كلنا يعاني من إرهاق كورونا. وبالفعل، بعد أشهر عديدة، وإغلاقين وعدد لا يحصى من المداولات، وتغييرات في التعليمات، وحجورات وأضرار صحية واقتصادية واجتماعية واسعة… يبدو الأمر مفهوماً. إن انعدام الثقة التي جرى الحديث عنه كثيراً، إضافة إلى الإرهاب، ينضمان معاً إلى عنصر خطير قبيل الخروج من الإغلاق. يدعو اتحاد أطباء الصحة العامة مع شركاء كثيرين، إلى تفكير متجدد في التصدي لكورونا. فبدلاً من مواصلة الحديث فقط عن الأعداد أو الاستراتيجيات النابعة من هدف تقليص الإصابة أو منع انهيار الجهاز الصحي –مع كل أهميتها– والتفكير برؤية واسعة، التي هي المفهوم العميق للصحة العامة، فعلى إدارة أزمة كورونا أن تأتي في إطار خلق نمط حياة جديد بحضور الفيروس. وهذا النمط لا يستهدف فقط تقليص الإصابة والوفيات بالفيروس، بل أيضاً لتحقيق الرفاه النفسي والاجتماعي والاقتصادي، في ظل مراعاة الاحتياجات للتنوع السكاني في إسرائيل. إن حقيقة أنه بات معروفاً اليوم بأن فيروس كورونا “يميز” بالفعل بين الفقراء والأغنياء، مثلما نرى من معطيات الإصابة والوفيات في الأشهر الأخيرة تبين العلاقة الوثيقة التي بين الفجوات في توزيع المقدرات والنتائج الوبائية. وتكرر هذه الحقيقة نفسها في كل دول العالم، وتوضح الحاجة إلى التغييرات البنيوية اللازمة في أجهزة الصحة مثلما في الأجهزة الأخرى أيضاً.
لنأخذ مثلاً جهاز التعليم. لا يبدو تأثير الوباء متساوياً هنا أيضاً. والإغلاقات والانتقال إلى التعليم الموجه، يزيد الفجوات. والمداولات على تفعيل جهاز التعليم لا يمكنه بالتالي أن يجري فقط من زاوية نظر وبائية ضيقة، ومع كل أهميتها لا تعطي جواباً كاملاً لفهم الاحتياجات. إن فتح مؤسسات التعليم مطلوب لاعتبارات متنوعة: تعليمية، صحية واقتصادية. فإذا فهمنا بأن إغلاق جهاز التعليم يمس أكثر بالسكان الضعفاء، وبالصحة الجسدية والنفسية للأولاد، إذا فهمنا هذا المفهوم الواسع للبحث، سيتغير الإطار. إن فتح جهاز التعليم في أقرب وقت ممكن سيسمح للأولاد بتحقيق حقهم في التعليم الإلزامي ونيل الدعم الاجتماعي والنفسي، ويمنع التدهور في التنمية الأولاد المستقبلية. إذا ما فكرنا باتساع وبمدى بعيد يمكننا أن نجري ذات التغييرات البنيوية، ولكن الأمر صعب ويحتاج تغييراً لسلم الأولويات وتفكيراً آخر، وليس تفكيراً نابعاً من إرهاق كورونا.
إذن، كيف سنتغلب على الإرهاق؟ إن دمج الجمهور في ظل الشفافية تجاه الاعتبارات التي توجه أصحاب القرار، ونزاهة ذات شكل لا تشكل فيه القرارات عبئاً على السكان مع التشديد على السكان الضعفاء، وبالأساس تفكير محلي إلى جانب المجتمع المدني والسلطات المحلية… ستؤدي إلى مواجهة أفضل لا تسير برد الفعل فقط على التهديدات والانفاذ الخارجي، وإلى التصدي الإبداعي الذي يكيف نفسه مع شروط الحياة المختلفة. هذا في نظري هو المعنى العميق لخطة “الرمزور” –التفاوت الذي لا ينحصر وبائياً في ضوء مستوى الإصابة– لتعزيز المستوى المحلي في ظل التفكير للمدى البعيد، ليس من خلال التخويف بل من خلال العمل المشترك. إن النجاح الكبير لهذه السياقات على المستوى المحلي في بلدات عديدة يبعث على الإلهام وبقاء الرؤية المتداخلة للمدى البعيد.
إن عدم الثقة الذي بدأت به أدى إلى مبادرات مختلفة بدءاً من المواطنين والسلطات المحلية التي تشكل شبكات التحقيقات الوبائية وحتى التشافي البيتي السري في المجتمع الأصولي. تشير المبادرات إلى عدم الارتياح وتشكل إشارة تحذير على الحاجة إلى بناء الثقة من جانب كل الجهات: الجمهور بمزاياه المختلفة، والسلطات المحلية، والمجتمع المدني، والخبراء وأصحاب القرار وحتى الحكومة. هذه مسيرة معقدة تتطلب تغييراً فكرياً وتغييراً في سلم الأولويات، يجب أن يجد تعبيره في الاستثمار في المنظومات العامة وشراكة إسرائيلية متجددة.
بقلم: البروفيسور نداف دافيدوفيتش
رئيس كلية الصحة العامة، جامعة بن غوريون في النقب
إسرائيل اليوم 14/10/2020