اكتشف الإنسان خطرا وشيكا يهدد البشرية عند تطوير الروبوت ليحاكي الإنسان. ففي تجارب مبدئية لمجموعة من العمليات، يجري من خلال استخدام الروبوت فقط ليكون المتحكم في سيرها، ما حتم اتصال أجهزة الروبوت ببعضها بعضا لتبادل النتائج وتحسين الأداء. النتيجة كانت مذهلة، فقد وجد أن الروبوت بعد الاتصال بأقرانه، الذين صمموا جميعا ليتمتعوا بذكاء خارق، أن إمعان الأجهزة في الاتصال ببعضها بعضا، جعلها تطور لغة خاصة بها، لا يفهمها البشر، لكنها تسهل وبشكل أكبر مساعدتها في إتمام عملياتها بسهولة ويسر، يفوقان النتائج المتوقعة، في حال ما استخدمت اللغة التي صممها البشر لهم. ما يعني أن أجهزة الروبوت في نهاية المطاف كانت تسعى لاستحداث وعي خاص بها، وعي ينافس وعي البشر؛ لما يتمتع به الروبوت من ذكاء وقدرات تتنافس وذكاء وقدرات البشر.
وبدلا من أن يهلل العلماء لذاك الاكتشاف المذهل، كالعادة، فاقمت النتيجة معدلات الاستياء العام، وكانت بمثابة ناقوس خطر للقائمين على إدارة شؤون الآلة والبشر. فمع تزايد الاعتماد على الروبوت، سوف يتعاظم قدر وكم المشكلات والتحديات التي تجابهها السلطات، فبدلا من تحجيم الإنسان والسيطرة عليه بعد زيادة الاعتماد على الروبوت، لتوكيد أن كفاءة الآلة تفوق كفاءة البشر، ما يجعلها أكثر نفعا، زاد حجم الأعباء عند إدراك السلطات أن المشكلات التي يجابهونها في طريقها للتضاعف. ومن أكثر المشكلات ضجراَ هو إدراك أن فرض السيطرة لن يشمل فقط الإنسان، لكن الروبوت أيضا. ولهذا، كان لا بد من إيجاد وسيلة لضمان السيطرة على كل من البشر والآلة، مع وجود سيطرة ناعمة تامة أيضا، تُفرض بدون أدنى مقاومة، أو حتى ظهور بوادر عصيان، وقد عكف أطباء علم النفس والأعصاب على إيجاد وسيلة للسيطرة على العقل البشري، بدون فرض قيود ملموسة، وفي الوقت نفسه تحفيز الدماغ لتصل وظائفه لأقصى وأفضل حد ممكن. ومن الجدير بالذكر، أن المشروع اللاأخلاقي إم كيه أولترا MKUltra الذي أميط اللثام عن خباياه، وأعلنت أهدافه للعامة عام 1995، تكشف أنه يهدف إلى سبر أغوار العقل البشري، باستخدام كل الوسائل، حتى إن كانت غير مشروعة، من أجل التحكم في الدماغ. ووجدت سلطات التحقيق بعد تدمير أغلب مستندات المشروع على يد مدير المخابرات المركزية الأمريكية، أن المستندات القليلة المتبقية تشير إلى إجراء تجارب غريبة، ومنها ما تم تجريبه على كلب (من لحم ودم) من أجل السيطرة على دماغه. ونجحت التجربة لدرجة أن الكلب صار لا يتحرك بالريموت كونترول. فالعقل البشري وزيادة قدراته هو الهدف الرئيسي لمشروع إم كيه أولترا، ويلازم ذلك إيجاد وسيلة تضمن ألا يخرج فيها الإنسان عن السيطرة التامة للمجموعة التي بيدها زمام أمور العالم. والتجربة السابقة التي كانت تتخذ من الكلب وسيلة للتجريب، كانت مجرد خطوة نحو تجريب المثل على الإنسان، وبذلك يتم تخليق إنسان جديد يتمتع بخصائص الروبوت، وفي الوقت نفسه، يتمتع بقدرات بشرية فائقة، مكنته في السابق من اختراع الآلة.
من المتوقع أن الروبوت بعد تفوقه على العنصر البشري لعقود عديدة، سوف يتوارى دوره مرة أخرى في وجود إنسان خارق قادر على تنفيذ عمليات كثيرة ومعقدة، لا يستطيع إنجازها روبوت واحد.
أثارت تجربة الكلب، الذي يتحرك بالريموت كونترول استياء من علم بها. ومع ضياع مستندات مشروع إم كيه أولترا عمدا، ضاعت معها المستندات الدالة على مكان الفروع البحثية للمشروع، والأبحاث الجديدة، ومصادر التمويل، وصار من الصعب تقفي إلى أي حد وصلت هذه المشروعات النفسية العصبية، وإن تناثرت عليها الأقوال بين الفنية والأخرى، إلى أن فوجئ العالم في عام 1999، أي بعد أربع سنوات فقط من كشف خبايا مشروع إم كيه أولترا، أن ميجيل نيكوليليس، وهو أستاذ علم الأعصاب في جامعة ديوك في الولايات المتحدة الأمريكية، يعلن أنه اكتشف وسيلة تجعل العقل البشري قادرا على التحكم في ما حوله من أشياء عن طريق التخاطر ـ بمعنى آخر التفكير في الشيء، فعند التفكير في فتح الكمبيوتر ـ على سبيل المثال ـ يتم فتحه. وكان مشروع ميجيل يقوم على زرع خلايا عصبية إلكترونية في العقل البشري، لتكون نموذجا مصغرا للعقل البشري، وأطلق على مشروعه هذا اسم «واجهة الدماغ» التي كان يسعى بها إلى مساعدة من تعرض لتلف في دماغه من جراء حادث، أو الإصابة بالزهايمر، أو الصرع، أو الشلل، إلى ما شابه ذلك. وباستخدام الخلايا الإلكترونية، سوف يتم استحداث بشر خارق للعادة، بإمكانهم اقتحام أعتى النظم، وإنجاز مهمات معقدة بمجرد التفكير فيها. وكان الخوف الأعظم لميجيل نيكوليليس أن يتم استغلال ذلك المشروع في أغراض غير مدنية، أو لا تهدف لمساعدة المرضى.
وفي يوم الجمعة الموافق 2 أغسطس/آب 2020، فاجأ رجل الأعمال الأمريكي الشهير إيلون ماسك، صاحب شركة نيورالينك Neuralink للتكنولوجيات العصبية، وهي إحدى الشركات التكنولوجية العديدة التي يمتلكها إيلون ماسك، العالم بأسره باستحداث «شريحة دماغية» Brain Chip، يمكن زرعها في الدماغ البشري بسهولة، وفي زمن لا يتخطى نحو الربع ساعة. وشريحة إيلون ماسك تقوم فكرتها على تتبع أفكار الفرد ذاته ورصدها، وبالتالي رصد احتياجاته وتنفيذها عن طريق التخاطر، وعلى الملأ، استعرض ماسك في فيلم قصير نتائج مشروع شريحة الدماغ من خلال استعراض وضعها في ثلاثة خنازير؛ أحدهما وضعت فيها شريحة دماغ وتدعى «جرترود» والثانية لم يوضع بها أي شيء، والثالثة قيل إنه تمت زراعة الشريحة ونزعها منها؛ لإثبات أن نزع الشريحة لا يؤثر بالسلب على الفرد. والشريحة ما هي إلا تقنية متطورة لجهاز واجهة الدماغ، الذي اخترعه ميجيل، وبدلا من وضع جهاز كبير داخل الدماغ لفترات متقطعة، يتم زرع الشريحة لأجل غير معلوم. وعملية الزراعة سهلة، وسريعة تضاهي أي عملية تصحيح إبصار بالليزر. وقُطر شريحة الدماغ لا يتعدى الاثنين سنتيمتر، وسمكها ثمانية ملليمترات. وعن طريق التخاطر، تتعامل الشريحة مع أحدث الأجهزة التقنية، وتخزن كما هائلا من المعلومات، يتم استدعاؤها في ثوان معدودة. ومن ثم، يصير الإنسان ذا قدرات خارقة، لكونه هجينا ما بين البشر والروبوت. فشريحة الدماغ هي الوسيلة الجديدة لدمج الإنسان بالآلة حتى يحافظ الإنسان على تفوقه المعهود.
وعلى هذا فمن المتوقع أن الروبوت بعد تفوقه على العنصر البشري لعقود عديدة، سوف يتوارى دوره مرة أخرى في وجود إنسان خارق قادر على تنفيذ عمليات كثيرة ومعقدة، لا يستطيع إنجازها روبوت واحد. وفي ظل كل هذا التقدم الهائل، هل يمكن للإنسان أن ينجو أخيرا من جميع المخاطر التي تهدده، مثل الأمراض النفسية والعصبية، والشلل، وحتى انخفاض مستوى الذكــــاء؟ بالفعل، الشريحة قادرة على أخذ الإنسان لشاطئ النجاة، بانتشاله من كل هذه الأخطار، لكن في حال انقطاع الإنترنت، أو إصابة الشريحة بفيروس، أو اختراق الشريحة بـ«التهكير» لسوف تنبلج جميع المساوئ. ولسوف يصير الإنسان ليس صاحب القرار، ولكن سيصبح مغلوبا على أمره يفعل ما يؤمر به، تماما مثل ما حدث للخنزيرة جرترود، التي كانوا يأمرونها بالقفز. فالإنسان الخارق الذي سوف تخلِّقه الشريحة ما هو إلا مخلوق ناقص، كما كان الروبوت الذي لا يستطيع إثبات كونه آلة أو إنسانا، ولكنه اختراع بين بين.
٭ كاتبة مصرية