خِطَابُ فخَامَتِهِ

أقرأ في مقال قديم للصحافية البلجيكية ماريال لوفافر كتبته في «فيف أكسبريس» Vif l’express عن أشهر الخطابات السياسية العشرة في العالم، فاختارت خطابات غاندي وتشرشل وروزفلت وديغول وكنيدي ومارتن لوثر كينغ ومانديلا وريغان وأوباما. بالطبع يمكن لأي كان أن يختار خطابات أخرى يعتبرها الأشهر وفق مقاييس ضمنية أو صريحة مختلفة. لهذا فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن وأنت تطلع على هذه الخطابات الأبرز: ما الذي يجعل خطابا سياسيا خالدا على مرّ السنين؟ أهي المناسبة التي قيل فيها؟ أهي جراءة الكلام وتكسير سنن الخطاب السياسي المحافظ؟ أهي القدرة على الإقناع التي تقوي من قيمة الخطابة في الخطاب السياسي، أم هي بلاغة المناسبة التي تضفي على بلاغة الخطاب قيمة؟
لم تختر لوفافر أي خطاب عربي، حتى لكأن العرب لم ينتجوا في ما يقرب من قرن من ممارستهم الخطابات السياسية في النضال، وفي الحكم، خطابات لها طابع أممي، أو حتى لكأن السياسات العربية التي وضعت في واجهة الأحداث العالمية رموزا سياسيين عالميين، لم ترتبط رمزيتهم تلك بخطابات سياسية كونية.
أصحاب الفخامة، الذين وصلوا إلى الرئاسة بالتداول السلمي، أو بالانقلاب العسكري يجدون أنفسهم مضطرين على إلقاء الخطابات في المناسبات الرسمية، أو الحادثة. ينتظر الناس بنسب متفاوتة أن يلقي الرئيس كلمته، وغالبا ما يصابون بالاحباطِ. هذا تاريخ رد الفعل مع خطابات أصحاب الفخامة، لا في التاريخ العربي السياسي الحديث، بل في التاريخ السياسي العالمي. التحشيد لخطاب فخامته قبل الإلقاء يخلق آفاق انتظار يبددها في الغالب خطابه، فيأتي التحشيد بعد الإلقاء للحد من موجة السخط أو اليأس أو المعارضة الخفية أو المعلنة. بعد أن يتنحى فخامته يذكره الناس بأشياء منها، قدرته أو عدم قدرته على الخطابة. هناك شيء يشد الناس إلى الكلام في الخطابات، أو ينفرهم هو هذه القدرة على التأثير.
الخطاب السياسي يرتكز على أساسيْن: الخطابة أو البلاغة، وليس الأساسان متفقين مثلما نبينه لاحقا. لنكن واضحين من البداية كي نقرر أن الخطابات السياسية هي خطابات لا بد أن تجد ظالتها في الخطابة، ولا تبحث عنها في البلاغة. لست مطالبا كي تكون خطيبا سياسيا ناجحا أن تكون فصيحا مفوها، بل أن تكون محاججا مقنعا، هذا مفتاح مركزي يفتح للساسة نجاحهم أو فشلهم على مرّ التاريخ.
ما من خطاب سياسي إلا وهو موجه إلى مستمع، فعليه كي يقنع بقرار أو بموقف ويحمل بالتالي على أن يوافق بعد الإقناع بجدوى ذينك القرار أو الموقف، ليس في الأمر تصنيف للجمهور بالمعارضة، أو الولاء، على السياسي أن يقنع في خطابه أو لا يقنع، وعلى خطابه أن يتبع استراتيجية في الإقناع تجد عناصرها في الخطابة (بالمعنى اليوناني القديم) ولا تجده في البلاغة (بالمعنى العربي القديم).
يخرج الخطاب السياسي عن دائرته الخطابية الأساسية، حين يتوهم الخطيب السياسي، أنه لا يخاطب معارضين، بل يخاطب موالين عندئذ تخرج الخطابات السياسية إلى البلاغة بخروجها من الرغبة في الإقناع إلى الرغبة في الإمتاع القولي، أو إلى الواجب الثقيل في صنع قول رتيب بمناسبة رتيبة. يخطئ أصحاب الفخامة حين يعتقدون بعد فوزهم أنهم يخاطبون موالين يحسبونهم بعدد الأصوات التي فازوا بها. الجمهور في أي خطاب سياسي هو جمهور غير جمهور الصندوق، هو جمهور من يريد أن يقتنع بمشروع، أو فكرة، أو حلم يمكن أن يظل المستمع على حلمه، ولكنه سيستيقظ ذات خطاب لا يتناسب مع الفعل المنتظر. شعب الخطابات السياسية هو شعب المراقبين المنتقدين، لا المنتخبين الموالين. لا يوجد موالون إلى الأبد في السياسة، وعلى الخطابات السياسية أن تقنع كي تثبت الولاء العقلي لا القبلي أو الحزبي.

استعادة أصحاب الفخامة الجدد، لأساليب أصحاب الفخامة القدامى في الخطابة، وربما في السلوك أمر معلوم، غير أن الإشكال أن هناك من ينجح في الاستعادة وهناك من لا ينجح.

