فقراء ومساكين: حرمان أم استعباد؟

شاعت قديما وحديثا أدبيّات، تعالج مفهوم الفقر والفاقة والعوز؛ هي من الوفرة والغنى، حتّى ليتعذّر الإحاطة بها، ناهيك عن جمعها والتأليف بينها فتحليلها. ومع ذلك فنحن كلّما رمنا حدّ مفهوم الفقر، كنّا أشبه بحال شخص فقد شيئا في مكان ظلمةٍ، لا ضوء فيه البتّة؛ فذهب يبحث عن ضالّته تحت مصباح ثابت في مكان آخر أو أبعد، وحجّته أنّ المكان الأوّل وهو المناسب لبحثه، مظلم. وأظنّ أنّ هذه هي حالي، فأنا لا أبحث في الفقرعند الفقراء أو في ظلمتهم، وإنّما في ما يمكن أن أسمّيه على قلق العبارة “فلسفة الفقر” وإضاءاتها، مستأنسا بالتمييز بين المفهوم من حيث هو آليّة تخصّ الفلسفة وتخصّصها، وبين المؤثّر الإدراكي، من حيث هو آلية منفصلة عن الإدراكات تُخصّص شتّى الموضوعات بما فيها الفقر، دون أن تختلط بالضّرورة بنماذج إدراكيّة واقعيّة أصليّة؛ حتّى وإن كانت تحيل إليها وعليها. والمفهوم في حدود ما تعلّمت ولا أزال أتعلّم، مركّب متعدّد المكوّنات ويحيل دائما إلى مشكل. أمّا لماذا هو مشكل، فلأنّنا لا نرى الفقر أبدا، وإنّما نرى الفقراء الذين يقاسون شظف العيش، ولهم بالكاد ما يكفي عيالهم، أو المساكين الذين لا شيء لهم، على اختلاف أسلافنا في تعريف كلّ من الفقير والمسكين. وقد قالوا إنّ الفقر هو الحاجة، والأسوغ الافتقار وهو فعل الفقر؛ وأنّ الفقير هو الذي له ما يأكل أو بعض ما يقيم أوده، وإنّما سمي فقيرا لزمانة (عاهة أو مرض مزمن) مع حاجة شديدة، وتمنعه الزمانة من التقلّب في الكسب على نفسه. وذهب بعضهم إلى أنّ المسكين أحسن حالا من الفقير، وحجّتهم لذلك الآية “أمّا السفينةُ فكانت لمساكينَ يعملونَ في البحرِ” (الكهف 79) وإن كان البعض قرأها “لمسّاكين” بتشديد السين، وقالوا جمع “مسّاك” أي ما يمسك رجْل السفينة، وإنّ المقصود ملاّحوها. على أنّ الأظهر هو قراءة “مساكين” بالتخفيف، وقالوا إنّما عبّر عنهم بذلك وهم تجّار؛ لأنّهم كانوا في لجّة البحر، وفي حالة ضعف يُشفَق عليهم بسببها؛ وسوّغوا ذلك بنوع من تفصيل المجمل القرآني، وهو تخريج لطيف؛ فذكروا أنّهم إخوة عشرة: خمسة يعملون في البحر، لكلّ منهم زمانة ليست للآخر (مجذوم وأعور وأعرج وآدر [مصاب بفتق] ومحموم أبد الدهر)؛ وخمسة لا يعملون أو لا يطيقون العمل (أعمى وأصمّ وأخرس ومقعد ومجنون). والأطرف من هذا أنّ كلمة “مسكين” كلمة مسكينة، فقد تنقّلت من العربيّة، وتقلّبت في نوع من سياحة الكلمات بين الاسبانيّة والإيطاليّة والفرنسيّة حتى فقدت أصلها العربي؛ واستقرّت في الفرنسيّة على Mesquin معان مثل الحقارة والدناءة والبخل والشحّ.

