«السجناء الزرق» في عرض خاص يجمع سجناء سابقين وقضاة ومحامين

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: عرض أول وخاص بفيلم «السجناء الزرق» تمّ في الهواء الطلق، بعد عمل استمر لخمس سنوات.
في حديقة بيت عتيق في بلدة غزيز الكسروانية مخصص لتعليم الموسيقى إلتف كثيرون حول المخرجة زينة دكاش وفريق العمل والسجناء الذين نالوا حريتهم.
«السجناء الزرق» فيلم يحكي عن سجناء نالوا أحكاماً مفتوحة على المدى غير المنظور بناء على مواد في القانون الجنائي الذي يقول «يُسجن لحين الشفاء».
هم المذنبون أو القاتلون بفعل مرض نفسي أو عقلي يصفهم قانون العقوبات بالممسوسين أو المجانين أو المعتوهين؟
لهذا الفيلم كان احتفالية مهنية وفنية باتت نادرة في زمن كورونا. أتى على درجة من الأهمية، تناغمت مع الحِكَم التي نطق بها المساجين «الزرق». كما كان الحضور لافتاً.
فحضور ثلاثة من كبار السن وهم الأعتق بين سجناء «البيت الأزرق» المخصص للمرضى النفسيين في سجن رومية كان مؤثراً. رجال أمضوا ما يزيد عن الأربعين سنة في السجن، دون أن يسأل خاطرهم أحد من ذويهم، أو يزورهم طبيب. مع دخول جمعية كتارسيس إلى البيت الأزرق وكشف أوضاعهم غير الإنسانية تضافرت جهود عدّة لإخراجهم، فأخذهم على عاتقه «الأب مجدي». تمنت مخرجة «السجناء الزرق» زينة دكاش لو يعرف هؤلاء أنفسهم من ضمن شخصيات الفيلم فـ»ألزهايمر» بدأ يفتك بذاكرتهم.
حضر العرض مجموعة من السجناء الذين أطلق سراحهم بعد انتهاء أحكامهم. منهم من أتى برفقة عائلته معبراً عن سعادته.
ومنهم من أخبر عن نجاحه في ايجاد عمل ومنزل وعقد خطوبة، ومنهم المغروم. أما «أحمد الذي سجن بجريمة ترويج المخدرات» فبات ناشطاً في انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر ومن رموزها، ويعمل باجتهاد لإقرار قانون العفو العام عن السجناء. وتخبرنا زينة دكاش أن 20 سجيناً من الذين شاركوا في الفيلم نالوا حريتهم، ووصفتهم بإخوتها وأبنائها.
هذا النشاط الذي نمتّه زينة دكاش «طوبة طوبة» بدءاً من سنة 2007 في السجون اللبنانية المكتظة، إلتف حوله وبالتدريج مجموعة من المهتمين وبخاصة القضاة وفي طليعتهم القاضي حمزة شرف الدين الذي ساهم في صياغة بعض مشاريع القوانين التي تقدمت بها جمعية كتارسيس إلى مجلس النواب.
أما الدور المثابر والداعم على الدوام فكان للنائب السابق والمحامي غسان مخيبر. كما حضر عدد من القضاة اطلاق الفيلم.
«السجناء الزرق» فيلم وثائقي يعتمد في جزء منه على الحوار بين زينة دكاش والسجناء، وخلاله نعاين المنطق الناشط لديهم، والذي يشي بالكثير من الدلالات.
وتخلل الوثائقي تمثيل لحال السجناء المرضى من قبل زملائهم في قسم المحكومين في سجن رومية، وهو ما تطلب الكثير من التمارين وبعضها ظهر في سياق الفيلم.
قاسية الواقعية التي ينقلها «السجناء الزرق» لما تبيته من ظلم لبشر لا حول لهم ولا قوة. حال المكان مزرية، وقد اختصره أحدهم بـ»رطوبة، ريحة دخان، وضيق نفس وووو». العجز ظاهر على بعضهم، ومنهم من تكور على ذاته. حدد أحدهم مرضه بـ»انفصام شخصية» والسبب حسب قوله عدم تعاطي المخدرات التي اعتادها بعمر السنة والنصف، وعلى يد الداية أم محمد وأكملت والدته المشوار؟
ويشرح أخر حاله وهو يستغرق وقتاً بين انتقاله من جملة لأخرى: «خصلتي إني ساكت من أنا وبعمر الـ15 سنة.. والسبب صدمة عصبية.. انجرح فؤادي من الصغر.. ما غنجوني أهلي.. اعتبروني كبير وأنا صغير».
سجين يتحسر لأنه لا يعرف شكلاً لوالدته. يتمنى أن يرى لها صورة. والده يخبره أنها ماتت. وعمته تقول إنها في كندا. كان طفلاً حين سرق في بلدته الجنوبية ليمونة حامض من بستان. ربطه والده بالجنازير، وراح يكويه كلما خطر له بالسكين «المحمى» على النار. بحسبه والده لا يُعنّف زوجاته، بل مباشرة يرمي على من لا تعجبه الطلاق «صار مزوج ومطلق شي 9 مرّات». أما هو فهرب من المنزل والتحق بالأحزاب وهو بعمر الطفولة. ويخلص للقول «كيف ما بدي كون مريض»؟!
توقف الوثائقي بشكل لافت عند حالة الحنين والنوستالجيا، لدى «السجناء الزرق». منهم من تمنى زيارة الأهل. منهم من يحلم كل ليل أنه يهبط في وادٍ عميق. ويبرر ذلك بوجوده في السجن «لو برّا بحلم بشي حلو».
«السجناء الزرق» عمل فني بنّاء أضاء على فئة منسية من البشر، فئة تجاهلها الأهل والمجتمع، وظلمها القانون فكان ما كان. وفي ختام العرض السينمائي جلس السجناء السابقون في مواجهة الجمهور وكان نقاشا في الحلول، والمطالب خاصة قانون العفو العام. وكانت إشادة بعمل الجمعيات الأهلية المثمر داخل السجون.
يُذكر أن فيلم «السجناء الزرق» شارك في مهرجان البندقية ونال منحة، والأمل أن يناقش مجلس النواب مشروع القانون الذي في أدراجه لتعديل مواد القانون الظالم والذي تخطاه الزمن والتطور الطبي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية