رام الله – «القدس العربي»: منذ بداية تموز/يوليو الماضي، عندما أقدم مجموعة من المستوطنين المتطرفين، على إحراق وقتل الفتى محمد أبو خضير من القدس المحتلة، اشتعلت القدس المحتلة غضباً على ما يجري بحقها من إجراءات، أو من تدنيس للمسجد الأقصى المبارك، ولم تستطع إسرائيل بكل قوتها العسكرية منع انتشار وتوسع هذا الحريق الذي قد يطال الأخضر واليابس، بينما تقف عاجزة عن فعل شيء.
ولطالما كان للقدس وأهلها وضع خاص، فمعاناتهم مضاعفة في العيش تحت الاحتلال وفي ظل قوانينه الظالمة، التي تخنق أهل المدينة، وتجبرهم في كثير من الأحيان، إما للرحيل، أو خسارة متاجرهم بسبب الضرائب الباهظة، أو يستولي المستوطنون على منازلهم بقوة السلاح، أو يواجهون السجن لو قاوموا المحتل، أو مواجهة القتل في أحيان كثيرة.
ولا يمكن لإسرائيل أن تنسى، أن الانتفاضة الثانية، وتحديداً في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر من العام 2000، انطلقت من القدس المحتلة وبسببها، عندما اقتحم رئيس الوزراء آنذاك، أرييل شارون المسجد الأقصى المبارك، وكانت انتفاضة الأقصى، وهذا ما يؤرقها الآن مما يجري في القدس المحتلة.
وتعيش إسرائيل حالة من الرعب غير المسبوق، ذلك أن المقدسيين لا يتوقفون عن ابتكار أساليب جديدة للمقاومة، ولمواجهة المحتل في كل زمان ومكان، وبالإمكانات البسيطة المتاحة بين أيديهم، كون القدس المحتلة تقع تحت السيادة الأمنية الإسرائيلية، فتارة عملية اغتيال من مسافة صفر لمستوطن متطرف مثل «يهودا غليك» عقاباً على اقتحامه المسجد الأقصى، وأخرى بالسيارات عبر «الدهس» المباشر الذي لا يمكن لإسرائيل السيطرة عليه في عمليتين متتاليتين، وثالثة عبر استخدام الألعاب النارية في مواجهة جنود وشرطة الاحتلال في التظاهرات المستعرة في كافة أرجاء المدينة المقدسة.
أما الكارثة التي تواجهها إسرائيل فعلياً في القدس المحتلة، فهي أنها لا تستطيع فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين في المدينة المقدسة، ولا تستطيع التمييز بين سياراتهم فهي تحمل اللوحات الصفراء الإسرائيلية ذاتها، ولا يمكن لها أن تفصل شوارعهم عن بعضها، أو تمنعهم من استخدام المواصلات العامة في المدينة، وبالتالي فإن كسب المعركة بالنسبة لها عسكرياً، أمر أشبه بالمعجزة. وفي حال حاولت إسرائيل الاستعانة بالسلطة الفلسطينية «لتهدئة الخواطر» بحكم التنسيق الأمني بين الطرفين، فإن ذلك أمر مستحيل للغاية، ذلك أن القدس لا سيطرة للسلطة الفلسطينية على شيء فيها، وكما أن السلطة الفلسطينية منشغلة الآن في التوجه لمجلس الأمن الدولي، ومحاسبة إسرائيل في المحافل الدولية، وبالتالي فإنها معنية بالتصعيد في المدينة المقدسة، لأن القدس ورقة رابحة في يدها دائماً.
ويعد الملف الأخطر الذي تخشاه إسرائيل هو المزيد من الضغط عليها، من داخل المدن الفلسطينية المحتلة في العام 1948، كما جرى قبل أيام في كفر كنة، ومختلف المدن الفلسطينية في الداخل، حين هبّ السكان ضد جريمة قتل شاب بدم بارد، حيث أن الضغط من داخل المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل أمنياً أخطر بكثير بالنسبة لها، من اندلاع مواجهات في مناطق التماس مع الضفة الغربية المحتلة، وإن كانت مثل هذه المواجهات تستنزفها كثيراً.
وأكثر ما يبرز هنا، هو أن القدس هي معركة الجميع، أو بمعنى آخر معركة البقاء الفلسطيني، ففيها المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفيها التاريخ، وهي التي يريدها الفلسطينيون عاصمة لهم، أما بالنسبة لإسرائيل، فهي مدينة «جبل الهيكل» بحسب ادعاءاتهم، وهي التي يزعمون أنها عاصمة إسرائيل الأبدية، وهي المدينة التي ستكون الفاصلة في كل شيء.
لكن ودون أدنى شك، فإن ما يجري بين حركتي فتح وحماس، وتحديداً بعد تفجيرات غزة التي طالت منازل قيادات فتحاوية، ومنع حركة حماس، لشقيقتها فتح من إحياء ذكرى الرئيس الراحل ياسر عرفات في غزة، وبعد الخطاب الناري للرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي اتهم فيه حماس صراحة بالوقوف وراء التفجيرات، وبالتالي إعلان «طلاق» شبه نهائي، فإن لكل ذلك تأثيره السلبي على صمود القدس وأهلها، وحتى على الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أن من شأنه إضعاف موقف الفلسطينيين في المحافل الدولية، والأهم مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وحسب محللين تحدثت معهم «القدس العربي» فإن أسوأ ما حدث عقب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، هو التفجيرات التي وقعت في القطاع، وعودة الخلافات بين حركتي فتح وحماس، خاصة وأن أجواء «التراشق الإعلامي» إبان السيطرة على غزة وقبيل المصالحة، عاد ليعكر صفو الأجواء، ويشتت الشارع عن المعركة الأم، وهي القدس المحتلة، والمعارك الجانبية، كمجلس الأمن، والانضمام إلى المنظمات الدولية.
وأكثر ما يخشاه الشارع الفلسطيني هو عودة الاحتقان في قطاع غزة والضفة الغربية، وعودة الملاحقات الأمنية من جانب كل طرف لأنصار الطرف الآخر، وهو الأمر الذي إن حصل، سيكون من شأنه أن يؤدي لانفجار الشارع، لكن هذه المرة في وجه الطرفين، بعد انحراف البوصلة عن قضية التحرر الوطني، وذهابها إلى مكان يخجل الشارع الفلسطيني من العودة للتحدث فيه، بعد سبع سنوات من الاقتتال والانقسام، واتفاقات المحاصصة التي وقعت بين الطرفين، ولم تؤدِ إلى المصالحة الحقيقية، كما هو الحال الآن.
ويشعر الشارع فعلاً أن الأمور تسير في الاتجاه المعاكس، خاصة وأن صحيفة الرسالة المحسوبة على حماس، شنت هجوماً لاذعاً على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وخطابه في ذكرى رحيل عرفات، الذي اتهم فيه حماس بتنفيذ التفجيرات في غزة، فيما هاجم عدد من القيادات الفتحاوية وناطقين إعلاميين باسم الحركة، حركة حماس، واتهموها بتخريب المشروع الوطني، وفصل شقي الوطن من جديد، وسط تهديدات حمساوية بسحب الثقة من حكومة الوفاق الوطني كما تقول برئاسة رامي الحمد الله، والدعوة لانتخابات تشريعية ورئاسية عاجلة.
فادي أبو سعدى