ما الفقر؟ من هم الفقراء؟ وهل ينطوي الفقر على مشكلة حقوق أو انتهاك للحقوق؟ سؤال يُطرح ولا يزال؛ والجواب عنه لا يخلو من صعوبة. ومردّ ذلك إلى أنّ القانون، وهذا من أبجديّاته؛ يستلزم دائما الحُجّية أي وسيلة الدفاع التي يمكن التحجّج بها في مواجهة الخصم، كما يستلزم الاتهام أو إسناد تهمة أو إسقاطها؛ مما يفترض بل يستلزم مسلّمة أي وجود شخص أو كيان يقتضي منه هذا الحقّ واجبا أو التزاما بالامتثال. ومع ذلك ليس من السهل كما يقول فلاسفة الفقر تحديد من هو الشخص أو الكيان الذي يدين بهذا الواجب؛ الأمر الذي يذكّرنا بالمأثور عن الإمام علي: “لو كان الفقر رجلا لقتلته” ويفسّره الحديث “كاد الفقر أن يكون كفرا”. هذا “المدين” هو إذن المسؤول، إذا سلّمنا بوجوده، عن حالة الفقر مثلما هو منتهك الحقّ في “عدم الفقر”.

ويبقى السؤال قائما: إذن من المسؤول عن الفقر؟

في الفلسفة مثلا، سقراط  ينظر إلى الفقر على أنه مسألة فضيلة، ويربط أفلاطون وأرسطو الفقر بالرغبة، بل يعدّانه مصدرا محتملا للرذيلة؛ إذ يوسوس الفقر للفقير، فيقع بسهولة في الذنب والفساد والحسد. ومثلما يولّد الرخاء الضعف، فإنّ الفقر يولّد كما يقول أفلاطون في “الجمهوريّة” الدناءة والرغبة في ارتكاب الخطيئة [الإثم] ويجرّد المرء من كرامته عندما يتحوّل إلى متسوّل. بل يذهب أفلاطون أبعد، فمثلما “طرد” الشعراء من جمهوريّته، طالب في “القوانين [النواميس]” باستبعاد هؤلاء الذين يحطّون من قدر المدينة: “لتكن البلاد خالية تماما من هذه الماشية”.

وفي الأديان التوحيديّة لا ينظر إلى الفقراء على أنّهم مذنبون ، بل هم إجمالا مفضّلون عند الله، كما في الحديث “اطّلعتُ في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء”. وإنّما لبّ الجدال فيها يدور حول ما إذا كان الفقر ماديّا أو روحيّا؛ على ضرورة تنسيب هذا الرأي أو الحكم، فثمّة اختلافات بين اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام، بهذا الخصوص.

وفي العديد من المجتمعات، يطرح  الفقر على أنه “مشكلة” سياسيّة، أو هو مصدر للفوضى وعدم الاستقرار الاجتماعي. وفي الفلسفة الليبرالية والنيوـ ليبرالية يُنظر إلى الفقر على أنه مشكلة فرديّة مردّها إلى ظروف لا يمكن تحميل المجتمع ولا السياسي المسؤولية عنها؛ لانعدام القدرة على فهم تعقّد آليات المعاملات التي تدير المجتمع، ناهيك عن التحكّم فيها. وأي تدخل في هذه الآليات يمكن أن يفضي إلى انتهاك الحرّيات، بل قد تنجم عنه كارثة اقتصادية. وقد تصحّ المقولة: “كلّما أعطيت الفقراء أكثر، نفد ما يبقى للفقراء”. وعلى العكس من ذلك، فقد تذكي سياسة عدم التدخّل المبادرة الخاصّة، ولعلّها الطريقة الأمثل لزيادة الثروة، وجسر الهوّة بين الأغنياء والفقراء، وبين البادية والمدينة، كما هو الشأن في أكثر دول أوروبا حيث تحوّل الصراع من صراع أفقيّ لا تاريخيّ، إلى صراع عموديّ طبقيّ، بفضل التصنيع. ومع ذلك فإنّ مفاهيمهم عن الفقر، مختلفة إلى حدّ التباين بالجملة. بل إنّ هذه الوفرة من الأدبيّات تعقّد المشكل أكثر ممّا تحلّه؛ إذ تقدّم العديد من العيارات، ممّا يجعل تعريف الفقر أشدّ عنتا وصعوبة. بل إنّ مصطلحا مثل “البروليتاريا” يكاد يسترجع اليوم في ثورة “السترات الصفر” وغيرها، جذره اللاتيني أي المواطن الروماني الفقير المعدم الذي كان لا يدفع الضرائب، وكلّ ثروته أبناؤه؛ وعلاقته بالدولة علاقة انتساب لا أكثر ولا أقلّ.