لننظر في أشهر خطابات أصحاب الفخامة والزعماء في التاريخ، في ضوء سيطرة الخطابة والقناعة على البلاغة والإيهام بالجميل. فهذا تشرشل رئيس الوزراء البريطاني خطب إبان توليه الرئاسة سنة 1940 والحرب الكونية تضع أوزارها، وبدلا من أن يعد شعبه بالنصر وبالرفاه والراحة وعدهم بـ» الدم والدموع والعرق والتعب». سيسمي الناس هذه النزعة في الخطاب السياسي بالواقعية، وبعض ساستنا اليوم يميلون إليها عند تولي السلطة، ويسمون ذلك مصارحة للشعب كأن الشعب لا يعرف واقعه وهو يهوم في أطياف أخرى. قوة خطاب تشرشل ليست في هذه الكلمات، بل في استعمالها في سياق خطابي حجاجي، إذ قدّم الدم والدموع والعرق والتعب ثمنا لغد أفضل: ليست هذه وعودا منتظرة، إنما هي وسائل فعل وطرائق عمل من أجل الغد الأفضل، لا يمكن أن تعيش إن أنت لم تحرك سوائلك الحيوية الثلاثة فيك دما في الدفاع عن الوطن ودموعا على من ضحى وعرقا يصب في الجهد المحرك للتاريخ.
عام 1958 ألقى شارل ديغول في الجزائر، التي كانت تحتلها فرنسا خطابا قال فيه جملته الشهيرة «لقد فهمتكم» في هذا الخطاب قال ديغول: «أعرف ما حدث هنا، وأرى ما تريدون القيام به، أرى أن الطريق الذي فتحتموه في الجزائر هو طريق التجديد والأخوة». لقد كانت جملة ديغول مهمة، فهي بغموضها طمأنت الجميع، لأن ضمير الجمع لم يقع على أي من المتخالفين حد الحرب. يمكن أن يفهم الجزائريون أنه يعنيهم هم، ويمكن أن يفهم الفرنسيون والأوروبيون واليهود أنه فهمهم هم دون غيرهم. حجاجية اللبس في اللعب الوقتي على سوء الفهم، أو قل على الفهم المتعدد، قوته لا في نجاعته ذات المدى الطويل، بل على نجاعته في لملمة الفرقة وقتيا. لم يفعل ديغول أي شيء، ولكنه أقنع فقط بالخطابة المبنية على اللبس. بعد ذلك بنصف قرن يزيد استعمل الرئيس التونسي الأسبق زين الدين بن علي عبارة « فهمتكم» نفسها حين كان الشارع يموج. لكن عبارته لم تؤت أكلها فهي لم تستطع أن تلعب على الغموض، كما لعب عليه ديغول في إقناع المحتجين لأن كلامه لم يكن يحتمل أمرين، كان يفهم منه المهادنة الوقتية الواضحة. كانت حجة عليه فقال أبسط الناس يومها، إن الوقت كان معك ولم تفهمنا، أما الوقت الآن فليس لك.
استعادة أصحاب الفخامة الجدد، لأساليب أصحاب الفخامة القدامى في الخطابة، وربما في السلوك أمر معلوم، غير أن الإشكال أن هناك من ينجح في الاستعادة وهناك من لا ينجح. نجح باراك أوباما حين استعاد في حملته الانتخابية الأولى خطابات كنيدي والزعيم مارتن لوثر كينغ. كان كينغ يقول: «أنا لي حلم» فلما خاض أوباما حملته قال: «أنا الحلم». كان حلم كينغ أن يتمكن السود من الأصول الافريقية من الحصول على حقوقهم، وكان أوباما تحقيقا لذلك الحلم. ليس في جملة أوباما بلاغة، بل فيها حجاج الخطابة، حجاج فيه إيقاظ للوعي النضالي ورفع راية: ناضلنا يا شعبنا وانتصرنا على تفرقتنا، لذلك قامت العبارة المفتاح على
تغيير في نسبة الحلم: كان الحلم في خطاب كينغ منسوبا إلى مالكه، فصار في خطاب أوباما منسوبا إلى المخبر عنه، خرجنا من نسبة حقيقية إلى نسبة استعارية، استعارة أنا الحلم هي استعارة مفتاح في خطابات أصحاب الفخامة: إنهم يملكون مفتاح العبور إلى السعادة، لكنها لم تكن كذلك في خطاب أوباما: هي تعني أني أنا حفيد لوثر كينغ، الذي حلم ونجح الشعب في تحقيق حلمه له: ليس بين الحلم والتحقق غير مسافة قصيرة: أن تضع ورقة تصوت لهذا الحلم في صندوق الاقتراع، بالإضافة إلى ذلك استعاد أوباما قول كنيدي من أن المواطن ينبغي ألا يسأل: ما تفعله بلادي لي، بل ما أفعله لها؟ أنا أيضا أسأل البلد على مسمع من صاحب الفخامة: ما فعلت لكَ يا بلدي؟

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية