“من خزانة مصنوعة من خشب الماهوغني صنعنا قناً للدواجن، وكنا نكنس القمامة بطبق من الفضة. كان هناك أدوات خزفية مزخرفة بالذهب، وكنا نفرش على الطاولة ملاية عليها أدوات خزفية وذهب، وعندما انتهينا من الأكل أخذوا كل شيء إلى القبو. في مكان آخر وجدنا مخزناً فيه 10 علبة كافيار، قالوا. منذ ذلك الحين، لم يكن زملائي قادرين على لمس الكافيار طوال حياتهم. من جانب كان هناك شعور بالخجل بسبب هذا التصرف، ومن الجانب الآخر كان شعور بالخروج على القانون. مكثنا هناك 12 يوماً، في حين كانت القدس تختنق بسبب نقص كل شيء، وكنا نزداد وزناً. فقد أكلنا الفراخ والطيبات التي نقرأ عنها في الكتب. وكانت هناك حالات في “القيادة” في النوتردام، التي حلق الناس فيها اللحى بالشمبانيا. صديق لي حلق لحيته بالشمبانيا لأنه لنقص المياه.. شمبانيا فرنسية. كان ذلك خروجاً مخجلاً على القانون”.
دوف دورون – شهادة عن السرقة في القدس
في 24 تموز 1948، بعد شهرين على قيام الدولة، قال رئيس الحكومة أشياء قاسية جداً عن المجتمع الإسرائيلي. “تبين أن معظم اليهود هم لصوص… أقول ذلك بصورة متعمدة وبساطة. للأسف، هذه هي الحقيقة”. هذه الأقوال مكتوبة، حرفياً، في محضر جلسة لمركز مباي، المحفوظ في متحف حزب العمل. “أبناء الغور سرقوا! الرواد من بين الطلائعيين، وآباء أبناء البلماخ! وقد شارك الجميع في السرقة، الحمد لله، أبناء نهلال أيضاً!… هذه ضربة شاملة. هذا أمر مخيف، لأن هذا يكشف بعض الخلل الأساسي. سرقة وسطو – من أين جاءنا هذا؟ لماذا وصل أبناء البلاد، البناؤون والمنتجون والطلائعيون، إلى هذه الأعمال؟ ما الذي حدث؟”، أضاف.
عثر على هذا المحضر مؤخراً المؤرخ آدم راز في إطار بحث لكتاب جديد من كتابته. والذي يتناول موضوعاً مشحوناً وحساساً ومتفجراً جداً: “سرقة الممتلكات العربية في حرب الاستقلال” (إصدار الكرمل، بمشاركة معهد عكفوت). كانت المهمة التي أخذها على عاتقه صعبة ومتحدية – يجمع مرة واحدة، في كتاب واحد، كل المعلومات الموجودة عن سرقة الممتلكات العربية من قبل اليهود في حرب الاستقلال، من طبريا في الشمال وحتى بئر السبع في الجنوب، من يافا وحتى القدس، ومروراً بمساجد وكنائس وقرى منتشرة بين المستوطنات. لهذه الغاية استعرض حوالي 30 متحفاً في أرجاء البلاد، وتصفح صحفاً تاريخية وقرأ أدبيات البحث الموجودة. كانت النتيجة صادمة.
“أجزاء كبيرة من الجمهور الإسرائيلي، مواطنون ومحاربون على حد سواء، كانوا مشاركين في سرقة ممتلكات الجمهور العربي”، قال في أحد المقابلات. “تفشت السرقة مثل النار في الهشيم في أوساط الجمهور اليهودي”. حسب أقوال راز، شملت السرقة محتويات عشرات آلاف البيوت والحوانيت، والمعدات الميكانيكية، المصانع، المحاصيل الزراعية، الأغنام وغيرها. وشملت أيضاً: أجهزة بيانو، وكتباً، وملابس، ومجوهرات، وطاولات، وأجهزة كهربائية، ومحركات وسيارات. أما النقاش حول مصير الأراضي والمباني التي تركها خلفهم الـ 700 ألف لاجئ عربي الذين هربوا أو طردوا في الحرب، فيتركه لباحثين آخرين. ركز راز في الكتاب الحالي على الممتلكات المنقولة فقط. الممتلكات التي كان يمكن تعبئتها في أكياس وتحميلها في سيارات.
بن غوريون ليس الشخصية الكبيرة الوحيدة التي اقتبست في كتاب راز. فقد شهد على ذلك أيضاً إسحق بن تسفي، زميل الدراسة لـ “الختيار” الذي أصبح بعد ذلك الرئيس الثاني. وكما وصف، فقد ظهر أن شارك في السرقة والسطو “يهود محترمون اعتبروا السطو شيئاً طبيعياً ومسموحاً به”. في رسالة لبن غوريون، اقتبسها راز، كتب بن تسفي أن ما يحدث في القدس يضر “بصورة مرعبة” بشرف الشعب اليهودي والقوات المحاربة. “لا أستطيع المرور بصمت على السطو، سواء كان منظماً من قبل مجموعة أو غير منظم، وتم من قبل أشخاص منفردين. أصبح السطو ظاهرة عامة… الجميع يتفقون مع الرأي الذي يقول بأن لصوصنا سينقضون على الأحياء المتروكة مثل انقضاض الجراد على حقل أو بيارة”.
العمل الأرشيفي الأساسي لراز أثمر عن اقتباسات كثيرة قاسية على القراءة من قبل شخصيات كبيرة وصغيرة في أوساط الجمهور وفي المجتمع الإسرائيلي، بدءاً برئيس الدولة وانتهاء بآخر الجنود. في الملف الأرشيفي لمكتب القيم على أملاك الغائبين، عثر راز على تقرير من العام 1949 كتبه دوف شفرير، القيم على الأملاك المتروكة، حين كتب: “إن الهروب المذعور للسكان العرب بجموعهم وترك ممتلكات ضخمة بمئات وآلاف الشقق والحوانيت والمخازن والورشات، وترك المحاصيل في الحقول والثمار في البساتين والبيارات والكروم، كل ذلك خلال فوضى الحرب… وضع اليشوف المحارب والمنتصر أمام إغراء مادي خطير… ونوازع الانتقام والتبرير الأخلاقي والإغراء المادي أفشلت الكثيرين… تدحرجت الأمور على الأرض في منزلق بدون توقف”.
في أرشيف “يد تبنكين” عثر راز على شهادة حاييم كرمر من لواء النقب في البلماخ، الذي أرسل في حينه إلى طبرية لمنع النهب. “مثل الجراد، انقض سكان طبرية على البيوت. اضطررنا إلى استخدام القوة وضربهم من أجل إجبارهم على ترك الأشياء على الأرض”، شهد. في أرشيف “هشومير” عثر راز على يوميات يوسف نحماني، من مؤسسي المنظمة ومن سكان طبرية، الذي وصف كيف في 1948 “انقض الجمهور اليهودي وبدأ في السطو على الحوانيت… عشرات عشرات، في مجموعات، انقض اليهود وسطوا على بيوت وحوانيت للعرب”.
والكثير من الجنود “لم يقفوا مكتوفي الأيدي وشاركوا في هذا الاحتفال”، شهد ناحوم (عبو) عاف، قائد البلدة القديمة في طبرية من قبل الهاغاناة، في كتاب المذكرات الذي نشره. وقد وصف كيف أن جنود اليهود، الذين انتهوا للتو من محاربة المقاتلين العرب، تم وضعهم على مدخل البلدة القديمة لمنع سكان المدينة اليهود من اقتحام البيوت العربية. وقد وقفوا مسلحين “مع سلاح أمام اليهود الذين حاولوا الدخول إلى المدينة بالقوة. وكان هدفهم السطو والنهب”، شهد عاف. “اصطف الجمهور طوال النهار على الحواجز وحاولوا الانقضاض نحو الداخل. اضطر الجنود إلى مقاومة ذلك بالقوة”.
“كانت هناك منافسة بين فصائل مختلفة من الهاغاناة، التي جاءت بالسيارات والقوارب وحملت كل أنواع الأشياء… ثلاجات، أسرة، وما شابه”، وصف كرمر في هذا السياق، “من المفهوم أن الجمهور اليهودي في طبرية اقتحم ليفعل مثلهم. هذا ترك فيّ تأثيراً قاسياً جداً، يا له من قبح يلطخ رايتنا… تضرر نضالنا بمستواه الأخلاقي، الخزي والعار… ما هذا الانحدار الأخلاقي”. “كان يمكن رؤية أشخاص يتجولون بين الحوانيت المقتحمة ويأخذون ما بقي في أعقاب النهب المشين”، أضاف عاف في شهادته. “تجولت في الشوارع ورأيت مدينة كانت قبل فترة غير بعيدة طبيعية بهذه الدرجة أو تلك، أما الآن فهي مدينة أشباح، منهوبة، ودكاكينها مقتحمة وبيوتها مقفرة من سكانها… المشهد المخجل كان لأشخاص ينبشون في أكوام تبقت بعد السطو الكبير. في كل مكان رأيت المشاهد المهينة نفسها. فكرت: كيف هذا؟
نتيفا بن يهودا، وهي مقاتلة أسطورية من البلماخ، شاركت في المعركة على طبرية، شهدت هي أيضاً على ذلك واستخدمت كلمات قاسية جداً لوصف ما رأته. “كانت هذه الصورة معروفة لنا. ولكنهم فعلوا بنا هذه الأشياء دائماً، في الكارثة، طوال الحرب العالمية وخلال كل المذابح. يا للمصيبة! لقد عرفنا هذه الصور. وهنا فعلنا نفس الأمور المفزعة بالآخرين”. كتبت. لقد قمنا بتحميل كل شيء على سيارة التندر – مع رعشة كبيرة في اليدين. لم يكن هذا بسبب الثقل. وحتى الآن يدي ترتعش من الكتابة عن ذلك”.
طبرية التي احتلت في نيسان 1948 كانت المدينة الأولى المختلطة التي تم احتلالها في حرب الاستقلال. لقد كانت “نموذجاً مصغراً لكل ما سيحدث في الأشهر التالية في المدن العربية المختلطة في البلاد”، قال راز. في تحقيقه، كشف أنه لا توجد معطيات رسمية عن السرقة، الكمية وقيمتها المالية. ولكن يبدو أنها حدثت في كل مدينة عربية وكل مدينة مختلطة، وبمستويات كبيرة.
إن الشهادات التي تصف أحداثاً مشابهة لتلك التي حدثت في طبرية وجدها راز أيضاً في توثيق المعركة على حيفا، بعد بضعة أيام من ذلك. “وهم يحاربون ويحتلون بيد، وجد المحاربون الوقت لسرقة، ضمن أمور أخرى، ماكينات خياطة، مسجلات وملابس، باليد الأخرى”، شهد زئيف يتسحاقي الذي حارب في حي الخليصة في حيفا.
“أخذ الأشخاص كل ما طالته أيديهم… وفتح المبادرون الحوانيت المهجورة وحملوا البضائع على كل سيارة. لقد سادت الفوضى… إلى جانب السعادة بسبب تحرير المدينة والارتياح الذي أعقب أشهراً من الأحداث الدموية، كان شيئاً صادماً رؤية حماسة المواطنين بالانتفاع من الأرض الحرام والانقضاض على بيوت أشخاص تجهم القدر في وجوههم وحولهم إلى لاجئين”، أضاف تصادوق ايشل، أحد أعضاء لواء كرميلي.
“شيوخ ونساء دون فرق في العمر والمكانة الدينية، جميعهم منشغلون بالسطو. ولا أحد يمنعهم. الخزي والعار يغطي وجهي ولدي رغبة في البصق على المدينة وتركها. هذا سينتقم منا ومن تعليم الأطفال، الناس فقدوا كل مشاعر الخجل، وأعمال كهذه تضر بالأسس الأخلاقية للمجتمع”، كتب يوسف نحماني الذي زار حيفا بعد احتلالها.
كان النهب كثيراً جداً، إلى درجة أن المدعي العام الذي رافق القوات المقاتلة في حيفا، المحامي موشيه بن بيرتس، قرر في حزيران 1984 أنه “لا يوجد لدى العرب ما يؤخذ. ببساطة مذبحة… وثمة للقادة وللجميع ذرائع: “جئت قبل أسبوعين فقط… وغيرها”. ليس هناك من يمكن ضبطه”.
“كم هي كثيرة البيوت المهدمة والأثاث يتناثر تحت هذه الأنقاض. أبواب البيوت على جانبي الشارع كانت مقتحمة. أشياء كثيرة من البيوت تناثرت على الأرصفة… على عتبة أحد البيوت كان هناك سرير مائل ودمية عارية مهشمة بدرجة ما، كانت موضوعة بجانب السرير والوجه إلى الأسفل. أين هذا الطفل الآن؟ إلى أي منفى ذهب؟ إلى أي منفى؟”.
موشيه كرمل، قائد لواء كرميلي، شهادة عن النهب في حيفا
أعضاء مكتب التجارة والصناعة العبري حذروا من النهب. “سنقف في المستقبل أمام التاريخ الذي سيحاكم على هذا”، كتبوا. أيضاً المؤسسة التي سميت “هيئة الخدمة القضائية”، صرخت. في تقرير بعنوان “وباء النهب والسطو” كتب: “هذه الآفة انتشرت في كل الوحدات وكل مستويات القيادة… أخذت أعمال السرقة والنهب أبعاداً مخيفة، ويعمل جنودنا في هذه المهنة بدرجة تعرض قدرتهم القتالية وإخلاصهم لوظائفهم للخطر”.
وحذر الحزب الشيوعي من الوضع، ففي المذكرة التي أرسلها لإدارة الشعب وقيادة الهاغاناة كتب عن “حملة نهب، وسطو وسرقة، لممتلكات العرب بأبعاد مذهلة”. وكتب في المذكرة أيضاً بأن “الأغلبية العظمى من شقق السكان العرب تقريباً تم تفريغها من كل شيء ذي قيمة. وقد سرقت من الحوانيت البضائع والأغراض، وتم إخراج الماكينات من الورشات والمصانع”.
تطرق بن غوريون لهذه القضية. وبعد احتلال حيفا كتب في مذكراته عن سطو شامل وكامل في حي وادي النسناس نفذه أعضاء الايتسل والهاغاناة. “كانت هناك حالات وُجد فيها لدى أعضاء الهاغاناة أغراض مسروقة، ولدى القادة أيضاً”، كتب. بعد بضعة أيام، في جلسة لإدارة الوكالة اليهودية قالت غولدا مئير بأنه “في اليومين الأولين كان الوضع في المناطق التي تم احتلالها صعباً، خاصة في القطاع الذي كان تحت سيطرة ايتسل، لم يبق خيط في بيت”.
وقد كتبت الصحف أيضاً عن النهب؛ ففي “هآرتس” نشر في نهاية 1948 مقال بقلم آريه نيشر، كاتب الصحيفة في حيفا، تضمن كلمات قاسية جداً. “تبين أن إخواننا بني إسرائيل تعلموا هذه المهنة (السرقة) أيضاً وبصورة شاملة تماماً كعادة اليهود. ومن الآن يسود في هذا الفرع “عمل عبري”. نعم، لقد تفشت في حيفا آفة السرقة. وقد شارك في ذلك كل دوائر اليشوف بدون فرق في الطائفة أو الدولة التي جاؤوا منها، مهاجرون جدد وخريجو سجن عكا ومخضرمون من أبناء الشرق والغرب بدون تمييز… أين الشرطة؟”. وفي صحيفة “معاريف” كتب صحافي آخر شارك في جولة في القدس في تموز 1948: “هلموا، أيها القضاة ورجال الشرطة، إلى القدس العبرية، لأننا أصبحنا مثل كل الأغيار”.
“طوال الطريق لا يوجد بيت أو حانوت أو ورشة لم يتم إخراج كل شيء منها… أشياء لها قيمة وأخرى دون ذلك، كل شيء بكل ما تعنيه الكلمة. انطباع صادم تتركه عليك هذه الصورة من الهدم والانقاض، بينها يتجول شباب ينبشون بين الخرق الرثة كي يحصلوا على المتعة من الأرض الحرام. لم لا تأخذ؟ لم تشفق؟
روت لوفيتس – شهادة عن النهب في يافا
يعمل راز في معهد “عكفوت” لأبحاث النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وهو محرر مجلة “تيلم” من صندوق “بيرل كتسنلسون”. على الرغم من أنه لا يتمتع بلقب دكتور، إلا أن في سيرته الذاتية عدة أبحاث كان بإمكانها منحه لقب دكتور – عن مذبحة كفر قاسم وعن البرنامج النووي الإسرائيلي وعن بنيامين زئيف هرتسل. وكان كتب في مصادر مختلفة عن نهب ممتلكات عربية من قبل اليهود. ولكن راز كما يبدو أول من كرس لذلك بحثاً منفرداً وكاملاً. “خلافاً للأبحاث الأخرى التي كتبت عن الحرب، أرى في سرقة الممتلكات حدثاً أكبر مما نسب إليه حتى الآن”، قال راز. “أظهر في الكتاب كم تملّك القلق معظم متخذي القرارات من النهب وأخطاره على المجتمع اليهودي، وإلى أي درجة باتت هذه المسألة موضع خلاف في أوساط متخذي القرارات”. إضافة إلى ذلك، يصف “مؤامرة الصمت” حول الظاهرة، التي “تفاجأ” بسببها الزملاء الذين قرأوا كتابه قبل أن يرى النور حتى الآن في العام 2020 “من حجم ظاهرة النهب”، كما قال.
كتب راز في كتابه بأن نهب الممتلكات العربية من قبل اليهود هو حالة “متميزة”، لأن اللصوص كانوا من المدنيين (اليهود)، الذين سرقوا من جيرانهم المدنيين (العرب). وحسب أقواله، “لم يكن هؤلاء مجرد “أعداء” من وراء البحار، بل كانوا جيرانهم من الأمس”.
لماذا تدعي أن الأمر يتعلق بحالة فريدة؟ فقد أظهر التاريخ لنا بأن الجمهور البولندي في الحرب العالمية الثانية نهب ممتلكات جيرانه اليهود الذين عاشوا إلى جانبه بسلام منذ مئات السنين. ربما تعلق الأمر بميزة غير فريدة في حالتنا؟ ربما هي طبيعة البشر؟
“النهب في الحرب ظاهرة تاريخية قديمة لها مراجع في نصوص تاريخية عمرها آلاف السنين. لا يتناول الكتاب هذه الظاهرة بمجملها، بل بالحالة الإسرائيلية – العربية – الفلسطينية. لقد كان من المهم لي التأكيد على أن نهب الممتلكات العربية كان مختلفاً عن السرقة “العادية” في زمن الحرب. لم يكن هؤلاء جنوداً أمريكيين، على سبيل المثال، نهبوا الفيتناميين أو الألمان على بعد آلاف الكيلومترات من بيوتهم، بل كانوا مواطنين نهبوا جيرانهم المقابلين لهم. لا أقصد بالضرورة أنهم عرفوا أحمد أو نور اللذين سرقوا ممتلكاتهما، بل إن الجيران كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والمدني المشترك.
“اليهود في حيفا ومحيطها سرقوا ممتلكات الـ 70 ألف عربي هناك. مثلاً، لقد عرفوا العرب الذين قاموا بسرقتهم. هذه الأمور تنطبق بالتأكيد أيضاً على المدن المختلطة وعلى القرى التي كانت تقع قرب الكيبوتسات والموشافات. الكتاب مليء بالأمثلة التي تدل على أن اللصوص عرفوا أنهم يقومون بعمل غير أخلاقي. إضافة إلى ذلك، كان الجمهور يعرف أن معظم الجمهور الفلسطيني لم يشارك بصورة فعلية في القتال. في الواقع، وفي معظم الحالات، جرى النهب بعد القتال؛ أي في الأيام والأسابيع التي أعقبت هرب وطرد الفلسطينيين.
مع ذلك، لم تكن هذه هي الحالة الفريدة من نوعها.
“بصفتي مؤرخاً، لست من أتباع التاريخ المقارن، ولم أجد أنه بالإمكان استنتاج الكثير من السرقات التي حدثت في التاريخ من الحالة الإسرائيلية”.
يواصل راز من حيفا إلى القدس. هناك، حسب قوله، استمر النهب لأشهر كثيرة. اقتبس راز موشيه سولومون، قائد الفصيل الذي حارب في المدينة والذي كتب في مذكراته: “لقد أنجر الجميع، العرفاء والقادة على حد سواء، شهية التملك التي أحاطت بالجميع. في كل بيت نقبوا وفتشوا ووجدوا، البعض وجد منتجات، وآخرون وجدوا أشياء ثمينة. هذه الشراهة صدمتني ولم أستطع العودة إلى نفسي. لا توجد حدود لأفعال الإنسان في هذه المنطقة… أجل، هنا يبدأ المنزلق الأخلاقي والإنساني. لذلك، يمكن أن نفهم معنى النظرية التي تقول بأن قيم الأخلاق والإنسانية تطمس في الحرب”.
يئير غورين، من سكان القدس، قال إن “ملاحقة الغنائم كانت في ذروتها… الناس، نساء وأطفال، ركضوا هنا وهناك مثل الفئران المسممة. الكثيرون تشاجروا على هذا الشيء أو ذاك في كومة أو على بعض الأغراض ووصلوا إلى حد سفك الدماء”.
إلياهو سيلع، ضابط عمليات في لواء هرئيل، حدثنا كيف تم “تحميل اجهزة بيانو وأرائك مذهبة باللون الأزرق على شاحناتنا… كان هذا أمراً فظيعاً. وقد قالوا، أنا أريد راديو. بعد ذلك عندما رأوا بعض الجنود، ألقوا الراديو. ولكن الجنود انقضوا هناك على كل سرير وحملوا الأغراض في معاطفهم”.
دافيد (فرنر) سنتور، من زعماء “بريت شالوم” وأحد العاملين في الجامعة العبرية، وصف ما شاهده: “عندما تمر في هذه الأيام في شوارع رحافيا سترى فوق كل خطوة وشبر مسنين وشباباً وأطفالاً يعودون من القطمون أو من أحياء أخرى مع أكياس مليئة بأشياء مسلوبة. كانت الغنائم متنوعة، منها ثلاجات، وأسرة، وساعات، وكتب، وملابس داخلية وخارجية، أي خزي وعار جلبه علينا اللصوص اليهود! أي دمار أخلاقي حل بنا! بعد كل شيء، فوضى فظيعة انتشرت أيضاً بين الشباب والبالغين”.
إلياهو أربيل، ضابط عمليات في لواء عتصيوني، تحدث عن جنود “ملفوفين بسجاد فارسي”. في إحدى الليالي صادف سيارة مصفحة مشبوهة. عندما تقدم منها لفحص من فيها… “رأيناها مليئة بالثلاجات والمسجلات والسجاد وكل ما تريد”، حسب قوله. ” قال لي السائق: أعطني عنوانك وسأحضر لك إلى البيت ما تريد. ولم أعرف ماذا أفعل؟ هل أعتقله؟ هل أقتله؟ قلت له: اذهب إلى حيث تريد! فسافر”. بعد ذلك، حسب قوله: “أبلغت الجارة زوجتي بأن ثلاجة رخيصة موجودة في حانوت ما. ذهبت إلى الحانوت وقابلت هناك الرجل نفسه الذي كان في السيارة المصفحة. قال لي: “من أجلك سأعطيك إياها بمئة ليرة. قلت له: ألا تخجل؟! فأجاب: إذا كنت غبياً، فعليّ أن أخجل!”.
محاربة من البلماخ – شهادة عن النهب في صفد
“لقد أحضرت من صفد أشياء جميلة. وجدت لسارة ولي فساتين عربية مطرزة بشكل جميل جداً، وربما سيكيفونها لنا هنا، وملاعق ومناديل وأساور وخرزاً وطاولة دمشقية وطقم فناجين قهوة فضية رائعة. وفوق كل شيء، أحضرت سارة سجادة فارسية جديدة وجميلة، كبيرة، لم أشاهد مثل جمالها من قبل. صالون كهذا قد ينافس كل أثرياء تل أبيب. بالمناسبة، هذه الورقة أيضاً تعود للعرب”.
ما الذي أخذته معك من هذا البحث الشامل الذي قمت به عدا التوثيق التاريخي؟ كإنسان وكيهودي وكصهيوني؟
“نهب الممتلكات العربية ومؤامرة الصمت حولها تشكل حتى الآن ظاهرة يجب على الجمهور اليهودي والجمهور الصهيوني الذي أنا جزء منه، أن نواجهها. قال مارتن بوبر في هذا السياق: “الخلاص الداخلي لا يمكن الحصول عليه إلا إذا وقفنا ونظرنا في وجه الحقيقة المميت”.
بقلم: عوفر أديرت
هآرتس 5/10/2020