شارع عماد الدين حكايات الفن والنجوم في كتاب ألفريد فرج

كمال القاضي
حجم الخط
0

صدرت مئات المؤلفات التي تناولت تاريخ الفن المصري وحياة النجوم والنجمات، وخضعت للرؤى المختلفة لوجهات نظر أصحابها. لكن ثمة تميزا نراه في الكتاب التذكاري الذي صدر عام 2012 للكاتب المسرحي الراحل ألفريد فرج، تحت عنوان “شارع عماد الدين .. حكايات الفن والنجوم” فقد رصد الكاتب الكبير تطور الحياة الفنية في مصر خلال القرن العشرين بدءا من الدور التنويري لأحمد لطفي السيد الذي كان على قمة المؤسسة الثقافية في بداية القرن وصاحب الفضل في تأسيس جامعة القاهرة وهو الداعي للتعليم العالي والمُحفز لتلاميذه الكبار محمد حسين هيكل صاحب أول رواية مصرية بعنوان زينب، تلك التي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي لتكون علامة مضيئة على المستويين الروائي والفني.

كذلك كان من تلاميذ الرائد أحمد لطفي السيد الدكتور طه حسين أول من طالب بمجانية التعليم ودعا إلى جعله كالماء والهواء، فضلاً عن إعادة دراسة التراث العربي وفق المنهج الحديث لتأكيد الصلة التاريخية للثقافة العربية وعلاقتها بالثقافات العالمية، وهي النقطة المهمة التي أشار إليها صاحب الدراسة ألفريد فرج في عدة صفحات مُستعرضاً أوجه التواصل وأشكال التأثر والتأثير.

وبتتبع مسيرة الثقافة المصرية خلال القرن السابق، ذكر الكاتب الدور المهم للشاعر الكبير أحمد شوقي في دعم السياق المعرفي وتعزيز العلاقة الثقافية العربية وربطها بالفكر التنويري المصري عبر مراحل متفرقة، إلى أن ظهرت أجيال أخرى من المبدعين أمثال بديع خيري وبيرم التونسي وصلاح جاهين وفؤاد حداد وغيرهم، من الذين قدموا إسهامات عديدة عملت على تطوير اللهجة العامية وكشفت عن مواطن الجمال والإبداع فيها فتم توظيفها كمقوم إبداعي ضروري للاستفادة منها في السينما والمسرح والغناء، وبموجب ذلك قامت النهضة الأدبية والثقافية ودخل أدباء كبار مثل توفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف إدريس حيز الإبداع السينمائي وعرف إبداعهم طريق الشاشة الكبيرة من أوسع الأبواب وظهرت أفلام مهمة منها “الأيدي الناعمة” و”النظارة السوداء” و”أنا حرة” و”الحرافيش” و”ثرثرة فوق النيل” و”النداهه” و”الحرامي والشحاذ” و”قلب الليل” و”السمان والخريف” إلى  آخره.

ولما كان ألفريد فرج مولعاً أيضاً بالشعر والمسرح، فقد أورد في صفحات دراسته الإبداعية القيمة ملامح من حياة الشعراء الكبار، علي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وأحمد رامي ومحمود تيمور وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، وقد عمد إلى ربطها بالمشهد الثقافي المتماس مع الحركة الفنية بروافدها المختلفة من مسرح شعري ومسرح كلاسيكي وفنون ذات صلة كالموسيقى والفن الشعبي والإنشاد مسترشداً بالشيخ سلامه حجازي الذي جمع بين التلحين والغناء والأوبريت والمسرح الشعري، ونقل مع سيد درويش وعبد الوهاب الغناء من الأسلوب التطريبي التقليدي إلى الشكل التعبيري، فاستُخدم الغناء في المسرح كعنصر داعم على المستويين الشكلي والموضوعي.

أما علاقة شارع عماد الدين بالدراسة فهذا هو الجانب الجغرافي الذي اعتنى به ألفريد في ما يخص المكان التاريخي للأحداث الفنية. فشارع عماد الدين كان ولا يزال الموقع الاستراتيجي للهواة والمحترفين من أهل الفن، حيث توجد فيه أكبر وأعرق المسارح ودور السينما، كمسرح نجيب الريحاني والمسرح الكوميدي، وبالقرب منهما مسرح متروبول، وفي القلب منه سينما بيجال وسينما ليدو وسينما كوزموس وسينما مصر بالاس وكلها دور للعرض بدأت في عشرينيات القرن الماضي وظلت تعمل لعصور وعقود وعهود ولم تتوقف حتى اللحظة.

ولذلك ظل شارع عماد الدين موطناً من مواطن الفن والفكر والإبداع وعلامة دالة على تألق ونشاط الحركة الثقافية على اختلاف مشاربها وتعدد رموزها ومكوناتها، فالمسارات الفنية أخذت أبعاداً كثيرة، فمنها ما هو نوعي وما هو عام، حيث بدأت ملامح الأدب النسائي على سبيل المثال تتبلور مع قيام ثورة 1919 وخروج المرأة لأول مرة في المظاهرات للتنديد بالاحتلال وإعلان تأييدها لسعد باشا زغلول، وكانت هناك صيحات أخرى تمثلت في بعض المسرحيات التي ركزت على دور المرأة الاجتماعي وحريتها المنشودة كمسرحية “جولفدان هانم” للكاتب علي أحمد باكثير ومسرحية “سر شهرزاد” فضلاً عن حضور المرأة المصرية في الفن التشكيلي والتصوير الزيتي والفوتوغرافي والذي عكس لغة تعاطف خاصة مع القضايا النسائية، وربما اشتهر الفنان التشكيلي محمود سعيد بتصويره البارع للمرأة واهتمامه بالموديل الشعبي على وجه التحديد، وكذلك الفنان حامد ندا الذي رسم أشهر لوحاته للمرأة والديك والسمكة بثلاث رموز دلالية مهمة للحياة التي اختصرها في العناصر الغنية بالمعاني البيئية والإنسانية.

ومن الرمزية التشكيلية إلى الواقعية الأساسية المتجسدة في نضال زعيمة المرأة هدى شعراوي التي دعت إلى انخراط المرأة في المجتمع ونزولها مجال العمل جنباً إلى جنب مع الرجل، فضلاً عن الجهود المضنية لنبوية موسى وسعيها الحثيث لتعليم الفتيات ومحو أميتهن ليحصلن على مكانتهن المرموقة في المراتب الاجتماعية.

وربط الكاتب المسرحي الكبير ألفريد فرج قبل رحيله بأعوام بين كل هذه الأفكار التنويرية والثقافية وبين نهضة الفن المسرحي والسينمائي ومرجعية المكان والزمان في دراسته الموسوعية المتعمقة عن العلاقة بين التطور والحركة الإبداعية، ليُعطي دروساً بلاغية في المفهوم العام والخاص لمعنى الثقافة والأدب كمرادفين أساسيين للحياة والإنسان والطبيعة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية