رواية «حرب الكلب الثانية»… بين المعلن والمسكوت عنه

«ليست كتابة الرواية وحدها نوعا من الحلم، بل قراءتها أيضا» مشيل بوتور
رواية «حرب الكلب الثانية»، رواية متمنعة، مشاكسة، إنها الرواية التي تقول ما تقوله، ثم تشغلك بأمر آخر لتضعك في حيرة تعود بك إلى نقطة البداية. فهي تخبرك عن حرب «الكلب الأولى» ثم تخبرك عن الثانية، وما بين الأولى والثانية، يبسط الكاتب مظاهر وظواهر اختلف النقاد في توصيفها، فمنهم من عدها خيالا علميا، مسترشدا بما عجت به الرواية من اختراعات، واكتشافات علمية خارقة ومتسارعة، ومنهم من عدها «ديستوبيا»، لما عرضته من تسلط، وظلم، وفساد، وآخرون بالاعتماد على هذا وذاك، صنفوها ضمن روايات المستقبل. ولم يجانب أحد منهم الصواب، فكل هذه الأوصاف تنطبق على الرواية، ولا تحيد عنها. لكن، إذا ما تجاوزنا بنية الأحداث، إلى النظر إلى لغة الرواية وخطابها، نجد أنها بقدر ما تعلن عن أشياء، تسكت عن أخرى، ومن هذا المنطلق، فما تقرره الرواية لا يمكن ان يلهينا عما تسكت عنه، حيث تكمن قيمة الرواية، وموقفها من العالم.. يقول السارد: «لا يستطيع أي راو عليم أن يكون جازما في أمر بداية مفتوحة كهذه، وقد جرت العادة أن ينشغل النقاد بالنهايات المفتوحة التي يختتم بها الراوي العليم الروايات، تاركا لهم شيئا يلهون به، فهو يعرف، أي الراوي العليم، أن النقاد الأذكياء كالأطفال، عليك أن توفر لهم شيئا ما يلهون به، وإلا فإنهم سيتعبونك حقا». هذا التصريح الذي يتصل بتفكير الكتابة في ذاتها، ويتقمص فيه السارد دور الكاتب الضمني، ينطوي على موقف نقدي من البدايات كما من النهايات، ويقترح على غير العادة الوقوف مليا هذه المرة عند البدايات المفتوحة، وهي إشارة واضحة إلى أن ما تبدأ به الرواية مشرع على أكثر من موقف، وهو التصريح الذي دفعني لأقرأ الرواية بالوعي النقدي ذاته.

«حرب الكلب الثانية»: لا واقعية
خارج الخيال ولا تخييل خارج الواقع:

إن ما يضمن لرواية «حرب الكلب الثانية» فرادتها، هو أنها على الرغم من جنوحها إلى الخيال وللأجواء الفانتاستيكية، تظل تحافظ على قوة تماسها مع الواقع، فمختلف الوقائع في الرواية هي في الأصل مجموعة من الرؤى والأخيلة التي تتعالق في ما بينها وبين هذا الواقع، بروابط التشابه أو التكامل، فانتشار الفوضى والظلام، والتكاثر بالنسخ، وضعف الحكومات، وإلغاء الماضي. كل هذه الظواهر والمظاهر نجد لها معادلا موضوعيا في المجتمعات العربية، التي ينتمي الكاتب إليها، فما الشطط في استعمال السلطة، والمحسوبية، والعمل بمنطق الحزب أو الجماعة، وانتشار الجريمة إلا بعض من أوجه الفوضى، والمحاولات الدؤوبة لتحوير رأي الأفراد بغاية تنميطها ونمذجتها بحيث تصبح «لا شيء يفرق بين القوم». يماثل التكاثر بالنسخ في الرواية. ويبقى ضعف الحكومات سمة لا يمكن أن تخطئها العين المجردة، وهي سمة مشتركة بين الحكومات العربية. أما الظلام، فهو تعبير مجازي للظلم، ولا يختلف اثنان حول علاقة المشابهة القائمة بينهما، كما لا يختلفان أيضا في استشرائه داخل المجتمعات العربية بكل ما أوتي من قبح.
أما إلغاء الماضي، فهو غاية رافقت منذ أقدم الأزمنة نزعات الأطماع، والسيطرة، والهيمنة، لأن الإنسان المحروم من الخبرة التاريخية يجد نفسه خارج الأفق التاريخي، ويقبل بالحاضر المفروض عليه، وإذا كان الاستعمار هو من تكفل بهذه الغاية في السابق، فقد تكفلت العولمة في الزمن الراهن بتحقيق الغاية نفسها في إعادة تشكيل إنسان عالمي غريب عن تاريخه، وعن هويته، وما تبقى تكفل به الأتباع من خلال فرض النسيان الممنهج بتزييف ومسخ تاريخ الشعوب. وإذا كانت الرواية قد أضفت طابعا من التقنيع والتعتيم على خطوط الاتصال بين الفضاء بالرواية كفضاء متخيل، والمكان الواقعي المعروف في الجغرافية، فإنها تعمد أحيانا إلىى إزالة هذا التعتيم بالتصريح المباشر كما في قول السارد: «كانت البلد قد استسلمت لتلك القاعدة التي يمكن وصفها بالفاشية: من ليس معي فهو ضدي». وهي القاعدة التي أصبح معمولا بها في أعقاب هجمات سبتمبر على برجي التجارة الأمريكيين، الأمر الذي يؤكد بالأساس أن مسألة الواقع أو الواقعية في الكتابة هي دائما واقعية متخيلة، فلا واقعية خارج الخيال ولا تخييل خارج الواقع.

رواية «حرب الكلب الثانية» تميزت بكونها متنا مركبا ومعتمدا على حبكة وشخصيات متخيلة تحيل على رغبة الروائي في الإحاطة بموضوعه من وجهات نظر متعددة وبالشكل الأكثر اكتمالا (الكتابة الساخرة، السرد الروائي، المقطع الأثنوغرافي، الواقعة التاريخية، الخيال الحر).

«حرب الكلب الثانية» بين المأساة والطرفة:

تنهض فلسفة الرواية على ثنائية المأساة والطرفة، وقد حاول الكاتب أن ينظر إلى كل ما يقع في الحياة باعتباره لا يخرج عن إطار هذه الثنائية، لكن الطريف هو شكل حضورها المتسم بعلاقة التداخل والتمازج بين طرفيها المتناقضين، فالمأساة التي تقع للبعض تكون عند البعض الآخر طرفة، والعكس صحيح، وأحيانا، «الأمر الذي تفتح كطرفة لن يكون أقل من مأساة»، بل أحيانا الحادثة الواحدة تكون كالعملة ذات وجهين، وجه طريف، وآخر مأساوي.
وهو أيضا لم يتناول المأساة وسيلة للتطهير (كطارسيس) من المشاعر السلبية عن طريق إثارة مشاعر الندم، والحزن، والعطف، لدى المتلقي، كما أراد لها أرسطو، بل انزاحت في الرواية عن وظيفتها تلك وأصبحت تثير الضحك، والدعابة. والشاهد هو ما حكاه أحد الأطباء لبعض ضباط/حكام القلعة عن الرجل المصاب بذبحة قلبية، إذ على الرغم من أن الرجل كان يحتضر، إلا أن الطبيب أخفى الأمر عن الزوجة والابنة وفرض عليهما هو ومساعده مبلغا باهظا مقابل استقباله في المستشفى والكشف عنه، وحين كان المبلغ غير متوفر لديهما، سحب منهما ما كانتا ترتديانه من حلي، وأنهى سرده قائلا: «لكنني أفكر دائما كم كان يمكن ان نكون ساذجين لو لم نفعل ذلك، خاصة أن الرجل قد مات في الصباح التالي».
وعوض أن يثير هذا الحكي استنكار الحضور أثار ضحكهم، وهذا يدل على أن «بعض البشر تضحكهم المأساة أكثر مما تضحكهم الملهاة أو الطرفة».
إن هذه الحادثة وغيرها كثير بالرواية تفضح مدى المسخ الذي طال النفوس في عصر القراءة، ومدى التحجر الذي أصابها، بحيث أصبح الشر والسادية طبعين متأصلين فيها بعد طغيان قيم المادة التي افقدت الإنسان إنسانيته، وأحالته لمجرد كائن حي تسوقه أطماعه وغرائزه، وأصبحت قيم الخير إن وجدت في الشخص يصبح مثار سخرية، ويتهم بأنه يعاني من أعراض ذلك المرض الخطير الذي سموه تقكها «متلازمة الضمير» .

انقلاب راشد على مبادئه
بين المعلن والمسكوت عنه:

