■ ينظر للزعامة على انها مصطلح قبلي او أممي لشخصيات توفرت فيها صفات معينة هي في كثير من الاحيان وهمية وضعتهم في مكانة اجتماعية وسياسية خاصة.
قد يقول البعض بان هذا المصطلح يعود للعصور الأولى من تكوين الإنسان لمجتمعه، وأصبح من مخلفات الماضي ولا وجود له في الالفية الثالثة، خصوصا مع انتشار الديمقراطيات في العالم والدول المدنية الحديثة، التي ظهرت فيها البدائل الجماهيرية، التي تسد محل الزعامة عن طريق الاختيار الشعبي المبني على الوعي والمعرفة، لمن هم اكفأ وأكثر قدرة على الادارة السياسية، وفق مفاهيم جديدة ومنطلقات حديثة.
في دول الشرق الزعامة باقية، وتطور مفهومها من السيطرة إلى الإخضاع، ومن التحكم إلى الاستبداد، وكذلك تطور التعامل معها باحترافية عالية وتفرعت من زعيم واحد إلى زعماء ضمن رتب معينة يساند بعضهم بعضا. أما في المجتمعات الديمقراطية فالزعامة قضت عليها المشاركة السياسية.
يقضي بعض السياسيين وقتا طويلا للوصول إلى أحد مراكز القرار، ولكن طول الوقت ليس شرطا، لأنه ما أن يستقر في مكانه حتى يبدأ بالبحث عن الوسائل التي تطيل عمر بقائه في هذا المنصب، وتكيف له الصعود إلى مناصب اعلى من حيث الصلاحيات وطول اليد، فيبدأ بصناعة نفسه بمساعدة الجــــماعة الضيقة التي تلتف حوله، فيؤلفون له نشيداً يردده العامة خلفهم، على انه الســــياسي المخضرم والقائد التاريخي والمنظر والفيلسوف والحكيم والاستشاري، بل والمخلص، ومن تتوفر فيه كل هذه الصفات فهو باقٍ لا محالة! حتى ان سقط القلم من رعشة يده، فقد اصيب بالتكلـــس السياسي وحمى البقاء إلى ان يصدر امر من السماء .
ان وضعية القائد التاريخي تقتل روح الديمقراطية وتعدم المنافسة وتقضي على التعددية او تجعلها أداة لتعزيز وجود هذا القائد، وتجعل جيل الشباب إما من أدواته التنفيذية العمياء او من جوقة المداحين الذين يحلفون بحياة هذا القائد فيُقتل طموحهم ويحرمون من الاستفادة من تفعيل الديمقراطية، هذا القائد التاريخي يوظف كل انواع الاعلام المتاحة بين يديه ليجعل الناس تغذي فكرها على تاريخه وتوجيهاته الحكيمة.
السياسي الذي ينوي البقاء يُوهم الناس بأنه زعيم وليس مجرد موظف عند الشعب او سياسي مرحلي قابل للتغيير، على الناس ان تؤمن بان هذا القائد لا غنى ولا بديل عنه لان اسمه مرتبط بحدث تاريخي مفصلي، ثورة أو انقلابا أو حربا أو …الخ ويبقى على الشعب تحمل لعنة مشاركته وأنهم مدينون له بأرواحهم وأوطانهم.
لا يشترط بالزعيم ان يكون صاحب برنامج ســـياسي او خطة انعاش اقتصادي وفق رؤية معينة تحقق للناس الرفاهية، فيكـــفي ان يكون متحدثاَ او قارئاَ بارعاَ يشحـــن عواطف الناس ويكسب ودهم وخضـــوعهم الطوعي أحيانا، لذا فان صندوق الاقتراع هو العدو اللدود للزعماتيين، لأنه مرتبط بنظرية التغيير والتجديد ويعتمد على البرامج السياسية المتقلبة لتواكب الواقع ومشكلاته، وهؤلاء لا يعترفون إلا بالبقاء حتى لو تسبب بقاؤهم بمجاعة او حرب أهلية.
الوعي هو الفارق الحقيقي بين الزعامة والخضوع والديمقراطية والحرية، نحن نصنع الزعماء وهم يصنعون لنا أساليب الخضوع والذي يسمونه على سبيل التلطيف والتخفيف امرا واقعا أو حالة طوارئ، وفي الوقت نفسه نحن من بيدنا صنع الديمقراطية ورسم أساليبها بكل كرامة وحرية، ولكن تتصدى لنا ثقافة التعجيز والخوف لنصل إلى قناعة أنه أمر في غاية الصعوبة او الاستحالة، أن كل أمة تعتمد على الزعامة ستظل أمة متأخرة حتى في إنسانيتها، أمة ظالمة لنفسها فارغة من محتواها فاقدة لروحها ولشبابها وتعيش من أجل رجل واحد.
٭ ناشط سياسي فلسطيني
حسن خلاف