كريستيل خضر: سأبحث لأكتشف جديداً من لعبة كبيرة في عرض عميق ومسل

زهرة مرعي
حجم الخط
0

تعدّ عرضاً مسرحياً عن الاقتصادي الأسطوري الفلسطيني اللبناني يوسف بيدس

بيروت-“القدس العربي”:كريستيل خضر من الجيل المسرحي الجديد في لبنان، مجتهدة وفي أرشيفها أعمال مسرحية تنبئ بمدى انشغالها بهموم الإنسان والحرية. تخرّجت من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وتابعت دراساتها في بروكسل. شقت طريقاً إلى العديد من المهرجانات المسرحية الأوروبية وغيرها من دول العالم.

تعاونت مع “زقاق” ولا تزال. التقت خلال مهرجان ليون بالمسرحي السوري وائل علي وتعاونا في عرض طرح أسئلة عن كيفية تقديم مسرح لهذا البحر من الناس الذين غادروا أوطانهم؟

لماذا اللقاء مع كريستيل خضر والمسرح في لبنان لا يزال يلملم أشلاءه إثر إنفجار المرفأ؟ فقد أعلنت مؤسسة المورد الثقافي عن الأعمال الأدبية والمسرحية والموسيقية والسينمائية التي نالت منحاً، وكذلك أسماء أصحابها لفتني من بينها عنوان العرض الذي ستبنيه خضر عن شخصية رجل الاقتصاد والمال يوسف بيدس. فالراحل مولود في فلسطين في 12/12/1912 حمل الجنسية اللبنانية لاحقاً. شكل ولا يزال حكاية نجاح غير مسبوقة في أقل من عقدين في لبنان. ارتبط اسمه بإفلاس بنك انترا، والبحث عن المسببات الفعلية للأزمة لا يزال جاريا.

 مع كريستيل خضر التي تعرّف نفسها بالممثلة المسرحية والكاتبة والمخرجة بدأ الحوار بالسؤال التالي:

*لماذا شخصية الراحل يوسف بيدس إلى خشبة المسرح الآن؟ وما هي الدوافع؟

**في المرحلة التي نعيشها مع جائحة كورونا، واضمحلال فرصة العروض في أوروبا، وإقفال مسارح لبنان، لازمت المنزل وفكرت ببديل عن المسرح. فالمسرح يلزم بجمهور في الصالة أو الشارع، وهي لحظة غير متاحة في المدى المنظور قبل اكتشاف حل لكورونا. وبما أننا نعيش كابوس الجائحة ومعها الأزمة الاقتصادية، تذكرت في أواخر الثمانينيات حين تبدلت عملتنا الوطنية من الليرة الى ألف ليرة. وأذكر أكياس المال التي كان يأتي بها والديّ إلى المنزل، وسروري لأننا أصبحنا أغنياء. لكنهما كانا يرددان على الدوام سيحدث لنا كما حدث لبنك إنترا. وحينها كان بيدس قد رحل. أعتقدت كما كثيرين من أترابي بأن أزمة بنك إنترا حصلت في الثمانينيات، مستنتجين ذلك من حوارات أهلنا المالية، خاصة حين اضمحلت رواتبهم مع هبوط العملة الوطنية. نعيش الآن السردية عينها، فوجدت نفسي أبحث عن مؤسس شركة إنترا التي لا تزال موجودة. وجدت شخصية يوسف بيدس تراجيدية، وبات كبش المحرقة بعد اتفاق الجميع عليه كي يختفي من المشهد الاقتصادي. فكما قال بنفسه أنه اصبح “أكبر من الدولة”. لهذا رغبت بمساءلة الوضع الاقتصادي الذي نعيشه من خلال ما حدث في أواخر الستينيات.

*لتركيب عمل مسرحي هل أنت منجذبة لشخصية بيدس الأسطورية أم للعبة من تحت الطاولة لم تُكشف بعد جميع خيوطها؟

**الإثنان معاً. سأبحث لأكتشف جديداً من تلك اللعبة. أما يوسف بيدس فهو تراجيدي بكافة المقاييس. ولد في فلسطين في 12/12/1912 وكان مغرماً بالحساب، بقدر ما هو شخصية مثيرة للاهتمام هو كذلك مثير للشكوك. وفي البحث عن واقعنا الاقتصادي عبر غوغل نرى السؤال مطروحاً على الدوام “هل سيناريو إنترا يُحضّر للبنان”؟ وكأن النجاح الكبير والهبوط السريع لإنترا بات مجازاً لكل التراجيديا التي نعيشها الآن في لبنان.

