فينيسيا ـ «القدس العربي»: بياض الثلوج يغمر الشاشة، ليس البياض المبهج لثلوج عيد الميلاد ودفء المنازل حولها، ولكنه بياض موحش شاحب، كبشرة راحت منها دماء الحيوية، وكحياة ذهبت عنها البهجة. في هذا البياض الشاحب يبدأ فيلم «العالم الآتي» للمخرجة النورويجية المولد المقيمة في نيويورك مونا فاستفولد، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي في دورته السابعة والسبعين.
يطالعنا على الشاشة تاريخ الأول من يناير/كانون الثاني عام 1856، وصوت امرأة، نعرف لاحقا إنها أبيغيل (كاثرين ووترستون، في أداء بالغ الرقة والحساسية) وهي تقرأ يومياتها، التي تودعها أسرارها وتبثها أشجانها، تلك اليوميات التي تعيرها صوتها في عالم يملؤه السكون والوحشة.
تعلمنا أبيغيل في يومياتها أن البهجة الشحيحة في عالمها اختفت تماما برحيل طفلتها المصابة بالدفتيريا. وفي وجود زوج صموت غادرته الابتسامة وأغرق نفسه في عمل المزرعة الشاق، لا تجد أبيغيل صحبة، أو بهجة وسط حياة قاسية وأجواء باردة. نتساءل مع أبيغيل عما قد يأتي به العام الجديد. هل سيبقى على برودته ووحشته كسابقه؟ أم هل ستعرف فيه جديدا؟ أم هل سيبقى عالمها على حاله بما فيه من سأم ومرارة.
«العالم الآتي» فيلم بديع بصريا، فمع الثلوج الممتدة في الأفق الفسيح نرى الغابات والطبيعة، ولكنها طبيعة تحن فيها أبيغيل للصحبة والدفء. تبدو الطبيعة في الفيلم بديعة كلوحة في متحف بعيد، ولكن قلب أبيغيل يصبو إلى من تبثه مشاعرها وأشجانها، فحتى حزنها على صغيرتها تجرعته بصمت.
عندما يسأل داير، زوج ابيغيل (كيسي أفليك) عما تريده كهدية لعيد الميلاد، تجيب بلا تردد إنها تريد أطلسا للعالم. هي امرأة تلوذ بكتبها من عالمها الضيق الخانق، وتحلم بالعالم الفسيح الذي تود أن تلم به عبر صفحات الأطلس.
ويأتي العام الجديد بتالي (فانيسا كيربي في أداء مميز للغاية) ذات الملامح الجميلة في تحد، التي يبدو من قسماتها وخطواتها السريعة، والتفاتاتها إنها اختارت لنفسها دربا آخر في مواجهة العالم، فهي لا تجد ملاذا في الكتب والخيال، ولكن تناطح واقعا صعبا، وترفض الانصياع لأوامر زوجها المتسلط (كريستوفر أبوت) وتواجه قسوته بالتحدي، رغم بطشه بها. تجد أبيغيل وتالي الملاذ من وحشة العالم وقسوته في بعضهما بعضا. وتستحيل الصداقة بينها إلى عشق ورغبة، تكملان بعضهما بعضا وتبوحان بأسرارهما لبعضهما بعضا، وتصبحان العون والسند لبعضهما بعضا. تكاد المقارنة بين فيلم «عالم آتي» و«صورة لشابة تشتعل» للفرنسية سيلين سكاياما، الذي حظي بإشادة نقدية واسعة، حين عرضه في مهرجان كان عام 2019. الفيلمان يصوران تلك الصلة الروحية والعاطفية والنفسية، والعشق الذي ينشأ بين امرأتين في عالم يسلب المرأة صوتها وحريتها، ويسلبها التحكم في جسدها ورغباته. رغم الثلوج في الخارج وقسوة المكان والمهام، تصبح حياة أبيغيل وتالي أرحب وأرحم وأكثر ودا وإشراقا، عندما تكونان في صحبة بعضهما بعضا.
تكمل المرأتان بعضهما، فأبيغيل تقبل مهامها الحياتية وعملها في المزرعة بجلد كبير رغم مشقتها، بينما لتالي روح متمردة ترفض الكثير من تلك المهام. أبيغيل تعبر عن نفسها بلغتها الأنيقة في يومياتها، بينما تالي أكثر حسية وأكثر جرأة في التعبير عن الحب بالجسد. يتبدل عالم أبيغيل بوجود تالي، وتشرق شمس أيامها ولو إلى حين.
«العالم الآتي» يحفل بصخب المشاعر الذي يقابله صمت في الحديث، إنه عالم لا يسمح للمرأة بالإفصاح عن مكنوناتها، ويسعى بشتى السبل على أن لا تزيد كلماتها عن الحد الذي يرضي الرجال. حتى في يومياتها التي تودعها أسرارها يصمت صوت أبيغيل عن الكثير ولا تبوح إلا بالقليل. سيشاء العالم الذي يسير وفق رغبات الرجال ألا يدوم بقاء أبيغيل وتالا جسديا معا، إلا فترة وجيزة، عدة أشهر، غيرت حياة أبيغيل إلى الأبد. ترحل تالي وتبقى الذكرى محفورة في القلب إلى الأبد.
ويجدر بنا القول إن دور فانيسا كيربي في «العالم الآتي» هو أحد دورين تشارك بهما في فيلمين في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا لهذا العام. تقدم كيربي دورا يشع حياة وحيوية، وما أن تظهر على الشاشة حتى تلتفت إليها الأنظار، ولا تبرحها الأعين. ولكن أداء ووترستون العذب الرقيق وكلماتها التي خطتها من القلب في مذكراتها، وترويها لنا بصوتها، هو ما يأخذنا إلى أعماق قصة الحب تلك. إنهما امرأتان لا تحلمان إلا ببعض الساعات الهادئة، تلوذان فيها ببعضهما من عالم لا يرحم.
«العالم الآتي» فيلم أنجزته مونا فاستفولد، بتمكن واقتدار كبيرين، وحرفية فاستفولد تأتي مصحوبة بفهم عميق لمشاعر المرأة واحتياجاتها النفسية، وحزنها وحنينها، فيتكامل الجانب التقني والصنعة مع المشاعر، لتعطينا صورة تفيض شاعرية لحياة تلك المرأة البعيدة في وحشتها الجليدية.