لقد فقد هذا المصطلح مدلوله الماركسي الحصري (طبقة العمّال أو الطبقة الكادحة)؛ حتّى أنّ أنطونيو نيغري الماركسي نحت بديلا لمفهوم البروليتاريا “حشود المستضعفين” [المولتيتود]، ولعلّه قرين مصطلح “الزواولة” عندنا في تونس، أو”الغلابة” في مصر.  بل إنّ فلسفة نيغري السياسيّة تقلب التمثّل المعتاد للعلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ فالسلطة بالنسبة إليه، لا تسحق مواطنيها، بل هي تسعى إليهم. وهذا ينطبق بشكل خاصّ على علاقة رأس المال بالعمل؛ إذ أنّ نضالات البروليتاريا، هي في تقديره محرّك التطور الرأسمالي، وليس العكس. وهو يدعو من أجل القضاء على الفقر والحيف الاجتماعي، إلى سنّ قانون عالميّ للدخل المضمون أو ما يسمّيه “الأجر العالمي الأدنى للأجور”؛ وهو عنده الأسّ الماديّ للمواطنة العالميّة. وكلّ هذا يجعل مصطلح البروليتاريا عنده يتّسع للفقراء والمساكين والعاطلين والعمّال الموسميّين وأبناء السبيل. كثيرة إذن هي العيارات، ولا غرابة، فالواقع نفسه معقّد جدّا؛ والفقر يخالف بين أحوال الفقراء، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات، ويبسط للفقير الأوروبي مثلا، ما لا يبسط  للفقير التونسي أو المصري، من أسباب الحياة أو ما نسمّيه “العيش الكريم” أو الكفاف من الرزق. على أنّ هذا التفاوت، وهو سارٍ في البلد الواحد، لا يحول دون تعريف الفقر من حيث هو الحالة التي يعجز فيها الشخص عن إشباع حاجاته الأساسيّة الضروريّة من المأكل والملبس والمسكن والدواء. بيْد أنّ هذا العيار قد لا يكون موضوعيّا تماما، فالكفاف لا يقتصر على بقاء الإنسان على قيد الحياة، وتقييم الحاجات لا يمكن أن يقوم على الوظائف الفيزيولوجيّة فحسب كما يوضّح جان لابنز؛ وثمّة دائما عنصر ذاتيّ نسبيّ، يحسن أن نأخذه بالاعتبار هو الكرامة، وإن كان البعض يستخدم لفظة “اللياقة” في إشارة إلى العيش اللائق. وهذه الكرامة كما أفضّل أن أسمّيها، يصعب تقييمها بمعزل عن سياقها الاجتماعي، بل هي مسألة اجتماعيّة، بل تقليديّة حتى عندما نحصر الفقر في الكفاف أو ما يقيم الأود، ويحفظ الرمق. فهذا يختلف من مجتمع إلى آخر، ويتغيّر من حقبة إلى أخرى. والعيارات قد تكون محليّة أكثر منها دوليّة كلّما تعلّق الأمر بما نسمّيه “الحدّ الأدنى من الحاجات الغذائيّة” أو بمعاناة الفقير حدّ الضنى، وهو يتألّم ويشقى بجسده وعقله وفيهما، لأنّه لا يملك ما يكفي من القوت حتّى وهو يعمل لدنياه ويجهد؛ فثمّة دائما في الفقر استعباد ما وحرمان ما يفضيان إلى نوع من الإذلال اليومي. صحيح أنّ العوز ليس برذيلة ولا بفضيلة، ولكنّه في حالات كثيرة يطيح بكرامة الإنسان بل الدول أيضا.

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية