيين بِحُرية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين”.
وكذلك السماح وفقا للمتحدث “بدخول منظمات حقوق الإنسان إلى السجون والمعتقلات السورية، ووقف قصف المراكز الطبية والمدارس والمناطق السكنية والتجمعات المدنية كالأسواق. كما تشمل الشروط ضمان عودة المهجّرين السوريين بطريقة آمنة وطوعية، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب وإحقاق العدالة لضحايا جرائم الحرب التي ارتكبها النظام السوري.
كما يمنح القانون الولايات المتحدة مساحة كبيرة لفرض رؤيتها حول مستقبل البلاد، وسيدفع النظام السوري للقبول بحلٍّ سياسيّ حقيقي ويمهّد الطريق لانتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة.
ويعوّل أعضاء الكونغرس على أن تكون هذه الشروط دافعا لإيقاف دعم نظام الأسد وسحب غطاء حلفائه عنه، إضافة إلى الإسهام في حماية المدنيين.
خلفية القانون
وتحدث الخبير الاقتصادي تركاوي ان العمل على ما بات يعرف بـ “قانون قيصر لحماية المدنيين” كان قد بدأ قبل ست سنوات من الآن، ثم دخل تطبيق القانون فعلياً حيز التنفيذ صباح الأول من حزيران/يونيو 2020.
وكان أحد عناصر المخابرات السورية، قد استطاع تسليم ملفّات للولايات المتحدة توثّق قتل أكثر من 10 آلاف معتقل تحت التعذيب في سجون الأسد، لتبدأ رحلة قانون قيصر لحماية المدنيين ويتمعن السياسيون والنواب الأمريكيون لمرات متكررة منذ 2014 إلى حين توقيعه من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الأول/ديسمبر 2019 بعدما تم إدراجه في قانون موازنة الدفاع السنوية، حرصًا على تمريره من قبل الحزبين.
حكاية قيصر
ويقول تركاوي إن صدور القانون، باعتباره خطوة لمعاقبة النظام على جرائمه، شكل مفصلا مهما في كفاح السوريين لمحاسبة الجناة، ومحطة في رحلة السوريين للبحث عن الحرية التي دفع عشرات الآلاف منهم حياتهم ودماءهم ثمنا لها.
وتختصر تسمية “قيصر” حكاية السوريين وثورتهم على النظام، فقد سرّب “الضابط المنشقّ” 55 ألف صورة لمعتقلين ارتقوا تحت التعذيب، وهي غيض من فيض، إذ توثّق هذه الصور مرحلة زمنية قصيرة لفرع بعينه في محافظة بعينها.
وكانت صور قيصر فريدة في ألمها حتى على السوريين أنفسهم، فرغم أنهم يعرفون طبيعة الإجرام الذي يُمارس في أقبية السجون، فإن الصور قدّمت لهم عرضا للحظات الضحايا الأخيرة، وتركتهم أمام تأملٍ لما قضاه كل معتقل من تعذيب أمام وحوش وزبانية الأرض إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.