غزة-“القدس العربي”: تستعد القيادة الفلسطينية والفصائل، لعقد لقاء ثاني للأمناء العامين للفصائل خلال الأيام المقبلة، من أجل إقرار جملة من التفاهمات التي جرت خلال لقاءات مطولة دامت على مدار يومين بين وفدين من “فتح” و”حماس” عقدت في القنصلية الفلسطينية في اسطنبول، وأطلعت عليها باقي الفصائل، من أجل طي سنوات الانقسام، تكون ركيزتها الأساسية إجراء الانتخابات العامة بشكل متتالي، وذلك بعد أن قرر الفلسطينيون، الخروج من عباءات الرعاية العربية للمصالحة.
تفاهمات وأجواء إيجابية
وفي هذه الأوقات تسود الشارع الفلسطيني أجواء إيجابية، لم تعهد من قبل، جاءت على ضوء التفاهمات الأخيرة بين حركتي فتح وحماس، في مدينة اسطنبول التركية، والتي يتطلع الفلسطينيون لأن تطوي سنوات من الخلافات، وتمهد لوحدة وطنية، ستكون المتغيرات الإقليمية وأولها تطبيع أنظمة عربية علاقاتها مع الاحتلال، وخطط التوسع الاستيطاني والضم، سببا رئيسيا فيها.
والمعروف أن التقارب الحاصل حاليا بين فتح وحماس، كبرى التنظيمات الفلسطينية، جاء بعد جملة اتصالات بين فريقين من قياديين، حيث نجم في بداية التوافقات ترتيب فعاليات وطنية جماهيرية منددة بـ “صفقة القرن” الأمريكية، وبخطط التطبيع العربية، حتى نضجت تلك الاتصالات، لتتلوها مشاركة حماس في اجتماع القيادة الفلسطينية، المعارض لاتفاقيات التطبيع، قبل أن يجري الاتفاق بعد غياب دام سبع سنوات، ترتيب عقد لقاء للأمناء العامين للفصائل، برئاسة الرئيس محمود عباس ما بين رام الله وبيروت، وما تخلله من توافقات على تشكيل لجنة تقدم رؤية للمصالحة الشاملة.
وفي خضم الترتيب لتشكيل اللجنة، ومن أجل إنجاح عملها، عقدت حركتا فتح وحماس في مقر السفارة الفلسطينية في اسطنبول، وبعيدا عن أي رعاية سواء عربية أو إقليمية، جلسات حوار أساسها العمل الثنائي، وقد تمكنتا هذه المرة، ورغم عدم تضمن الجلسات للمرة الأولى وجود وسطاء، تقريب وجهات النظر كثيرا حيال العديد من المسائل التي كانت تشكل سابقا “برميل بارود” كان الجميع يخشى الاقتراب منه خوفا من الانفجار، علاوة عن توافقهم على عقد اجتماع جديد وقريب للأمناء العامين، لإقرار التفاهمات لتخرج في شكل وطني موحد، ضمن رؤية المصالحة، التي تهدف إلى تسوية الخلافات، ودخول حماس في منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي هذا السباق، قال جبريل الرجوب رئيس وفد فتح في حوارات اسطنبول، وهو يتحدث عما حصل في تركيا، أنه تم التوافق مع قيادة حركة حماس على إجراء الانتخابات الفلسطينية متتابعة، مجلس تشريعي، تليها الانتخابات الرئاسية، ثم انتخابات المجلس الوطني، لافتا إلى أن الانتخابات ستكون على أساس التمثيل النسبي، ووفق تدرج مترابط لا يتجاوز الـ6 أشهر، وقال “توافقنا على أن الانتخابات بالتمثيل النسبي هي الطريق لبناء النظام السياسي وتحقيق الشراكة السياسية”.
الانتخابات أساس الحل
وأشار وهو يشرح ما حصل هناك على مدار يومين، أنه جرى حوار وطني استراتيجي مكثف، وتم التوصل لرؤية واضحة لآليات بناء الشراكة الوطنية من خلال انتخابات وفق التمثيل النسبي، لافتا إلى أنه سيصار خلال الأيام المقبلة تطوير آليات لبناء الشراكة من خلال انتخابات عامة. وحول نتائج الانتخابات، حال أجريت، أوضح الرجوب أن فتح متمسكة بمخرجات الانتخابات التشريعية التي قال إنه يتوجب أن “تُشكل حكومة ائتلاف وطني”.
وفي المقابل، تشابهت تصريحات ومواقف قادة حماس تماما مع تصريحات قيادة حركة فتح حيال المصالحة، في مشهد يعكس مدى التقارب الحاصل حاليا بينهم، وقال عضو المكتب السياسي لحركة حماس حسام بدران، الذي شارك في الحوارات الأخيرة، إنها ركزت على مناقشة كيفية تطبيق مخرجات اجتماع الأمناء العامين، و”استكمال هيكلية القيادة الموحدة للمقاومة الشعبية التي اتفقنا على تشكيلها، والوصول إلى شراكة وطنية كاملة في جميع الملفات”.
وأكد أن الحوار في اسطنبول هو “استكمال لما اتفقنا عليه في اجتماع الأمناء وأنه جرى خلاله التوافق على ضرورة العودة للشعب الفلسطيني صاحب الحق الأصلي والوحيد في اختيار قيادته، وتمثيلها في المؤسسات من خلال الانتخابات”. وأضاف “نريد الذهاب إلى الانتخابات بقدر كبير من التوافق، يتبعها تشكيل وحدة وطنية فلسطينية يشارك فيها كل أطياف الشعب الفلسطيني، الذين فازوا في الانتخابات وغيرهم” وأكد أن الحركتين توافقتا على تنفيذ خطوات لتهيئة الأجواء، وألا تنظم هذه الانتخابات إلا بعدما يشعر شعبنا بالثقة في نجاح هذه الخطوة.
يشار إلى أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها بين فتح وحماس في اسطنبول، بشأن الانتخابات، جاءت امتدادا لتلك التفاهمات التي جرى التوصل إليها في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، عقب جولة محادثات قادها وقتها رئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر، بتكليف من الرئيس عباس، وحصلت على موافقة من الفصائل بما فيها حماس على انتخابات بالنسبية الكاملة، تكون البداية للتشريعية منها، ثم الرئاسية، بمدة ثلاثة أشهر، حيث تعثرت بعد ذلك الاتصالات حول الأمر، بسبب وجود خلافات فنية بين الطرفين، ولعدم حصول القيادة الفلسطينية على ضمانات لعقدها في القدس المحتلة.
وينتظر حاليا لأن يصار إلى عقد اجتماع قريب للأمناء العامين للفصائل، يخطط لأن يكون في بدايات تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ليعقد عبر تقنية الربط التلفزيوني ما بين رام الله وعاصمة خارجية، ربما تكون بيروت، أو من خلال مشاركة الأمناء العامين كل حسب مكان إقامته الحالية، ليجري خلاله طرح ما جرى التوافق عليه مؤخرا بين فتح وحماس، بعد أن عقدت الحركتان اجتماعات ومشاورات داخلية ناقشت بدقة تفاهمات اسطنبول، حيث أعلنت قيادة حركة فتح مصادقتها على تلك التفاهمات.
وأكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، إنه تم الاتفاق مع حركة حماس على تفاصيل الانتخابات وفقا لاتفاق المصالحة عام 2011 وأشار إلى أن الرئيس عباس دعا الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية لاجتماع، تمهيدا لإصدار مرسوم رئاسي يحدد موعدا للانتخابات التي ستعقبها “حكومة شراكة وطنية” ومعالجة آثار الانقسام، مؤكدا أن هذا الاتفاق يأتي للتصدي الى “صفقة القرن” ومواجهة الهرولة للتطبيع مع الاحتلال من قبل بعض الدول العربية، ولفت إلى أن الاحتلال سيضع كافة العراقيل في مواجهة اتفاق المصالحة الفلسطينية، وفي وجه إقامة الانتخابات التشريعية.
ترحيب واسع
ولاقت التفاهمات الأخيرة التي جرت بعيدا عن أجواء الرعاية، ترحيبا من كافة الأطراف الفلسطينية، وأكد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن حركته أولت تحقيق الوحدة الوطنية اهتماما استثنائيا، خاصة وأن القاعدة السياسية للحوار الجاري انطلقت من الموقف الفلسطيني الموحد برفض “صفقة القرن” وخطة الضم ومسار التطبيع، وسبل مواجهة هذه التحديات الخطيرة ميدانيا وسياسيا في إطار بناء جبهة فلسطينية موحدة تتصدى للتهديدات الاستراتيجية التي تحيط بقضيتنا الفلسطينية، وتستهدف ركائزها الأساسية المتمثلة في القدس والأرض واللاجئين، وأشار إلى أن “التفاهم الإيجابي” الذي أنجز في تركيا “مستند في محاوره الأساسية لاتفاقيات القاهرة التي وقعت في مدد سابقة، وخاصة الاتفاق الشامل 2011”.
وكان رئيس الحكومة الفلسطينية حمد اشتية رحب بـ “الأجواء الإيجابية” بين فتح وحماس، وأعلن استعداد الحكومة لتوفير كل متطلبات إنجاح تلك الانتخابات، باعتبارها “بوابة لتجديد الحياة الديمقراطية، وتصليب جدار الوحدة الوطنية” وفي هذا السباق أيضا أكد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حسين الشيخ، على أن الرئيس محمود عباس، مصر على انجاز الوحدة الوطنية وتحقيق الشراكة السياسية على أسس واضحة ومتفق عليها، لمواجهة كل المؤامرات ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية، وشدد على أن الفرصة التي تأتي ربما لا تعود، والاجماع الفلسطيني الذي تجلى برفض “صفقة القرن” هو الذي أعطى بارقة الأمل والضوء والاستشعار عند الرئيس، ومباشرة دعا لاجتماع الأمناء العامين ليبني بمجموعة من الخطوات لتمتين الجبهة الداخلية والوحدة والشراكة السياسية، وبعث الشيخ برسالة طمأنينة، وقال “نحن ذاهبون للشراكة، والانتخابات، ورسالة نوجهها لحماس والتنظيمات، وإذا نحن فزنا بالانتخابات ذاهبون إلى حكومة وحدة، وإذا غيرنا فاز فهم أحرار، وإذا دعونا لحكومة وحدة سنذهب معهم”.
كما رحبت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على لسان حنان عشراوي، بالأجواء الإيجابية التي طغت على الحوار بين حركتي فتح وحماس، وما انبثق عنها من مخرجات تهدف لبناء شراكة وطنية تنهي الانقسام وتقود نحو إجراء الانتخابات باعتبارها سبيلاً لتجديد الشرعية الديمقراطية للمنظومة السياسية، وقالت في تصريح صحافي “هذا التطور الإيجابي خطوة على طريق إنهاء حالة التشرذم، واستعادة الوحدة الوطنية وتحقيق المصالحة باعتبارها مطلبا شعبيا، وطريقا نحو توحيد العمل الفلسطيني المشترك” في مواجهة الخطر المحدق الذي يهدد القضية الفلسطينية.
انزعاج الجامعة العربية
وقد بدا عقد الاجتماعات بدون رعاية وعلى أراضي تركيا، مزعجا لأطراف عربية، عبر عنه الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط الذي توجهت بسبب مواقفه هذه وتلك التي أيد فيها اتفاقيات التطبيع، انتقادات فلسطينية حادة، شككت في أمانته للجامعة العربية ودعت لاستقالته، وقد ظهر الأمين العام على أحد الفضائيات الإمارتية وقال “كنت أتصور أن وفد حماس يسافر إلى رام الله ويجتمع بالأخوة في رام الله، أو وفد السلطة يسافر إلى غزة ويجتمع هناك أو في القاهرة أو أي دولة عربية مستعدة لاستضافة هذا الاجتماع” منتقدا عقده في تركيا.
وقد جاء الرد بشكل متوافق من فتح وحماس، خاصة بعد أن قام وفد من الحركة بزيارات لكل من قطر ومصر، بعد لقاءات اسطنبول، لإطلاع قادة البلدين على نتائج الحوارات من أجل دعم المصالحة، حيث قال الرجوب باسم حركتي فتح وحماس أنه لا خلاف على دور مصر اطلاقا، وقال “لا نستطيع ان نستغني عن دورها الإقليمي فيما يتعلق بالوحدة الفلسطينية، والاتفاق على آليات المتابعة، وفي مشروعنا الوطني” لكنه قال إن هناك “منهجية جديدة” تتم الآن بـ “الحوار الثنائي الفلسطيني، وبدون وصاية ورعاية وبدون تدخل من أي كان” وأضاف الرجوب “إن حركة حماس متفقة معنا على دور مصر الريادي، وأبلغنا المسؤولين المصريين بذلك، وأن حوارنا فلسطيني-فلسطيني”.
وقد أكد الموقف ذاته القيادي في حماس، حسام بدران، حين قال إن اللقاء بين حركته وفتح كان “في ضيافة الإخوة في تركيا ولم نكن تحت رعايتهم، بمعنى أنّ الحوار كان فلسطينيا-فلسطينيا خالصا” وأضاف “نحن نقيم حوارا فلسطينيا-فلسطينيا صرفًا بدون تدخّل من أحد، واللقاءات جرت في مقري السفارة الفلسطينية في بيروت، والقنصلية الفلسطينية في إسطنبول” وأوضح بدران أن التقارب مع حركة فتح بدأ قبل ثلاثة أشهر، وأن ما سرّع هذا التقارب هو ما وصلت له القضية من محاولة تصفية من خلال صفقة القرن، ومخطط الضم، ومشاريع التطبيع.