يحتفل جدعون ليفي وعودة بشارات من على الأسطح، ويتشدقان بجدية حول “أحكام” آدم راز التي قالها في مقابلة مع عوفر أديرت إن رأيه “العلمي” يخدم أجندته الأيديولوجية – السياسية، وهذه المرة في إطار نقاش حول أعمال النهب والسطو على ممتلكات عرب 1948 التي كانت جزءاً لا ينفصل -لشديد الأسف والخجل- من حرب الاستقلال. وهما يشدان على يد راز، وبهذا ينضمان للتقليد الآخذ في الترسخ داخل إسرائيل، وهو تعليق كل تهمة تاريخية، صحيحة أو غير صحيحة، على دافيد بن غوريون.
يقتبس أديرت من أقوال راز الحكم النهائي القائل “إن سماح بن غوريون بالنهب واستهداف لخلق واقع سياسي واجتماعي معين، كان أداة في يد بن غوريون لتحقيق أهدافه”، وإن بن غوريون “عارض” أن تكون هنالك سلطة واحدة، فعالة وذات قوة حقيقية، لتجميع الممتلكات كلها، وتوزيعها ومعالجتها، و”أفشل ذلك”. أحقاً ذلك؟ سأحتاج هناك إلى عدة أحداث ومواضيع كأمثلة.
بعد احتلال حيفا وقبل حوالي أسبوعين من إعلان الاستقلال، زار بن غوريون، الذي كان حينئذ رئيس إدارة الشعب المؤقتة، المدينة. معظم السكان العرب هربوا، والمؤسسات اليهودية القطرية والبلدية انتظمت فوراً لإدارة شؤونها. وكانت منظمة الدفاع “الهاغناة” هي المسؤولة عن الأمن والنظام. شكلت لجنة يهودية مدنية لمعالجة السكان العرب وممتلكاتهم. تأثر بن غوريون من التركة، وبالأساس من الممتلكات المتروكة. وأخبره مرافقوه عن أعمال النهب التي جرت وتحديداً على يد رجال ايتسل الذين يقبلون سلطة الهاغناة على يد رجال الهاغناة. وقد أبلغ بيغن عبر التقارير أن السارقين الذين تم ضبطهم غرموا وأرسلوا إلى السجن.
التقى بن غوريون هناك أعضاء لجنة الشؤون العربية، وأوضح لهم قرارات إدارة الشعب، التي استهدفت واقعاً مثل ذلك الذي تم الكشف عنه في حيفا. وهنالك بندان كانا يتعلقان بالمشكلة الأساسية: 1. يجب الحفاظ على كل ممتلكات شخصية والمطلوبة لتوفير الغذاء للعرب من السطو والمصادرة. 2. يجب أن تتم الحراسة على يد الشرطة – حين تكون موجودة – ولكن حتى ذلك الحين سيقوم الجيش بذلك؛ أي نواب الهاغناة في الوقت نفسه.
في 15 تموز 1948 كتب بن غوريون في مذكراته عن “المسألة المرة” لأعمال الاغتصاب والسطو في المدن العربية التي تم احتلالها، ومن بينها اللد والرملة. لقد أبلغ بأن إسحق رابين أمر جنود البلماخ الخروج من هناك، ولكن أعمال السطو والنهب تواصلت. في الوقت نفسه، قرر بن غوريون سن تشريع عسكري يمكّن من سيطرة الجيش، وأعطى صلاحيات للشرطة باستخدام السلاح لمنع أعمال النهب، كما أعطى صلاحيات للجنرال أفنر زليكوفيتش بأن يشكل الحكم العسكري فوراً، والذي ستكون مهمته الأولى منع أعمال السطو والنهب في أوساط جنود الجيش الإسرائيلي والمدنيين (أجل، أخذ الحكم العسكري فيما بعد صورة أخرى وشكلاً آخر). لقد أعطى تعليماته لكل القيادة العليا في الجيش الإسرائيلي بالحرص على هذا الأمر.
علاوة على ذلك، خشي بن غوريون من احتمالية انزلاق النهب إلى الأماكن المقدسة. في اليوم نفسه، أمر يغئال يدين حرفياً: “إذا تم احتلال الناصرة، فعليك أن تعد قوة خاصة قبل ذلك، مخلصة ومنضبطة، حتى لا يسمح لأي جندي يهودي آخر أن تطأ قدمه الناصرة، وأن يمنع كل احتمالية لأعمال السطو، وتدنيس الأديرة والكنائس. ويجب استخدام الأسلحة بدون رحمة إزاء كل محاولة سطو من جانب جنودنا. عليك الإبلاغ عن كيفية تنفيذك لهذه التعليمات.
وقد أضاف بن غوريون في تعليماته لقائد لواء عصيوني في القدس: “بالإضافة إلى تعليماتي السابقة بشأن البلدة القديمة، عليك الاهتمام بأن القوة الخاصة التي ستعين لحراسة البلدة القديمة ستستخدم البنادق ضد كل يهودي بدون رحمة، وخاصة ضد كل جندي يهودي سيحاول السطو أو يحاول تدنيس مكان مقدس مسيحي أو مسلم”.
ما جرى في يافا والممتلكات المتروكة أقلق بن غوريون أيضاً، لقد أمر بعدم مصادرة ممتلكات شخصية تعود للعرب الذين هربوا، وطلب أن يشرف الجيش الإسرائيلي على تسكين منظم للبيوت التي تركت، وأن يمنع كل انقضاض وحشي على الممتلكات المتروكة. كما طالب بمعاقبة رجال الجيش الذين تصرفوا هناك كما يتصرفون بممتلكاتهم الخاصة.
عن كل هذا، كتب في مكان آخر: “… مفاجأة مُرّة هي اكتشاف عيوب أخلاقية في داخلنا، عيوب لم أشك في وجودها؛ أقصد السطو الجماعي الذي شارك فيه كل أوساط اليشوف اليهودي. أرى في هذا العيب آفة أخلاقية، بل خللاً عسكرياً خطيراً”.
أعمال النهب أقلقت بن غوريون طوال سنوات حياته، ومعروفة هي واقعة اوري بن آري، الذي عين كقائد لسلاح المدرعات بعد عملية قادش (غزو سيناء بعد تأميم قناة السويس)، واعتبره العديدون رئيس الأركان المستقبلي. التفاصيل الدقيقة ليست واضحة حتى اليوم، ولكن أساس القصة هي أن سائقه أخذ كيس طعام غنيمة خلال عملية قادش، ولم يبلغ بن آري عنه، وبلغ الموضوع بن غوريون. لقد كان بن آري يقدر، ولكن وضع أمامه احتمالين: أن يقدم بمحاكمة عسكرية، أو يستقيل من الجيش الإسرائيلي، فاختار الاستقالة.
وإليكم شيئاً آخر، معلومة شخصية: بعد احتلال قطاع غزة في 1956، في عملية قادش، علم بن غوريون أن سكاناً من أحد المستوطنات في المنطقة المسماة اليوم “غلاف غزة” دخلوا إلى القطاع المحتل وخرجوا منه وهم محملون بغنائم كثيرة. وعلى الرغم من محبته الشديدة لتلك المستوطنة وسكانها، فقد أمر بن غوريون الجيش أن يبلغ قيادتها بأن يرجع السارقون كل الغنائم التي أخذوها معهم فوراً، ولم يتردد باستخدام القوة من أجل جمع المسروقات، حتى وإن اقتضت الحاجة استخدام السلاح. الغالبية العظمى من تلك الغنية تم جمعها وإعادتها.
باختصار، ما يسميه راز حقيقة – وكأن “بن غوريون سمح بالسرقة” من أجل أن تكون أداة في يديه لـ”تحقيق أهدافه” ليست سوى “تكهنات بائسة”، بل تهمة خسيسة، ثم ادعى بأن بن غوريون أفشل إنشاء سلطة فعالة لمعالجة الممتلكات وتوزيعها.. بالعكس: بحكم استمرارية الإدارة والقوانين الانتدابية (التي ما زالت أجزاء منها سارية حتى يومنا هذا) استمرت مؤسسة القيم العام على أملاك الغائبين في الوجود. لقد عُين قيم يهودي جديد، كان خاضعاً لوزير المالية اليعيزر كابلن، وتم وضع لوائح حسب القانون. وعارض الوزير كابلن بشدة تمويل توسيع نشاط القيم العام. وكما قلنا، واصل الجيش كونه المسؤول عن المحافظة فرض القانون والنظام في حدود الحكم العسكري (بخيره وشره، ولكن هذا موضوع آخر).
بقلم: يوآف لفي
هآرتس 12/10/2020