*كيف للاقتصاد الجاف والقاسي أن يُظهّر فنياً؟

**سنعمل ضمن “فورما” عرض موقعي تفاعلي. وهو يجمع جمهوراً من 25 شخصاً، وربما 15، يعتمرون “كاسكيت” ستُطرح عليهم أسئلة مسجلة مسبقاً، وبناء عليها سيتحركون في المكان، وسيقدم العرض. الأسئلة شبيهة بالبحث عن قاتل يوسف بيدس. وفي سياق هذا البحث والتحري سنكتشف قضايا حصلت في الستينيات. ليس فقط في لبنان، بل سنكتشف مدى انغماس رؤوساء دول العالم في وظيفة كلاب الحراسة للأنظمة الإمبريالية أو الليبرالية ـ خوفاً من أن يوصمني أحدهم بالتخلف للتعبير الأول. تلك الوظيفة واضحة البصمات في فنزويلا والزيمباوي، والسودان وسوريا وغيرها، فجميعها بلدان تختزن الكثير من النفط. أرغب ضمن هذا العرض بمساءلة الأنظمة الليبرالية واشكالية الانهيارين اللذين مررنا ولا نزال بهما، إنما بأسلوب لعابي مسلّي. أقدم عملي بأسلوب مسلّي خفيف ليكتشف المتابع لاحقاً أنه أمام عمل عميق المغزى.

*هل من دور للفن في المرحلة الراهنة؟

**إن لم يقل الفنان شيئاً في بلد تتراكم فيه الأحداث فمن الذي سيقول؟ سأسعى لعمل مسلٍ وغير جاف، يريحنا كفريق عمل.

*ومن هو الفريق؟

**يتألف من مدير تقني. وتسجيل صوت. هو تعاون جماعي خلال العرض، وتبقى الكتابة والدراماتولوجي مهمتي لوحدي. المرحلة الأولى المتمثلة بالبحث تستمر لثلاثة أشهر وتبدأ أوائل تشرين الأول/أكتوبر. سأبحث بمفردي، فلا أملك الرفاهية الإنتاجية للعمل مع فريق. سألتقي باقتصاديين بهدف تكوين سردية خاصة بالعرض، إلى شهادات من الذين خسروا أموالهم. ولن ننسى بالتأكيد يوسف بيدس “الغريب” الذي بقي غريباً رغم كافة نجاحاته. إنها اشكالية الغريب المقيمة بيننا والتي “طوشنا بها” المسرح الرحباني.

*هل تشعرين أنك حيال موضوع شائك؟

**كافة موضوعاتي تأخذ هذا الإتجاه. في عرض يوسف بيدس سنكون مع ممثلين وبعض التسلية. لنترك الأمور إلى حينها فالعروض يفترض أن تبدأ في نيسان/ابريل 2021 هذا إن يواتينا أمر ما من “المْلَحِم”!

*هل تتمتعين بالأعمال التي تقدمينها؟

**جداً. من مهمات المسرح تسلية الجمهور، وأيضاً المسرحي نفسه حتى مع وجود موضوع درامي. والأهم الإقبال على العمل بجدية، والحفاظ على أحد أهم أسسه “اتاحة التعبير لمن ليس له صوت في هذا المجتمع”. وأن نبقى أحراراً، وأن نعلم يقيناً بأن الفن لا يحتمل الغرور والأنا المضخمة.

*لماذا تقدمين عروضك غالباً في أوروبا؟

**إنها الصُدفة. تشتري المسارح العرض، وأحمله وألف معه حيث يقررون. اعتبرها فرصة لي، فمنذ 2012 مجمل عروضي خارج لبنان. آخر عروضي في لبنان قبل أربع سنوات كانت في دار النمر مع الفنانة بيسان الشريف وكان تجهيزاً. آخر مسرحياتي حملت اسم “عنوان مؤقت” لم تُعرض في لبنان بعد. وأنا بصدد عمل جديد سيسبق عرض يوسف بيدس، وقد يحمل عنوان “وهو خير لكم”. وفيه أتعاون مع رندة الأسمر وحنان الحاج علي، فهما ستمثلان قصتيهما وبدئهما للمسرح في الثمانينيات. إنهما ممثلتان على درجة عالية من الأهمية والاحترام ومؤثرتان في مساري المهني. الجائحة أرجأت العرض الذي كان مقرراً في آذار/مارس الماضي.

