يأتي الحديث مجدداً عن فن المنولوج على خلفيات متعددة أولها غياب النوع الفني نفسه عن الساحة، ثانياً الفراغ الذي تركه الأوائل من المختصين في ذلك الفن الاستثنائي الذي يجمع بين الموسيقى والغناء والطابع النقدي في قالب واحد. بيد أن حلول ذكرى الفنانين الرواد الذين اشتهروا بأداء المونولوج تحتم العودة إلى مناقشة الأسباب التي أدت إلى هذا الغياب الطويل وعدم وجود من يملأ فراغ الراحلين الكبار أمثال إسماعيل يسن ومحمود شكوكو وعمر الجيزاوي وثريا حلمي وسيد الملاح وحمادة سلطان وغيرهم.
المسألة تستدعي وقوفاً طويلاً أمام الظاهرة الغريبة، لأن انقراض فن شهير كفن المونولوج ليس أمراً عادياً أو طارئا وإنما يعكس أزمة حقيقية على الصعيد الإبداعي تحتمل أن يكون هناك عجز في المواهب وان تيار التواصل بين السابقين واللاحقين قد انقطع فلم تجد المهنة من يتوارثها من الأجيال الجديدة، أو أن عدم الترحيب بوجود إطارات فنية للنقد الاجتماعي والسياسي قد أدت مع الوقت إلى انسحاب المغرمين بفن المونولوج والموهوبين فيه وانصرافهم عنه إلى مجالات أخرى أو ألوان مختلفة من الأداء لا تسبب القلق ولا تُفضي إلى عواقب غير مُرضية.
لم يكن المونولوج في فترات ازدهاره مجرد تسلية ولكنه كان وسيلة تعبيرية لها ما يميزها من خصائص فريدة، أولها تلك النبرة النقدية التي تفتح مجالات النقاش والتوعية حول القضايا العامة كالبطالة والغلاء والفقر والكثافة السكانية، وقد ارتبط الفن ذاته بالنكتة كداعم أساسي للغة الإبداعية باعتبار أن كل منهما يمثل حالة كاريكاتيرية تبعث على الضحك وتشير إلى مشكلة أو ظاهرة وتستهدف في مضمونها التقويم والتصحيح.
ولأن المونولوج يتميز بالجُملة الخفيفة على مستوى القافية الزجلية واللحن والموسيقى التصويرية للمشهد الكوميدي المتضمن داخل الفكرة، فقد لاقى ترحيباً كبيراً لدى عامة الناس وأصبح له وقع خاص في الشارع المصري ولغة مُتداولة بين الناس كنوع من الفكاهة المُعتمدة على الصوت والصورة والحدث، والكثير من الموضوعات التي تطرق إليها المونولوج صارت من دلالات الكوميديا الإنسانية الحادة في سخريتها كمشكلة الحموات ودورهن في إثارة الخلافات الزوجية وما ينتج عنها من حالات طلاق وفشل وهدم لكيان الأسرة، ومثلها الغلاء والفقر والروتين والرشاوى والفساد التي تعد من مكونات المونولوج الأساسية والأكثر تأثيراً في الطبقات الاجتماعية البسيطة.
لهذا ظل المونولوج لفترات طويلة فناً مُعتبراً بما يسهم به من نقد للسياسات والسلوكيات والشخصيات العامة من أصحاب المعالي والسعادة وولاة الأمر في شتى المواقع ومختلف المقامات، وتجاوب أهل التذوق مع الفن الراقي فارتقى الأداء وتجلت المواهب وأبدع النجوم والفنانون من المختصين فأصبحت هناك حركة فنية مونولوجية إبداعية خاصة تقوم مقام الصحافة فتنبئ بالخلل وتحذر من الفوضى وتُعمل أدوات النقد الساخرة بقوة وشجاعة من أجل تحسين الصورة بما يليق بالحياة الكريمة للمواطن صاحب الحق في المأكل والملبس والمشرب والعلاج والرفاهية.
ولا يعود الفضل في ازدهار فن المونولوج في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات والستينيات فقط إلى المطربين والمؤدين، وإنما يُنسب التميز أيضاً للكُتاب والموسيقيين، وعلى رأسهم أبو السعود الأبياري الكاتب والمؤلف الذي برع في هذا اللون من الفن الساخر واشتهر به وكان سبيله لدخول عالم السينما من أوسع الأبواب ليشكل مع إسماعيل يسن ثنائيا مهما في الغالبية من الأفلام الكوميدية التي عاشت طويلاً وما زالت علامات أساسية في نهضة السينما المصرية وتاريخها الطويل.
وما يجدر بالذكر في هذا المقام أيضاً أن عمر الجيزاوي ومحمود شكوكو وسيد الملاح قد قاموا بتأليف وتلحين بعض المونولوجات في محاولات ذكية منهم لتجديد وتطوير الشكل والمضمون بما يتوافق مع تطورات العصور والمراحل كي لا يُصبحوا موضة قديمة وتذهب أيامهم كما ذهبت أيام غيرهم، ومن دلائل التطوير والتجديد عند السابق ذكرهم وبصفة خاصة سيد الملاح مشاركته بمونولوج سياسي ووطني مهم في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وتقديمه في حفل خاص أمام الرئيس جمال عبد الناصر، الأمر الذي ترجم في حينه معنيين، مسؤولية الفنان الوطنية ووعيه السياسي بقضايا بلاده، وخصوصية وأهمية المونولوج كفن نوعي يتميز بالشعبية وسهولة اللغة والاستيعاب.
والشيء نفسه فعله إسماعيل يسن في كثير من الرسائل الفنية التي بعث بها عبر أفلامه مُتضمنة في مئات المشاهد الوطنية والإنسانية، وليس أدل على ذلك من سلسلة الأفلام التي حملت اسمه وصارت علامات تجارية مضمونة الجودة والربح كـ”إسماعيل يسن في الأسطول البحري” و”إسماعيل يسن في الجيش” و”إسماعيل يسن في الطيران و”إسماعيل يسن في متحف الشمع” إلى آخر العناوين المحفوظة عن ظهر قلب والتي شكلت جزءً كبيراً من رصيده الكلي وجعلته واحداً من نجوم الكوميديا المرموقين المُستحقين عن جدارة لقب ملوك الضحك.
برحيل هؤلاء الكبار بقي فن المنولوج فناً مُغترباً وأخذ في التراجع إلى أن صار مجرد نوع كلاسيكي قديم من أنواع الغناء والطرب والكوميديا ووسيلة من وسائل النقد المرئي والمسموع عفى عليها الزمن فباتت أثراً لشيء ثمين، كان ولم يعُد كائناً!