بعد أيَّامٍ على كتابتي منشوراً صغيراً على موقع التواصل الإجتماعي، عن حادثةٍ تعرَّضت لها أنا وزملاء لي من الجامعة في طريق العودة ونحنُ نستقلُّ الحافلة وأوقفنا الأمن الفلسطيني وبالتحديد جهازُ المخابرات العامة. وقد كانت حادثةً بسيطة، ولكنَّ معانيها التي أتتني بعد ذلك هي معاني أكثر عمقاً، وفيها بعد ما لَم أره في حينها. أوقفتنا المخابرات وأنزلت بعضنا، ولَم نتعرض لأي نوع من الإهانة المباشرة، سوى تلك التي تتمثَّل في أنَّ أمناً فلسطينياً يوقفُ عدداً من طلبة الجامعة. كتبتُ المنشور وقد دوَّنت فيه تفاصيل الحادثة دونَ أي زيادة أو نقصان، وفيه بعضِ الكلمات التي تتحدث عن الكرامة، ومعان أخرى مبطنة تتحدَّث عن الأمل في مستقبل أفضل. بعد أيامٍ على المنشور، جاءتني رسالةٌ من الضبَّاط ذاتهم الذين أوقفونا، وكانت الرسالة في مفادها تقول، أنَّهم لَم يريدوا التعرض لأحد – ولَن أذكر من أوصل هذه الرسالة لكَي لا أحرج أحداً ولا حتَّى صفته الرسميَّة – بل كانوا يريدون فقط رؤية أحد الطلبة المنتمين لحماس، وأنَّنى في كتابتي عن هذا الأمر، أقفُ صفَّ المصفِّقين لحماس ربَّما، أو على الأقل، أتخندقُ في ذات الخندق.
وبعد أيَّامٍ أخرى، قال لي أحد الأصدقاء، أنَّني وآخرين يجب أن نتوقَّف عن الحديث في أي اتجاه، لأنَّ السلطة « انجنت « ولا حصانة لأحد بعد اليوم. فقد تمّ اعتقال بسام زكارنة ونائبه، وبسام زكارنة هو نقيب الموظفين العموميين، وأصدرت مذكرة أخرى باعتقال أمين عام المجلس التشريعي الذي احتجَّ على اعتقال بسام زكارنة. وهكذا، فإنَّ السلطة يجب عدم الإقتراب منها، لا بالكلمة ولا بالموقف، ويجب الوقوف موقف الصمت، أو الحياد في هذه المرحلة على الأقل.
أعتذر عن هذه التفاصيل كلُّها، ولكن، ولأنَّني أريدُ الوصول لحقيقةٍ ما أراها تتشكَّل أمامي في كلمات وأحاديثُ وحوارات تجري من هنا لهناك، كان يجب أن أتحدَّث في هذه التفاصيل الصغيرة.
يبدو واضحاً لي، أنَّ هذه الحقيقة تتمثَّل في أنَّ السُلطة تريد – عن قصدٍ أو غير قصد – أن تجعل من أعدائها ذوي أسماء، وهويَّات محددة واتجاهات محدَّدة. فتارةً نجد أنَّ موجةً من الإتهامات والإعتقالات الخفية، تطال جماعاتٍ في داخل فتح، كجماعات دحلان وغيرها، هذا إذا كان لدحلان جماعة. وتارةً أخرى، نجدُ الموجَة وقد عدَّلت من مسارها لتطول أعضاء وأنصار حماس. وفي تارةٍ أخرى كالتي شهدناها مؤخراً، نجدُ الموجة قد طالت رموز عملٍ نقابي ومؤسساتي.
إذن، فالسلطة الفلسطينيَّة تحاول أن تقسِّم الشارع الفلسطيني إلى فئات، هذا مناصر لفتح وهذا لحماس، وهذا نقابي وهذا أمني، وهذا دحلاني وهذا عرفاتي وهذا عباسي. وهي بذلك، تستفيد من الإستفراد في كل أحدٍ منهم، وفي استفرادها هذا، ووحشيَّتها في بعض الأحيان في طريقة الإستفراد، هي ترهب الآخر « المواطن « من أن يكون له موقفٌ في تلك اللحظة سواء كان بالكلمة أو بالفعل من الإستفراد، لأنَّه سيكون متهماً آنذاك بالمناصرة أو بالوقوف في ذات صف الجماعة المستهدفة حالياً.
ربَّما تكون عبارة: في ذمَّة الرئيس. تحملُ مدلولاتٍ يجب أن نراها، أو على الأقل، يجب التفكير في ما وراء هذه العبارة. إن اعتقالاتٍ كتلك التي جرت لرئيس نقابة الموظفين العموميين، أثارت دهشة وصدمة للمجتمع الفلسطيني، وفي ظنِّي، أنَّ الدهشة كانت في داخلها سخرية، بمعنى، إلى أي مرحلة من الجنون والعبثية قد وصل هذا النظام، أو هذه السلطة؟ وفي أي نظام سياسي أو دولة محترمة وغير محترمة، يعتقل رئيس نقابة الموظفين العموميين لأنه أزعج السلطة، وفي ذمَّة الرئيس أيضاً؟
وهي ليست دهشة وصدمة تؤدي إلى خوف، بل إلى انتظار وترقب للسقوط ربَّما، أو للتداعي. وكان ذلك كلُّه إلى أن تم الإفراج عن زكارنة، وبكفالة رئيس الوزراء.
وإذا كانت السلطة الفلسطينية، تلجأ لتقسيم الشارع الفلسطيني للإستفراد به جماعاتٍ وأفراد، كَي تستطيع تحقيق مقدار من الترهيب والخوف في داخل المجتمع، والإبقاء عليه مفككاً ومسيطراً عليه من قبل نخبة أمنية ونخبة اقتصادية، هل ستبقى قادرة على هذا الفعل إلى الأبد، وهي تعلم أنَّ سياساتها الأمنيَّة والإقتصادية معرَّضة للصدمات الداخلية والخارجيَّة؟
هل البحث عن الشرعية يكون باستهلاك شخصيَّة رئيسية في النظام السياسي واستخدام « ذمَّته! « لتصفية حسابات داخلية قبل فوات الأوان لإستبداله بشخصيَّة أخرى تكسب السلطة شرعيَّة أخرى لسنوات إضافية أخرى؟
في رؤية سريعة للمشهد السياسي كله، لا يستطيع المتفحص إلا أن يرى عبثيَّة من نوعٍ ما في تعامل السلطة مع واقعها الداخلي والخارجي. ولا يقتصر الأمر على عبثيَّةٍ من نوع ما، بل وفي إحدى جوانب هذا التعامل، أستطيع أن أرى انكشافاً لهذه السلطة، أو لنقل، انكشافاً لعصابةٍ من الأمن. نقف أمام هذه السلطة ونسأل من بعيد، لنعرف كَيف نقترب من دائرة الحدث بعد ذلك، والسؤال هو: مَن تمثُّل هذه السلطة؟ فئات الموظفين العموميين؟ أنصار فتح؟ فتح؟ رجالات الأمن والإقتصاد؟
وبعدما نستطيع الإجابة على هذا السؤال، حينها قد نعرف كَيف نتعامل معها، فإذا وجدنا أنَّها مثلاً، تمثِّل مليونَ فلسطيني، فالسؤال هو: كَيف وصلنا إلى هنا؟
وحتَّى نستطيع الإجابة، يجب أن يَبقى أمرٌ واحدٌ فوق كل شيء، هو أنَّ ذمَّة الرئيس أو ذمَّة السُلطة، أو سياسة الترهيب أو التخويف، لا تحقق أي نوع من أنواع الشرعية. واستبدال الوجوه، وتقسيم الشعب إلى شعوب، أيضاً لا يجلب شرعية.
أنس حسونة ـ فلسطين.