وراء كل مال قذر هناك مأساة إنسانية لا محالة، هذا ما يكمن خلف تسريبات الفنسن التي بثها موقع «البزفيد» مع الاتحاد الدولى للصحافة الاستقصائية ICIJ في سبتمبر/أيلول الماضى، فيبرز الانفصام الحاد في رؤية الرابط بين الأموال القذرة ومأساة إنسان ما، نتجت عنها تلك الأموال، فهي المعادل الطبيعي لأناس يتم سلب حيواتهم، والتشوش المزمن الظاهر في اكتناه هذه الحقيقة أو تجاهلها، امتد إلى ممارسات عملية بحاجة إلى إعادة بناء مستمرة، عرجت عليها تلك التسريبات وطرحت من خلفها سؤالا مهما: ما الجدير أن يعمل به لمنظومة تدفق الأموال حول العالم؟ وهو ما يمكن اختزاله إلى اختبار حقيقي لمكانة الإنسان في نظر تلك المنظومة، ومدى تمركزه فيها أو اختفائه، مقابل ترك تلك الأموال تتدفق بحرية تامة، بدون مساءلة، أو بغض الطرف عما خلفها من شبهات، ربما ترتبط بآثار مدمرة وعواقب وخيمة على العالم أجمع، في اتجاهات زمنية متنوعة ومترابطة وعالم حديث يشكله منطق أثر الفراشة.
الفنسن FenCen هي شبكة مكافحة الجرائم المالية في الولايات المتحدة، وتقارير الاشتباه، هي وثيقة رسمية يتم رفعها عن طريق المؤسسات بموجب القانون إلى وحدات المعلومات المالية، وبلغ عدد الوثائق المسربة منها 2100 وثيقة، وهي ترفع نتيجة ممارسة نوع من التحليل يتعين على تلك المؤسسات أن تقوم به داخل أروقتها، للحصول على دلالة ما، لحركات تلك الأموال الصادرة والواردة لحساب عميل ما، وإيجاد الرابط غير الطبيعي بين هذه الأموال، وتحركاتها وإحداثياتها، كما القصة التي خلفها بشخصياتها المختلفة، وهي نوع من تحليل الارتباط بين الدال والمدلول لإيجاد معنى خلف حركات هذه الأموال واصحابها، أو عدم وجود معنى في إطار تحليل تاريخي لهذه العلاقة، ورفع المخاوف في هذه التقارير إلى الفنسن، التي توجد وحدات على شاكلتها في كل دول العالم، وهو ما يعطي أهمية كبيرة لهذه الوثائق.
فالشخصيات الرئيسية التي تطل من وراء تلك التسريبات، وأطلق عليهم موقع ICIJ «العملاء السريون» Confidential Clients هي شخصيات تتميز بحساسية مواقعها، ويبلغ عددهم 50 عميلا، تدور حولهم تقارير الاشتباه موضوع التسريبات، ينتمون إلى جنسيات مختلفة، وتتشابك ارتباطاتهم بدول متعددة، وتتوزع الشبهات حولهم ما بين الاختلاس والفساد والتزوير والتهرب من العقوبات؛ كما تنتشر تحركات أموالهم على مساحة 17 دولة، وكلها جرائم متخصصة في استنزاف ثروات المجتمعات؛ وجَمَع هذه الشخصيات استخدام شبكة النظام المالي ومكوناتها من المؤسسات المالية حول العالم، لتمرير أموالهم، واستخدام التقنيات نفسها لتوزيع حركة الأموال إلى امتداد كبير يشمل أطراف عديدة ودولا متنوعة، وهو ما يصطلح عليه «بآليات غسل الأموال» وهي تحتال بطرق وأساليب متنوعة ومعقدة لإدارة أموال الجريمة، وتحويلها إلى أموال خالية من الشبهة، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة الجريمة، واستدامة أموالها كما استدامتها.
تسريبات الفنسن، وضعت النظامين في مواجهة بعضهما بعضا وأيهما أقدر على قمع الآخر، ففعالية شبكة في مواجهة الأخرى، يعتمد بشكل رئيسي على دراسة تحركات الآخر واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهته.
من ناحية أخرى، كان دور المؤسسات المالية فى قصص هؤلاء، يقتصر على الإبلاغ عن الشبهات وفقا للقانون، بل منها من أبلغ بعد سنوات من حركة هذه الأموال، مدفوعا بأخبار سلبية منتشرة في وسائل الإعلام. فالنظام المالي هو بمثابة حركة المرور الرسمية لهذه الأموال، وكانت رسالة التحقيق؛ هي هل يقتصر دوره فقط في الإملاء على أجزائه القيام بدور الرادار لالتقاط صور المخالفات؛ وإرسالها إلى وحدات المعلومات المالية في الدول، مثل «شبكة مكافحة الجرائم المالية» FinCEn صاحبة التسريبات؟ التي بدورها قد تذكي هذه التقارير إلى مدخلات لأدلة جنائية، أو قد لا تنظر فيها وفق الانتقاد الموجه من أحد الخبراء بتقاعس الفنسن، تجاه هذه التقارير، التي ينظر البعض إليها كغطاء قانوني لتلك المؤسسات؛ فمن جهة هي في دفاع مستمر عن نفسها بالإبلاغ؛ أو ما يطلق عليه «تقارير دفاعية»؛ بغض النظر عن أهمية أو مدى الآثار الخطيرة، أو الارتباطات لحركة هذه الأموال في الواقع الخارجي؛ ومن جهة أخرى الاستمرار في التعامل مع الشخصيات المثار حولها الشبهة، وذلك على قياس «بلّغ عن اللص واستمر بالتعامل معه وشاركه في الأرباح»، وأوضحت التسريبات أنه غالبا ما تستخدم تلك المؤسسات مدخل مقارنة الخطر بالعائد المنتظر، وفي العادة تتجازو الأرباح حجم الغرامات المفروضة عليها، التي تتجاوز المليارات من الدولارات، ويشير ذلك إلى أن هناك حالة قصور ذاتي مزمنة لمنظومة رأسمالية متكاملة قبلتها، كما محرابها هو الربح وتجاوز ما عاداه.
فاختلاس أموال عامة في دولة ما، سيؤدي لا محالة إلى خرق نسيج هذا المجتمع، وإيجاد بيئات مليئة بالفساد والفقر والجريمة، والممارسات غير الطبيعية، التي يُدفع إليها أفراده، وتاجر المخدرات الذي يلعب في شبكة متعددة النقاط حول العالم، سيسعى إلى إيجاد طرق متعددة لاستخدام أموال جرائمه بسهولة، والحفاظ على مصدرها، وهو نظام يعتمد على ثنائية جريمة/مال، وهو ما يؤدي بهولاء إلى صناعة أسواق لبضائعهم، ومدّها حول العالم، من احتياجات مستمرة بالتجارة في اليأس والفقر والخوف والفشل والجهل، وإجمالا صناعة شخصيات فيها كل هذه الأمراض كنموذج مفضل من تاجر ومتاجر به، بل تمتد إلى بناء رأي عام حولها، باعتبارها المثل الأعلى باستخدام السينما على سبيل المثال، وهي ما تعتبر فئات مثالية لاستهلاك منتجاتهم كما تنمية أموالهم.
ويتشعب ذلك إلى خلق شبكات ذات تصنيفات متعددة ومتشابكة، بروابط معقدة من ثنائية جرائم/مال، وخلق بيئات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية فاسدة، تكرس للقبول بأوضاع غير طبيعية، بل يمتد الأمر إلى خلق سياقات مهترئة لدول بأكملها، فهى نظام صديق لبيئة موبؤة بالفساد، وتعطيل القانون، وغياب العدالة، وعدم الشفافية، والجهل والفقر والنزاعات، وصناعة مثل هذه البيئات هي ما يسعى له هؤلاء، لأنها ستوفر مناخا آمنا لنمو هذه الجرائم واستدامتها، فهي منظومة مسمومة ستؤدي لا محالة إلى تآكل العالم على المدى الطويل، لأنها تستهلك وبشراسة رصيد الإنسانية في مقابل ديمومتها.
وعلى الجانب الآخر يقف نظام مكافحة الجرائم المالية، وهو الموازي لنظام الجريمة المنظمة، وهي شبكة دولية متعددة الأطراف والجهات، تنضوي تحتها دول كثيرة بمؤسساتها، وتقوم على اتفاقيات الأمم المتحدة ومعايير مجموعة العمل المالي الدولية FATF، التي تنطلق من فرضية أساسية وهي، أن المال هو شريان الحياة للجريمة، وتتبعه وإيقافه وقطعه هو إيقاف وقطع للجريمة، وهو ما ترجم لاحقا إلى مصطلحات من قبيل التجميد والمصادرة في القوانين؛ وتسعى بشكل رئيسي إلى محاولة قمع حركة الأموال القذرة وتخليص العالم منها. ولكن نستطيع الإشارة إلى أن تسريبات الفنسن، وضعت النظامين في مواجهة بعضهما بعضا وأيهما أقدر على قمع الآخر، ففعالية شبكة في مواجهة الأخرى، يعتمد بشكل رئيسي على دراسة تحركات الآخر واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهته، فتسلل شبكة الجريمة إلى النظام المالي واضح، فثمة ضعف بيّن، تشكله الاختراقات من الطرف المقابل، وهذه المواجهة أظهرت إلى السطح العلاقة العكسية بين هذين النظامين أحدهما بالآخر من جهة، وكل منهما بالإنسان من جهة أخرى، فقوة نظام ستؤدي إلى ضعف الآخر، ورخاء الإنسان والحفاظ عليه أو استهلاكه مرتبط بتفوق أحد النظامين على الآخر، ولكن يسبق ذلك خلق السياقات المناسبة، والتحول من صناعة سياقات الفساد والفقر والجهل والجريمة والنزاعات، إلى صناعة سياقات العدالة والشفافية والعلم والسلام، بإرادة عالمية حقيقية تسعى لخير الجميع.
٭ كاتب فلسطيني