إن رواية «حرب الكلب الثانية» تخرق نموذج البطل الإشكالي الذي يستميت في البحث عن قيم أصيلة في مجتمع متدهور، ويحمل على عاتقه هم المقهورين، إلى أن يلقى حتفه موتا أو سجنا. فقد قدمت الرواية «راشد» في البداية بطلا يحمل هم التغيير، ويتزعم النضال من أجله، وأبان عن عزيمة وصمود أمام كل صنوف التعذيب التي تعرض لها في أعقاب اعتقاله، لكنه ما فتئ أن تحول إلى أكثر المستبدين، شراسة في الإجهاز على هذه القيم، بل أصبح معتقلوه سابقا يستشيرونه في اجتراح سبل جديدة لتحقيق الغايات بغض النظر عن الوسائل بدءا من استغلال الأوبئة والأمراض، وخلقها لاستدرار المال من المرضى والموتى على السواء، إلى المتاجرة بالبشر. راشد المثقف الذي يحيل اسمه على معاني التعقل والرشد، وبالنظر إلى موقفه المناهض لحكم القلعة يجعلنا نقف مليا عن سر هذا التحول، المدهش/ الفانتاستيكي، الذي يمكن تفسيره كونه أثرا من آثار حرب الكلب الأولى التي استشرت بفعل تحول القيم الذي طال لقوته الفطرة والطبيعة، كما حصل مع الكلب عندما تحول وفاؤه وإخلاصه لصاحبه إلى غدر وعداء، ويمكن أن يفهم أيضا في خضم عدوى الشبه التي استشرت بين الناس وكان «راشد» أول من أصبح يشبه جلاديه.
ويمكن استخلاص أسباب أخرى نستقيها من مجريات السرد في الرواية ومنها، أن إلغاء الماضي قد يكون سهّل له ذلك، لأن الإنسان بدون ماض هو أعزل من كل خلفية بإمكانها أن تشده إلى الثبات والرسوخ، «ودع ماضيه بدون الإحساس بأي شكل من أشكال العار الذي يلحق بأولئك الذين يغيرون قناعاتهم».
أو اعتبار أن وعيه المتزايد بعدم تحرر المقهورين والجائعين، هو الذي قاده إلى تقاربه مع أفكار القلعة وسياستها، بعدما أصبح ينظر إلى غير الأحرار باعتبارهم ضحايا أنفسهم، فكان ان خلص إلى: «أن لا أحد يستحق أن أخوض أي معركة من أجله فكيف حرب؟».
وقد يكون تركيزه المفرط على الحرية الكاملة للإنسان متناقضا بالتأكيد، لا فقط مع القوانين الوضعية، ولكن كذلك مع حقائق الحياة، وتشدده هذا، هو ما جعله يناقض نفسه ويصدق فيه بالتالي قول أحد ضباط القلعة وهو يطمئن زميلا له بالقول: «علينا أن نخاف من أولئك الذين تمتلئ جماجمهم بألوان أخرى غير اللون الأسود، أما المتشددون فلا تخف منهم لأن تشددهم، الذي يعتقدونه علما، أو يقينا، هو السبب الأمثل الذي يقدمونه لك لكي تسحقهم، ففي النهاية الجميع يفضل قتل الوحش».
بالإضافة إلى كل هذه الأسباب نعتقد في لحظة أن راشد ترميزا لمثقف اليوم، الذي ارتمى في أحضان السلطة، وتخلى عن مبادئه وخان الميثاق الذي يربطه بالمجتمع، وتاجر بأناه مقابل أن يصبح من «جيران أصحاب الملايين»، إنه مثقف اليوم الذي لم نعد نعرف «إن كان مصلحا أم مروضا؟ ملحدا أم موحدا؟ لصا أم نزيها؟ قائدا أم قوادا؟». ومن خلال تجربة «راشد» الذي بدأ معتقلا يعاني صنوف التعذيب، ثم أصبح بعد ذلك قريبا من جلاديه وصهرا لهم، وانتهى في الأخير معتقلا معذبا، مقضيا عليه، نستفيد أن قدر المعارض أن يظل مدانا مهما اقترب من السلطة وخطب ودها، وأن مآله معها (السلطة) أن يسيرفي دائرة تنتهي به دوما من حيث بدأ.

على سبيل التركيب:

إن رواية «حرب الكلب الثانية» تميزت بكونها متنا مركبا ومعتمدا على حبكة وشخصيات متخيلة تحيل على رغبة الروائي في الإحاطة بموضوعه من وجهات نظر متعددة وبالشكل الأكثر اكتمالا (الكتابة الساخرة، السرد الروائي، المقطع الأثنوغرافي، الواقعة التاريخية، الخيال الحر)، كما تجدر الإشارة في هذا الختام إلى أن الهاجس الذي تنوء به الرواية، هو هاجس صياغة محاكمة للواقع العربي، ورسم حركته العامة، وما ظاهر انعدام التحديد، والإحالة المباشرة في الرواية إلا تحديدا صارخا وإحالة صريحة، كما يظهر في تساؤل السارد «هل خطر ببالك أننا مجرد مرايا للمرايا التي نحدق فيها؟». ويظهر هاجس الفضح أيضا في قول السارد «إن كثيرا من الذين يعيشون هذه الأيام المظلمة، لم يسمعوا بتلك التفاصيل، ولذا كان لا بد من الحديث عنها بإيجاز، رغم الخطورة المترتبة عن حديث كهذا، أو رواية كهذه، يمكنني القول: من هنا بدأت». بهذا وذاك، جاءت الرواية لترصد مأساة التحول، ومأساة التشبه في واقعنا، وتحذر من أن كلاهما حرب كلب لا تبقي ولا تذر.

٭ باحث من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية