القاهرة – «القدس العربي»: كانت آخر التجارب السينمائية التي اعتنت بالصم والبكم وأقرت بحقهم في الحياة الطبيعية من غير نقصان، التجربة المهمة للمخرج محمد النجار في فيلم «الصرخة» ذلك الذي قام ببطولته نور الشريف ولعب فيه دور شاب أبكم وأصم أمام معالي زايد، وقد حاز الفيلم إعجاب الجماهير من كل الفئات وبالطبع وجه رسالة مباشرة للمجتمع مفادها الاهتمام بحقوق الفئة الأكثر تميزاً من حيث الذكاء والفطنة وعدم إهمالها باعتبارها الأقل حظاً.
السينما الروائية القصيرة تعود بعد أكثر من ثلاثين عاماً لتجدد الخطاب الإنساني إزاء التعامل مع الصم والبكم في رؤية مختلفة تراعي الحقوق النفسية والوجدانية لأصحاب البصيرة، من دون أدنى محاولة لإثارة عطف المشاهد أو استجدائه للاعتراف بالحق الأصيل لأولئك العاجزين عن الكلام والسمع، والناشطين المهرة في الاستنتاج والاستنباط والتقاط الإشارات بسرعة البرق، وهي الملكات التي حباهم بها الله ليعوضهم عن ما فقدوه.
«بكرة الساعة 3 « عنوان الفيلم الروائي القصير للمخرج والسيناريست محمد السعدني، الذي تدور فكرته حول فتاة جميلة تتمتع بحس رومانسي وقدرة فائقة على العطاء، ولكنها تفتقد إلى حاستي السمع والنطق، ومن ثم تجد صعوبة في إيجاد الشخص المناسب، الذي يتفهم ظروفها ويتجاوز عن إعاقتها ويبادلها المشاعر الرومانسية النبيلة، ولكنها رغم عنائها لم تعدم الوسيلة التي تمكنها من التواصل مع المجتمع كأي إنسان طبيعي.
بيد أن المشكلة تكمن في الآخر، الذي ينظر إلى الأنثى بوصفها كائناً لا يقبل النقصان ويضع من جانبه شروطاً تعسفية للحب والزواج والتبادل العاطفي تُخرج الفتاة من دائرة التقييم والاهتمام وتحكم عليها بالتعاسة طوال حياتها وهي البريئة التي لم تقترف ذنباً ولا خطيئة، غير أنها وجدت نفسها في معاناة القسوة والصلف الاجتماعيين فباتت تراهن على الشخص الاستثنائي الذي تُمضي معظم الوقت في البحث عنه.
وفي هذا الإطار تدور الأحداث الميلودرامية حول شخصية البطلة الشابة في صمت هو أبلغ من كل أحاديث الثناء والإطراء والشرح والاستفاضة. والإدانة أيضاً في مواضع كثيرة من الفيلم الذي لا يتجاوز زمنه 16 دقيقة، حيث يعرض المخرج محمد السعدني في استهلال سريع تفاصيل الحياة اليومية للفتاة الباحثة عن ذاتها مع الحبيب المُنتظر، فهي تستيقظ مبكراً وتخرج من بيتها إلى عملها في نشاط وحيوية متفائلة بمستقبل سعيد، وعلى إشارات الضوء القوية المنبعثة من تليفونها المحمول تعرف من يهاتفها وتتجاوب معه وفق قانون التفاهم الخاص بها.
وبهذا نتعرف على طقوس البطلة وكيفية تعاملها مع الوقت والزمن والمحيط الذي تعيش فيه، وللزمن هنا دلالة قوية فهو المعادل الموضوعي للعمر الذي يتسرب شيئاً فشيئاً ويمثل العقبة الرئيسية أمام الفتاة الجميلة الأنيقة ذات العشرين ربيعاً، التواقة للحياة والمُفعمة بالمشاعر والأحاسيس الإيجابية والتي جسدت شخصيتها الممثلة الشابة ميار ممدوح بأسلوب غاية في الإقناع لاعتمادها على التعبير بالوجه والحركة واستيعابها للمحتوى الباطني والصراع النفسي الذي تعانيه صاحبة الأزمة.
يعتمد السعدني في مواطن التأثير بالفيلم على عقدة الرجل الشرقي الذي لا يؤمن بأوجه الجمال الأخرى عند من لديهم نقص ما في كفاءة الحواس من الفتيات أو النساء وهو ما يُعتبر جهلا بالحقيقة، إذ أن الجمال الظاهري ما هو إلى مجرد عنوان خارجي للشخصية التي يُحتمل أن تكون قبيحة من الداخل ولهذا فإن الرهان على الشكل كداعم أساسي هو محض مغامرة لو كان الجوهر غير ذلك، ثم أن اكتمال الإنسان لا يمكن أن يستوفي باكتمال الحواس فقط، لأن هناك ما هو أكثر أهمية كالصدق والأمانة والعفة والنزاهة والشرف فتلك مقومات غير مرئية لكنها العضد الأساسي لأي شخصية.هذه الأبجدية هي التي حاول المخرج أن يرتكز عليها في تقديمه لشخصية البطلة بغير مباشرة وإنما أوحى بها في كثير من مشاهد الفيلم كالمشهد الذي رفضت فيه الفتاة دعوة شاب مُعجب إلى مرافقته للبيت ونهرته بشدة دفاعاً عن كرامتها. وكذلك تمسكها بالقيمة الإنسانية المتوافرة في العلاقة العاطفية التي باتت تتخيلها وتعيش على إثرها عبر لقاءات الانتظار المتكررة للحبيب الرسام في الكافية، وإن كانت أفضت إلى الوهم، لكنها رسخت مبدأ القناعة بأنه لا وجود لعلاقة سوية بين طرفين إلا بالمودة والحُسنى والتبادل العاطفي المتكافئ.
كما أكدت مشاهد اللقاء فكرة تمسك الفتاة بالحُلم كرغبة مؤكدة من جانبها على إقبالها نحو الحب العفيف كحق مُكتسب لها ولغيرها من المتماثلين في الحالة والمحرومين من نعمة السمع والكلام، وقد جاءت النهاية مُتسقة مع الفكرة العامة واللغة الشاعرية للفيلم فالتوافق الذي حدث في الثواني الأخيرة للأحداث وشعاع الأمل الذي نفذ من ضبابية الحالة المتأزمة بعد اكتشاف الفتاة بأنها لم تكن المقصودة بإشارات الحب الصادرة عبر حركات البطل على الجانب الآخر، كان كفيلاً بتبديل الصورة السلبية من النقيض إلى النقيض، ليتأكد المعنى المراد تأكيده بأن الحب الصادق لا يعرف المستحيل، وأن المشاعر الإنسانية متوافرة لدى الجميع بالتساوي لا ينقصها إلا التفعيل لأن الله عادل لا يقبل الجور ولا يصم أحداً من خلقة بالنقصان.