أتفهم أن يكون برنامج مثل «صباح الخير يا عرب» اسما على مسمى، جامعا شاملا العرب في محطة جماهيرية مثل الـ»أم بي سي»، وهذا شيء يدعو للبهجة في زمن الانقسام والتشظي والتجزئة.
لكن، أحيانا يقدم البرنامج في فقراته ما يزيد من حالة الفصام الثقافي العربي، ومن ذلك أن البرنامج قدم الأسبوع الماضي ومن داخل الاستوديو نفسه، فقرة عن الحلويات التراثية في الجزائر، وكان الضيف الذي يعرض تراث الحلوى الجزائرية لبنانيا (أو يتحدث اللبنانية) ليفيدنا أن تلك الحلويات التراثية قد تم إضافة حليب الإبل إليها إرضاء للمتذوق الخليجي!
جميل أن نرى وحدة عربية بنكهة السكر الحلو.. لكن أين الجزائر في تلك الفقرة من البرنامج؟
أحلام ومواجهة الصحافيين بالماكياج
كلما حاولت الابتعاد عن كل ما يتعلق بأحلام، تكون أخبارها المثقلة بخامات التعليق أكبر من أي مقاومة!!
شاهدت الفيديو الشهير عن المؤتمر الصحافي برفقة باقي أعضاء لجنة التحكيم ويديره السيد مازن الحايك عن المحطة، ولاحظت، كما لاحظ غيري هذا الاندفاع من أحلام للتهجم على أسئلة الصحافيين، وإصرارها رغم حرج الحايك الواضح والمنسحب على باقي اللجنة، بأن الأسئلة لا ترتقي لمستوى المؤتمر وجهدها المبذول في تصفيف شعرها وماكياجها استعدادا لهذا المؤتمر الصحافي القومي الكبير!
إذن، نحن أمام تحد كبير، فإما أن تكون أسئلة الصحافة عميقة – كما طالبت المفكرة الكبيرة أحلام- أو فليصمت الصحافيون ليتركوها تتحدث في مواضيع «عميقة» ترتقي وحضورها.
ماذا يمكن أن تكون الأسئلة، التي تليق بهذا الحدث الجلل وترضي أحلام يا ترى؟
هل يمكن أن تكون من نوعية استشراف الواقع العربي في ظل التشظي الراهن؟ لدينا مشكلة في توضيح مفردة «استشراف» هنا! أم هل ترغب أحلام بسؤال صيغته كالتالي: ما رأيك – وهو رأي مهم بلا شك – في الفنان المثقف؟ هل ثقافة الفنان المتنوعة والشاملة تعطي قيمة مضافة لما يقدمه من فنون؟
كيف سيكون الجواب من لدن أحلام؟
أم أن السيدة أحلام، ترغب بأسئلة تتماهى مع طروحاتها الفكرية التي تتحفنا بها كل أسبوع، فيتمحور المؤتمر كله حول ماركة الساعة التي تلبسها؟ أو تمازج البنفسجي مع البرتقالي مثلا في حضور فساتينها وأزيائها؟ وما هو الأثر الحلزوني الميتافيزيقي للعدسات اللاصقة على ذهنية المتلقي العربي؟!
أحلام ترفض أسئلة تتعلق بخلافاتها – وهي كثيرة – مع زملائها في الوسط الفني، وهذه مادة دسمة للصحافة الفنية، وهذا تحديدا ما أثار عصبيتها.. وحسب الأنباء هذا ما أثار حفيظة زوجها، الذي اعتدى، كما قيل على أحد المصورين، بعد سؤال عن خلافها مع زميلة لها!!
أقترح، أن يتم التجهيز من قبل الزملاء الصحافيين في المرات المقبلة، وإرسال صحافيين أكثر تعمقا في الأسئلة، وربما من الأفضل أن يتم عقد جلسات عصف ذهني و»سيمينار» مرافق وندوات متخصصة تدرس الأجوبة «الحلومية» وتمحصها تدقيقا.. للخروج بنظريات جديدة تساعد العالم العربي على النهوض من غفوته.