*عروضك في أوروبا باللغة الفرنسية؟

**بل بالعربية وتُترجم إلى الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الهولندي، وذلك تبعاً لمكان العرض.

*مسرح مُترجم ألا يفقد ألقه؟

**فقط تتأخر ردة فعل الجمهور حتى إنتهاء القراءة.

*كان لك عرض عن ذاكرة الحرب في زقاق سنة 2014. عنوان يجد دائماً من يحييه فإلى متى سيستمر معنا؟

**طالما هناك من يهدم ونحن نعيد البناء فالموضوع سيستمر. يبدو أن العذاب قدرنا.

*قلت مرة “كيف نقدم مسرحاً من زمن الحرب دون أن نكون شاهداً”. ماذا تقصدين؟

**إنها مساءلة الماضي من خلال الحرب. وواقعنا الاقتصادي ذكرني بيوسف بيدس. وكذلك مسيرة رندة أسمر وحنان الحاج علي وكيف شقتا طريقهما فنياً. وكيف تواصل عمل فرقة الحكواتي طوال سنوات الحرب؟ وكيف لي الاستمرار شخصياً مع احتمال وصول الدولار إلى 12 ألف ليرة. أسئلة تتردد عندي ولا أجد لها إجابات. لن أكون شاهداً وحسب بل فاعلاً وطارحاً للسؤال على ذاتي ومن ثم على الجمهور.

*بين عرض لجمهور عربي أو غربي هل من اختلاف؟

**أكيد، أحياناً لا ينظر الجمهور الأجنبي إلى العمل فنياً. يسعى للقولبة ويرانا من منطقة لها سردية دائمة في نشرات الأخبار. وهكذا يتحول النقاش إلى سياسي وكيف لهذا الجمهور أن يساعدنا. وهذا ما أرى فيه محاولة لرفع عقدة الذنب عنهم كشعوب. في لبنان يجد الجمهور نفسه سريعاً فيما يراه، فهو يزعل أو يضحك أو يسأل. بالمُحصّلة أعد عملاً للمشاهدة كائناً من كان الجمهور، ولست بصدد تنازلات حتى لو عرض العمل بكثافة أكبر في أوروبا. ففي مسرحية “وهو خير لكم” سنعرض لكافة الحروب التي عاشها اللبنانيون منذ حرب السنتين، وصولاً إلى حرب الإلغاء، وحرب الإخوة التي جرت بين حركة أمل وحزب الله والمعروفان حالياً بالثنائي.

*هل يشاركك أحدهم قراءة النص؟

**من دون شك. أحرص لأن يقرأ نصي أكثر من إنسان. المسرح فعل جماعي إلى جانب كونه فعل سياسة وحب. نقرأ النص ونناقشه.

*كيف تمّ اللقاء والتعاون مع المسرحي السوري وائل علي؟

**كنت في ليون سنة 2013 أقدم عرضاً لمسرحية “بيروت سيبيا” تعارفنا وقررنا التعاون بعرض انطلقت فكرته من “كاسيت” وصل إلى والدي من عمي سنة 1976 وكان هرب من الحرب إلى السويد. وهكذا أوجدنا بيننا تعاوناً قوياً ومتيناً. قال عمي في الكاسيت “لبنان الذي كنا نعرفه جنة راحت وما بتتعوض”. وهذا ينطبق على أي بلد آخر من حولنا.

*أن تكوني بصدد عمل مسرحي هل هذا يقلقك أم يريحك؟

**إنها مهنتي ولا أتقن سواها. أقلق خلال الإعداد، وارتاح إن رضيت عن عملي. مهم جداً أن أتابع عملي وأن أطرح الأسئلة رغم كوني لا أجد الجواب أحياناً. يشكل المسرح طريقة المقاومة الوحيدة التي ما زلت امسك بها في لبنان والعالم. ولايزال المسرح حيز الحرية الوحيد.

*وماذا عن التمويل؟

**ألجأ إلى تمويل متعدد. إلى المورد الثقافي تقدمت بملف من أكثر من 60 صفحة، وكنت من بين 623 شخصا تقدمو للحصول على منحة. لا تغطي مؤسسة مانحة واحدة كافة الإنتاج. كمسرحيين يسندنا شبّاك التذاكر. ومع كورونا لا ندري أي شيء عن المستجدات.

*ماذا عن المهاجرين الذين يتابعون عروضكم؟

**أذكر عرضاً قدمناه في تشيلي سنة 2017 بعنوان “الموت يأتي من العيون” مع زقاق وكنت إلى جانب مايا زبيب وعمر أبي عازار، حضره الكثير من العرب من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين. أفرح جداً بالجمهور العربي خلال المهرجانات.

*هل أنت راضية عن مسيرتك؟

**راضية ومحظوظة لكوني اعيش من عملي. ومحظوظة لأني لم اخض مساومات. واتمنى القوة والإيمان لكافة رفاقي العاملين في الفن في كافة ارجاء العالم العربي. فالمسرح فن ضروري. مطلوب أن نتميز بالصبر والقوة والمقاومة. علينا مقاومة البشاعة ليس في العالم العربي بل في أروربا أيضا. المسرح لن يمنحي الشهرة ولا المال فحتى اللحظة لا أمتلك سيارة. أتاح لي المسرح السفر إلى بلاد الدنيا، والتعرف إلى أناس منفتحين وحلوين، يشبهوني وألتقي معهم على جوامع مشتركة حتى وإن كانوا من الهند.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية