الأردن كما يعرفه العالم اليوم، على مبعدة 99 سنة من تصريح شهير، كان يقطر صلفاً وقبحاً واستفزازاً، أطلقه وزير المستعمرات البريطاني ونستون شرشل في آذار (مارس) 1921: “الأردن فكرة خامرتني ذات ربيع، قرابة الرابعة والنصف بعد الظهر”. وتلك، كما هو معروف، إشارة إلى أيام ثلاثة قضاها شرشل صحبة 40 من مستشاريه ومعاونيه، أسفرت عن رسم خرائط الشرق الأوسط؛ العراق الفيصلي والأردن الهاشمي، بصفة خاصة.
الأرجح أنّ مستشاراً مثل ت. إ. لورانس كان أكثر تفطناً من سيّده شرشل إلى معطيات ما ستنقلب إليه “الفكرة”، ليس على صعيد جيو – سياسة النفوذ البريطاني في المنطقة بأسرها، فحسب؛ بل كذلك على عواقب، وبالتالي مزايا ومساوئ، أن يشغل شرق الأردن الوليد موقع “المنطقة العازلة” أمام سوريا والعراق، فضلاً عن الأهمّ بالطبع: الكيان الصهيوني الذي وعد به وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور في سنة 1917.
الأقدار شاءت أن يكون الحسين بن طلال (1945ـ1999)، وليس جدّه عبد الله أو والده طلال، هو العاهل الذي سوف يتولى تحويل شرق الأردن إلى دولة؛ لها ما لها، وعليها ما عليها، لجهة الحفاظ على قوام سياسي وديمغرافي وعسكري في قلب لعبة شطرنج ضارية شرسة، عربياً وإقليمياً ودولياً، ليس من دون حرب أهلية واحدة على الأقلّ. وابتداءً من دستور 1952، مروراً بالإصلاحات السياسية والاقتصادية الليبرالية لعام 1989 التي تضمنت إلغاء قوانين الطوارئ وحظر الأحزاب، ثمّ توقيع اتفاقية وادي عربة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي في عام 1994؛ تمكّن الحسين من تثبيت أركان نظام يعلن الملكية الدستورية بمجلس نواب ومجلس أعيان وانتخابات تشريعية ونقابية، وصحافة غير مقيّدة قانونياً؛ ولكنه أيضاً نظام يُبقي للملك سلطات كبرى شبه مطلقة، ولا يردع الكثير من ممارسات أجهزة الاستخبارات التسلطية حين تقتضي الحاجة.
وأمّا المفارقة، خلف هذا المعمار الذي أشرف الحسين على تشييده، فإنها حقيقة انحسار النفوذ البريطاني، خاصة بعد قرار الحسين إعفاء السير جون باغوت غلوب من قيادة “الجيش العربي الأردني” في سنة 1956؛ لصالح نفوذ أمريكي واضح، لم يقتصر على علاقة دولة صغرى بقوّة عظمى فقط، بل على الصلة الشخصية التي جمعت الملك مع جون (جاك) أوكونيل، رئيس محطة الاستخبارات المركزية في الأردن بين 1958 و1971، الذي سوف يصبح بعد تقاعده مستشار الملك الأبرز ومحاميه في واشنطن.
في ظلّ هذه المعادلات، وأخرى سواها من طينة جيو – سياسية مماثلة، يواصل الأردن الإبحار في مياه عاتية بصفة شبه دائمة في الواقع، سواء انطوت الأنواء على جولات حروب أو تفاوض أو تطبيع مع الكيان الصهيوني، أو أدوار شدّ وجذب بين هذا النظام العربي أو ذاك، أو الضغوطات الاقتصادية الهائلة التي تخلّفها هذه الشبكة من التحديات. وحين اندلعت الانتفاضات العربية وشهد الأردن أكثر من 4000 حركة اعتصام أو تظاهر أو احتجاج، أو حين باشرت نقابة المعلمين إضراباً مفتوحاً واسع النطاق، امتزج باعتصامات دوّار الداخلية… سعى الملك عبد الله الثاني إلى ملاقاة هذه “الهبّات” عبر مقترحات إصلاحية متفاوتة الجدوى أو المصداقية، ولكن من دون أن تخمد النار التي ظلت تشتعل تحت الرماد.
“في حجم بعض الورد”، كتب سعيد عقل يصف الأردن، الذي ما يكاد يفلت من تقاطع نيران حتى يدخل في آخر، ولا يتفادى اشتراطات صندوق النقد الدولي مرّة حتى يجابه مجدداً سيوف التعديلات الهيكلية المسلطة؛ وكلّ هذا حين حيث لا يحتمل الحجم، ولا الموقع والدور، إلا القليل فقط من هذه التحديات. وسواء كانت الحكومة برئاسة سمير الرفاعي أو معروف البخيت أو عون الخصاونة أو فايز الطراونة أو عبد الله النسور أو هاني الملقي أو عمر الرزاز أو بشر الخصاونة… فإنّ النهب والفساد وهموم العيش والبطالة وحال الاقتصاد، فضلاً عن جائحة كورونا التي تستفحل، عوامل كفيلة دائماً بإطلاق شرارة تُشعل اللهيب من حول الوردة.