الفارق بين فنان وفنان
عام 2000، طلب مني رئيس تحريري أن أقوم بإجراء مقابلة مع الفنان المصري الكبير نور الشريف، وكنت حينها أقاتل في موقعي كمحرر للشؤون السياسية، فاستغربت طلبه، لكنه أصر على أن أقوم أنا بإجراء المقابلة.
كنت معجبا بفيلم «المصير»، الذي تم إنتاجه قبل ذلك بعامين، لكن هذا الإعجاب لا يكفي بالنسبة لي أن أجري مقابلة فنية!!
توجهت إلى فندق الفنان صباحا بعد تحديد موعد معه في العاصمة الأردنية عمان، وشاركته الفطور بناء على دعوة منه، وفي بالي أن الحوار لن يستغرق فنجان القهوة الذي طلبناه بعد الإفطار.
امتد الحوار مع النجم نور الشريف حتى ضفاف الظهيرة، وهو يتحدث عن «العولمة» التي كانت حديث الساعة وقتها، وكنت قليل السؤال، كثير المداخلات، وكثرة المداخلات مع قلة الأسئلة دلالة على ثراء الحوار وتشعبه .
حتى اليوم، لا أنسى هذا الحوار المهم مع الفنان المثقف نور الشريف، ولا إسقاطاته الفنية على الواقع العربي آنذاك..
سبب استحضار تلك المقابلة من الذاكرة، جلسة تأمل بعد مشاهدة المؤتمر الصحافي المذكور أعلاه، وطلب أحلام بأسئلة أكثر «عمقا» تليق وحضورها الفكري.
حروف أحمد حلمي
وفي الحديث عن نور الشريف نفسه، أقتبس التالي :»علمني أستاذ نور شيئا بكلمة قالها لي: لو بتحب التمثيل لازم تقرأ».
هذا سطر من مقال لفنان آخر، اجترح فن المقالة، وكتبها غالبا لهجته المصرية العامية. وكثيرون لا يعرفون أن هذا الفنان له كتاب جميل وساخر.. تماما كأدواره الجميلة والساخرة والتي تفجر عملاقا كامنا فيه رغم ضآلة جسمه. والكتاب اسمه (28 حرفا) فيه مجموعة منتخبة من مقالات دأب هذا الفنان على نشرها في الصحافة المصرية، وكنت مشغولا بقراءتها الأيام الماضية باستمتاع وشغف.
أتحدث هنا عن الفنان القدير أحمد حلمي..
وله منا كل تمنيات الفرح والبهجة.. والحمدالله على السلامة.
الترفيه المحترم
..قلت سابقا، أني أحب متابعة برنامج «الحكم» للمبدعة وفاء الكيلاني.. وذلك إعجابا بقدرتها الفذة على استخراج المثير في حوارات لا تخلو من الترفيه المحترم.
والحلقة الأخيرة من برنامج الكيلاني كانت ترسيخا لقدراتها، وفعلا كان التحدي كبيرا، فكيف يمكن الخروج بحوار جيد ومقبول ويحترم الحد الأدنى من عقل المشاهد، والضيف هو صاحب أغنية «بحبك يا حمار»؟
تابعت الحلقة، وأنا محمل بالانتقادات المسبقة لوفاء الكيلاني وطاقم إعدادها، لكن انتهت الحلقة وأنا معجب بقدرة تلك السيدة على ضبط إيقاع الحوار، رغم كل فلتات «سعد الصغير»، والتي لا أرى فيها تجاوزا منه، فهو منسجم مع ذاته ومع شخصه..
الأسئلة التي أحملها في نفسي لشخص مثل سعد الصغير، طرحتها وفاء الكيلاني وهي تلامس ضفاف الاستفزاز بدون الوقوع في فخ الارتباك أو إرباك الضيف.. فكانت حلقة لطيفة.. ممتعة، وهذا يثبت أن الصحافي المتمكن والإعلامي المحترف، قادر على الإنتاج الجيد بأدواته لا أدوات غيره.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة