“كيميا” رواية المصري وليد علاء الدين: محاربة المحو بالتوحد وإعادة سيرة الهامش

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يلاحظ المتأمل للرواية العربية في العقود الأخيرة أن هناك اتجاها سرديا روائيا يحفل بالتصوف وأعلامه المعروفين في أماكن وأزمنة تاريخية موغلة في القدم، وهذا الاتجاه أصبح ملموسا وفاعلا في تشكيل توجه معرفي خاص، يرتبط  بالتاريخ ومفاهيمه المتطورة والنامية، من تاريخ يؤمن بالوثيقة والحقيقة المتعالية المحددة سلفا إلى تاريخ يؤمن بتجاور الخطابات وتناقضها، ولكنها تتشكل في النهاية على بساط متساو في القيمة دون تراتبية. ومعظم هذه الروايات المرتبطة بالمتصوفة المؤثرين في ذاكرة المتلقي العربي – انطلاقا من المفهوم الجدلي للتاريخ في صورته الراهنة وارتباطه بالذاتي والشخصي- تثبت في إطار اشتغالها الدائم على العلاقة القلقة بالمرجع التاريخي، ومحاولة فك التصحر عن الذهنية العربية بارتكانها إلى الهادئ والمستقر والساكن والمتفق عليه، أنه ليس هناك شيء صاف تماما، فكل شيء يحمل نقيضه، وكل يقين يحتوي على بذور شك تقوّضه.

في بعض هذه الروايات هناك ارتباط واضح بالشخصيات الهامشية التي أهملها المؤرخون، ولم يتوقفوا كثيرا أمام أزماتها النفسية والشخصية، وربما يكون الإهمال متعمدا للحفاظ على نقاوة السياق العام الفاعل، وربما تولد بفعل الضوء الباهر للشخصيات المهيمنة، وكأن هذه الروايات تتخذ من السرد الروائي وسيلة لتقديم سردية مضادة، من خلال اختيار موقع خاص ووجهة نظر لهما مشروعية في إضفاء نوع من الجدل بين المتفق عليه والمستقر والرؤية التي يقدمها محاولا اجتراح حدودها وأطرها المستقرة.

في توجهها نحو اجتراح المؤسس والمستقر والهادئ تحاول هذه الروايات الاعتماد على إعادة قراءة المنعطفات التاريخية المؤثرة، ومن خلالها تصل إلى فهم جدلي قائم على التعدد للماضي، فلا يطل بوصفه ماضيا أحاديا، وإنما بوصفه ماضيا مشدودا لزوايا نظر عديدة. والفهم الجدلي يقوم على استعراض وجهات النظر المتباينة، أو يعمل على مساءلتها، أو على اختيار واحدة منها أقرب إلى الخفوت والذوبان، لم تتشكل بشكل واضح ومباشر، وإنما تجلت في تلميحات، وتضعها في بؤرة التركيز ومن ثم تعيد قراءة السياقات العديدة وفق هذا التوجه، وتقلّبها وفق ما تستوجب وجهة النظر الخافتة، فتتجلى للمتلقي بشكل مضاد، وكأن الرواية في إطار ذلك التوجه تعيد الاهتمام بكل ما هو هامشي، وتصبح صوتا لكل التابعين الذين لم يمتلكوا صوتا كاشفا عن أزماتهم النفسية والوجودية على امتداد التاريخ.

إثبات الوجود وتشكيل سيرة الهامش

في رواية “كيميا” للكاتب وليد علاء الدين هناك وجهة نظر لافتة من البداية تتجلى في تصدير العنوان على هذا النحو، وكأن في ذلك تحريكا للهامش ليحتل الصدارة على نحو متعمد مبتعدا عن المساحة التي يحتلها الجنود في الحروب، ففي لحظة النصر والهزيمة لا تتمّ الإشادة إلا بالقادة، ولا تقام التماثيل والنصب إلا للمنتصرين من القادة والرواد، ولكن الجنود محور العمل والصراع لا يتم الاهتمام بتاريخهم. وهذا يكشف عن التباين الواضح بين الإشارات في المصادر التاريخية للشخصيات المهيمنة التي تصبح شبيهة بالنخل المرتفع الذي يلقي ظلالا على العشب فيواريه ولا يشعر بوجوده أحد.

الإشارات في الكتب التاريخية عن شخصية كيميا ربيبة مولانا زوجة شمس التبريزي تكاد تكون معدومة، وهذه ربما تكون الإشكالية الكبرى التي تواجه كتّاب الروايات، فقلة المرصود لهذه الشخصيات بالإضافة إلى أن المرصود لها لا يشكل بنية كاملة وإنما بنية مجزأة تحتاج إلى الاختراع والخيال لكي يستوي البناء. فالمكتوب عن كيميا وشمس التبريزي يكتنفه الغموض والشك أو الارتباط بنوازع مذهبية وأيديولوجية، لا تقف طويلا أمام المقاربة والدرس والشك المنهجي.

فالمرصود في المصادر التاريخية قليل، فليس هناك سوى بعض الإشارات التي لا تعطي سيرة شبه كاملة، ولكن هذه الشخصية  لم تتأسس لها مشروعية إلا في الكتابة السردية الروائية بداية من “قواعد العشق الأربعون” لأليف شافاك، و”بنت مولانا” للبريطانية مورل مفروي، بالإضافة إلى روايات عديدة سواء في الأدب الفارسي أو الأدب العربي.

وفي ظل هذا التباين بين الحضور الحذر في الكتابة التاريخية، والحضور اللافت في الكتابة السردية الروائية لشخصية كيميا، سواء اكان هذا الحضور متساوقا مع الخطاب المهيمن المتفق عليه، أو حضورا يتعاظم على هذا الخطاب يمكن الإشارة إلى أن حضور كيميا في الذاكرة العربية  والعالمية تشكل في ظل الكتابة السردية القائمة على التخييل الذي يؤدي دوره في ترميم الذاكرة، وإنعاشها وفق توجه نفعي يرتبط بالأيديولوجيات الفكرية الآنية. تتشكل ملامح الشخصية السردية انطلاقا من غياب المرتكزات الواضحة في الكتابة التاريخية، فكل كاتب أو روائي يحاول تقديم تصوره شبه المقبول عن هذه الشخصية مشكلا نزوعاتها الفردية المشدودة حتما إلى سياقاتها الحضارية.

تقوم رواية “كيميا” بتفكيك الخطاب المهيمن المتفق على نصاعته وجدواه، من خلال اشتغالها على وجهة نظر مغايرة تهيمن على خطابها من البداية، ففي منطق الرواية من إدخالها الخطاب المهيمن في حيز النقد والمساءلة تقاوم سقوطها من الذاكرة (سقطت كيميا من ثقوب ذاكرتهم تماما، كما سقطت من ثقوب نصوص مولانا وعباءة شمس). والرواية على هذا النحو تقارن بين نقيضين: نسق الهيمنة الذي يشكله مولانا الرومي وشمس التبريزي وابن الرومي الأكبر، ونسق المهمش المغلوب والمغيّب في ظلال الكيانات الكبرى، (فالكل على حد تعبير نص الرواية منشغل بساكن المقام، ولا يخطر على بال كثيرين المرور بهؤلاء المجهولين المتناثرين خارج أسوار ضريحه).

الإشارة في الجزء المقتبس السابق – حين يشير إلى قبور المريدين- تكشف عن أن التوجه في تفكيك الخطاب المهيمن على الذاكرة البشرية لا يرتبط بكيميا بحد ذاتها، وإنما هو خطاب يؤسس وجوده بشكل مضاد تجاه أي سياق يشكل هيمنة تمحو الآخرين، وفي إطار ذلك يحاول ان يشكل وجودا لآخرين لم يهتم بهم أو بوجودهم الخطاب التاريخي. هناك في نص الرواية إشارات تشد القارئ إلى نسق المهمشين بعيدا عن الاهتمام الخاص بكيميا، وهي اهتمامات كاشفة عن المنظور أو الموقعية الفكرية التي يتحرك في إطارها الراوي، وبالتالي يتم تنضيد وعي مجمل في سياق هذا التوجه، فعلى سبيل المثال حين يتحدث عن انتصار المصريين على الأتراك في (قونية) بقيادة إبراهيم باشا لا يشغله النصر بهالاته، وإنما شغله هؤلاء الفلاحون البسطاء الذين انتزعوا من أهلهم وأراضيهم. وتتوقف الرواية في إشارة لافتة إلى النسق النسوي المهمش حين رأيىفتاة في رقصة المولوية الرسمية (منعت نفسي من الالتفات إلى الفتاة الصغيرة في المقعد المجاور. أشم ريح كيميا، أخشى أنني أظل أراها في كل فتاة).

ارتباط كيميا في نص الرواية بالآخرين والأخريات المشابهات لها في الإطار والنسق مؤشر دال على وجود المسحوقين أو المسحوقات اللواتي لا نعرف عنهن الكثير، فجميعهن موجودات في كل مكان وفي كل الأزمنة، وعلى أن هذا جزء من طبيعة الحياة وتراتبها، فهن أشبه بالجنود في ميادين المعارك يشاركن في النصر المرتجى، ولكن لا ينسب إليهن.

الرواية تشكل خطاب مقاومة للمحو الذي تعرضت له كيميا ونسقها بشكل عام، خطابا يحاول أن يعيد تأسيس وجودها، من خلال الإشارة إلى عمليات العنف التي مورست عليها من خلال تغييب صوتها أو عدم استكشاف رغبتها أو رأيها، سواء من مولانا جلال الدين الرومي أو من خلال شمس التبريزي. فالنص الروائي يعمد إلى تفكيك الهالة حول هاتين الشخصيتين من خلال اختيار خط سردي يرتبط برغبة مقموعة لدى كيميا وعلاء الدين الابن الأصغر للرومي بوصفه خطابا سرديا مضادا للخطاب المتفق عليه في الكتابة التاريخية. وربما تستند الرواية في هذا الإطار إلى بعض التلميحات التي لم تذكر صراحة في هذه النصوص، ولكن بعض الكتابات المعاصرة في مقاربتها للموضوع كانت دالة وكاشفة عن هذا التصور، ففي كتابها (جلال الدين الرومي صائغ النفوس) تشير إحسان الملائكة إلى أن كيميا اليتيمة أصبحت ضحية شمس، لكن لم يشر أي كاتب من الكتّاب في تلك الفترة ولم يتعب أي واحد نفسه في تعقب أسرار تلك الحادثة التي أدت إلى موتها، وإنما كان جل اهتمامهم موجها إلى تأكيد تمرد علاء الدين وعصيانه لوالده الرومي.

اختيار سردية محددة مضادة للسردية المهيمنة لا يكفي بمفرده لإيجاد مكان ونصب لهؤلاء المهمشين، وإنما يتجاوب معه في نص الرواية محاولة تفكيك المركز أو الشخصية المركزية المهيمنة التي يتضاءل ويتشتت ويخبو بجوار الضوء المشع منها أي ضوء آخر لا يجدل في إطارها وسياقها. وتنوعت في إطار ذلك استراتيجية التفكيك إلى طرق عديدة لتهشيم الأسس التي اتكأ عليها في تجذير مكانته. أولها يتمثل في نقد اختيار التوجه من مولانا جلال الدين الرومي نحو التصوف، فالرواية تشير إلى أن هذا التوجه نابع من السياق الحضاري العام، ولم يكن طواعية، فالخوف من المغول والخطر الداهم يبرز معه أن التوجه إلى التصوف كان مخرجا أو خيارا للخروج من ظل الأزمة، وليس وجودا أوجدته الرغبة من البداية.

مع الاتكاء على استراتيجية التفكيك تغدو –بوصفه جانبا منها- تعرية النمط المتعالي هدفا أساسيا للرواية، ولهذا نجد أن هناك إلحاحا لتقويض الفكرة الأساسية التي ارتبطت بذاكرة الشرق والغرب على حد سواء تتمثل في الفهم المنطوي على ذاته لفكرة الأديان وانفتاحه على فكرة الحب بوصفها بديلا للارتباط والانسجام. فالقيمة الأساسية لجلال الدين الرومي تتمثل في كونه شخصية عابرة للحدود الخاصة بالأديان والقوميات، وتذوب في إطار ذلك الأيديولوجيات المعهودة لدى الأعراق المختلفة، وقد تجلت هذه الفكرية لدى نموذجين معروفين هما ابن عربي وجلال الدين الرومي.

تجرح الرواية هذه الفكرة بقوة من الإلحاح على فكرة أن التحول الفعلي لجلال الدين الرومي لم يحدث بهذا الشكل اللافت إلا بعد اللقاء بشمس التبريزي، فقد تحوّل كما تقول معظم الروايات التاريخية – ربما للإشارة إلى عمق التحول ودرجته – من فقيه حنفي معتدل يسير وفق قالب تم تشكيله حضاريا لحدود الشريعة والحديث إلى مجذوب مشدود للكشف والمعرفة، ولم يكن قبل لقائه معروفا بالسماع والرقص. ولم تكتف الرواية بذلك، بل وقفت عند جزئيات تكشف عن إسدال التمايز والتحيز لدين دون آخر، ومن خلال الدخول إليها من نقاط الضعف التي ركزت عليها في اشتغالها على نسق الهامش والمهمشين.

 

القرين والمرآة

تستند الرواية باختيارها سردية محددة ترتبط بنسق الهامش والمهمشين خاصة من خلال الإلماح إلى علاء الدين وكيميا، إلى آلية فنية لا تستخدم بشكل كبير في الكتابة الروائية، وهي فكرة التوحد بالقرين. في النصوص التاريخية نجد تغييبا متعمدا لشخصية كيميا، ونجد حضورا لافتا لشخصية علاء الدين، وتكاد الدوائر الدلالية المحيطة بذلك الحضور تتوقف عند حدود (الحاسد) و(ضيق النظر والأفق)، و(الشرس)، و(عدو شمس التبريزي)، وهو في كل ذلك واحد من المجموعة التي ترى أن شمس التبريزي مفسد يخالف التقاليد والأعراف الخاصة بالمجتمع.

ولكن الخطاب الروائي باختياره توجها سرديا مضادا للخطاب التاريخي المجمع على مشروعيته، وهناك شبه اتفاق حوله، تؤسس إطارا يرتبط بالهامش ويكشف عن وجهة نظره، فهو إطار مقموع، وحتى حين يشعر أصحابه بدبيب ودفق الحب لا يكشفون عن عواطفهم، فكيميا بسبب وضعها الضعيف لم تكشف عن رغبتها أو صوتها، وعلاء الدين بسبب الحياء والخجل من هيمنة الأبوة.

وفي مقاومتها للأحادية وللهيمنة المركزية تشكل الرواية خطابها في إطار فكرة التعدد، ربما بسبب عدم وجود إطار متكامل عن الشخصيات التاريخية ذات الصلة مثل كيميا وشمس التبريزي، ولهذا جاء الخطاب الروائي مرتبطا بالتشكل الجزئي المشدود للشذرات، فليس هناك يقين بالوجود المكتمل. يشعر القارئ نتيجة لذلك أن هناك تعددا للخطابات، وتنويعا في خطوط السرد والحكي، وكسرا لخطية الزمن، والتفاتا إلى تشكيل نسق مضاد من خلال التقاط التفاصيل البسيطة الشاردة في الخطاب التاريخي، ومن ثم يتم التركيز عليها لوضعها في بؤرة الاهتمام.

يستطيع القارئ أن يميز بين خطابات عديدة، لكل خطاب منها جدواه ودوره ودلالته في تشكيل العالم أو الفضاء الروائي، هناك خطاب السرد الأساسي، حيث يقوم البطل برحلة من الإمارات موفدا من خلال إحدى المؤسسات إلى قونية بالإضافة إلى زميل وزميلة آخرين، لحضور الاحتفالية التي تقام بمناسبة مرور ثمانية قرون على وفاة مولانا جلال الدين الرومي، وكل واحد من الثلاثة مطالب بكتابة تقارير يومية عن رحلته أو مشاهداته ويومياته في مقاربة فعلية للعادات والتقاليد، وللنمط الغريب والمدهش.

وفي إطار ذلك تتشكل حدود الخطاب الجزئي الثاني، خطاب اليوميات المرتبط بالتجلي العام المكشوف أو الهدف المعلن للرحلة، فالتقارير الصحفية هي الجدوى الأساسية من الرحلة، ومن ثم هي خطاب يرتبط بالرسمية، وتتأسس له – تبعا لذلك – نمطية سردية مشدودة إلى التراتب المستقر وإلى الترتيب المنطقي للأشياء. هذا الخطاب يتجلى خطابا داخل خطاب، نواة صغرى داخل خلية أكبر، تشارك في تشكيله ودرجة تكيفه، وطبيعة تجليه، وتجذر منطلقاته. هو خطاب مغاير لخطاب السرد الأساسي المشدود للاستباق والاسترجاع والحلم الذي يشكل وجوده ربما الوجود الأهم داخل نص الرواية، لأن السرد من خلاله يشكل تداخلا بين العوالم، ويصبح الركيزة الأساسية في عمل الرواية، وفي تشكيل المناحي الفكرية الخاصة بها.

تتشكل حدود الآلية الفاعلة التي يتكوّن في إطارها الخطاب الأكثر أهمية في نص الرواية من البداية، فحين تقول الرواية عن السارد الفعلي في النص وتصفه بأنه أحد الحالمين الكبار فهي توجه المتلقي توجيها خاصا إلى الآلية الفاعلة في النص، وتشير إلى أن هناك وجودا أكثر عمقا بعيدا عن السطح أو الهدف المعلن من الرحلة، وكأن الرواية توجه المتلقي، وتحذره بألا يخدع بالأهداف المعلنة ومن النور القوي الزائف الذي يعلن عن نفسه بقوة، وأن عليه – والحال تلك – أن يبحث عن الجوهري بوصفه هدفا أسمى. فالهدف المعلن خاص بمولانا جلال الدين الرومي، ولكن الهدف الخفي هو الوصول إلى إنعاش الذاكرة، للوصول إلى ذاكرة حية تهتم بالوجود في كل تفاصيله، وتستجلي ملامحه بكل منعطفاته وجزئياته القوية الظاهرة للعيان، والهشة التي غيبت بفعل قصدية وسطوة واضحتين.

ولكن الحلم في الرواية ليس الحلم المعهود، وإنما هو الحلم الممتد الذي يشكل الأساس في مقاربة الحياة، ويكون الارتباط بالعالم جزئياته والبشر الذي يعيشون فيه ليس إلا خروجا عن النسق الطبيعي للأشياء، فالأساس هو الحلم الممتد والخروج منه كسر للنمط الحياتي المعيش. الرواية تؤسس هنا لقيمة الخيال في مقاربة العالم، وإدراكه إدراك معرفة للوصول إلى كنهه وطبيعته، وهي هنا تشرّع للقارئ بأن يكون أكثر ثقة به، وبالمعرفة المولدة من خلاله، لأن هذه المعرفة – على حد تعبير هايدن وايت-لا تجرح مشروعية الحقيقة، هي فقط تجعلها تتجلى بشكل مغاير.

تنطلق الرواية من التشابه في جزء من الاسم بوصفه مثيرا فرعيا للتلاقي والتوحد بين السارد/ المؤلف الفعلي للنص والشخصية التراثية علاء الدين الابن الأصغر لمولانا جلال الدين الرومي بالرغم من الفارق الزمني، وهو الشخصية التي شكلت لها الرواية وجودا مغايرا عن الوجود التاريخي المتفق عليه، وكأن الرواية من خلال هذا التوحد تعيد معايشة ومقاربة الحكاية والمرور بها ومعاينتها لحظة حدوثها. وإذا كانت هذه المعاينة- حتى ولو بالإيهام – حاضرة فهذا يخلق لها نوعا من مشروعية الوجود والتجذر في السياقات الماضية.

إن الرواية حين تستند إلى فعل أو آلية القرين المرتبطة بتوحد شخصيتين من زمانين مختلفين تلح على أن هذه الروح بهذا المسلك تعاني – أو عانت بشكل قد يكون أكثر صحة – حيفا وظلما، وأنها تتوسل بهذا الشخص للسفر عبر الزمن للكشف عن حدود وملامح هذا الظلم في ظل سياق يسيطر عليه وجود زائف. ففي زمن مغاير تحتاج الروح المعذبة إلى من ينوب عنها، ليعيد تشكيل الحكاية والمرور بالتجربة والوقائع، والسير في الطرق ذاتها التي سارت فيها سابقا، والشخص المختار في تكرار المعايشة والمرور بالتجربة يكشف التحيزات والخطابات المهيمنة الزائفة، ويواسي بالكشف الكيانات الهشة المستضعفة والمهمشة التي تم تغيبها بالإقصاء أو الوجود في قالب أو إطار غير حقيقي، وكأنه يعيد لها حضورها، ويكشف عن الظلم الذي تعرضت له، ويعيد إليها صوتها مرة أخرى، فمن عمق الشعور بالظلم والتحيز تشكل الروح قرينا لها، يشابهها في التكوين وفي الاهتمامات، وهو شبيه في ذلك السياق بطبيعة التوأم في الارتباط والتوحد للدفاع عن الشخص وشبيهه الذي يناصره على الدوام.

من خلال توحد القرين بالشخصية المختارة التي ترى فيها مشابهة واضحة في النزوع، ندرك أن الصورة المعلنة والمقدمة في الخطابات ليست على هذا النحو، فمن خلال الإشارات المحددة لطبيعة الحركة، وطبيعة الأماكن، وتحديد الشخصيات بوصفها أيقونات كاشفة تظلل وجودها سمات مشتركة يعاين المتلقي صورة أخرى، أو سردية مغايرة، ويدرك من خلال ذلك ملامح سيرة خاصة للشخصيات في إطار النسق المهمش.

إن التوحد بالقرين- هنا في نص الرواية – له دور فعال في الوصول إلى المعرفة، أو في الوصول إلى حقيقة هذه الشخصيات المهمشة في إطار هيمنة شخصيات صوفية لها وجود قوي وحضور لافت. هي رحلة مهمة تقوم بها الشخصية من أجل هذه الروح المعذبة التي وجدت بغيتها في هذا الشخص الشبيه أو النظير المهموم بوجودها وبأزمتها النفسية من الناحية الفكرية، فهي تحل به للارتداد عبر الزمن بحثا عن حقيقة متوارية خلف ركام هائل من الأيديولوجيات والانحيازات التي طمست ملامح هذا الوجود الفعلي.

من خلال التوحد الكاشف عن تلاقي وتماهي وذوبان الذات في الآخر تشكل الرواية – أو على الأصح – تكشف عن طبقة معرفية جديدة، منع من ظهورها هيمنة النمط الرسمي، فحين تتوقف الرواية عند قول النفري “كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة” وتقول “ونسي النفري أن يضيف واتسع التأويل، وبات المعنى في يد الأقوى يفرضه وفق حدود شهوته، وقوة أطماعه”، ندرك أن الرواية هنا تؤكد على فكرة كتابة التاريخ وتحديد أطره، وهيمنة الرسمي بقوالبه وأعرافه على تنضيد طبقة ناصعة البياض بعيدا عن الهامش، لأن حضوره يهشم نصاعة النموذج. فالهيمنة تعمل بشكل كامل في إزالة كل ما يعترض حدودها، والقضاء على أي إشارة تلفت النظر إلى وجود هذا الهامش. ولكن الرواية من خلال اتكائها على خطاب التوحد بالقرين، ودوره في تشكيل طبقة معرفية لها مشروعيتها، لأنها تمررها للقارئ لحظة المرور بالتجربة، وكأنها تقدم إعادة للحدث بمصداقية لحظة الحدوث تكشف عن دلالات جديدة تهشم وجود النسق المهيمن، وتشكك في مشروعية اعتباره خطابا وحيدا للمرجعية التاريخية، فيدرك القارئ أن هذا التغييب كان متعمدا.

ويتجلى هذا الكشف من خلال فاعلية هذا الخطاب في إطار توجهين: يتمثل التوجه الأول في تخليص الشخصيات المهيمنة من بقايا التشكل الأسطوري الذي يجعلها تتعاظم في المخيلة والذاكرة على فكرة الإنسان البشري، فنعاينها وهي متلبسة بالطمع والخوف، ومشروعية البحث عن المال والسير في سبل تحصيله كما في سلوك شمس التبريزي الذي جاءت صورته مغايرة تماما للصورة المتجذرة في الذاكرة. بالإضافة إلى فكرة زواج كيميا من شمس التبريزي لم تتم كما تشير النصوص التاريخية لوقوعها في حبه أو الهيام به، وإنما تكشف الرواية عن أن هذا الزواج تم من خلال تواطؤ ثنائي من مولانا جلال الدين الرومي، وزوجته كيرا خاتون. فكل واحد منهما عمل على إنجاز هذا الزواج بشكل منفرد وفقا لهدف ينشده، فالرومي زوّجه بها لإجبار شمس على البقاء بجواره، وعملت كيرا خاتون على تزويجه منها لإبعاده عن جلال الدين الرومي.

وفي ظل ذلك الوعي يمكن فهم سطوة النسق، في تغييب صوت كيميا، فلم يسألها أحد أو يأخذ رأيها، نظرا لوضعها بوصفها ربيبة مولانا جلال الدين الرومي. وفي الإطار ذاته تتشكل المقارنة بين علاء الدين وأخيه الأكبر سلطان ولد ابني جلال الدين الرومي، فسلطان ولد هو الابن المقرب المتجذر في الأعراف والتقاليد المشكلة لسطوة النسق، وعلاء الدين المارق الحاسد الذي منعته هيمنة الأبوة من البوح بمشاعره وعشقه لكيميا.

أما التوجه الأخير الذي تجلى نتيجة لآلية الحلم المرتبط بالقرين، والتوحد به بوصفه تقنية فلسفية تقوم بها الذات للارتداد عبر الزمن والسفر للماضي للوصول إلى معرفة شبه حقيقية فهو توجه لا يقل أهمية عن تعرية النسق المهيمن وكشف أطره المخاتلة والتيقن من خواء هذه الهيمنة لتجريدها من سياقها الأسطوري، لأن من خلاله تم الوصول إلى قبر كيميا، ووضع إشارة النصب والتمجيد على قبرها، فتصبح في إطار ذلك التوجه مساوية للشخصيات المهيمنة، وتقف على بساط واحد معها بعد أن أصبح لها وجود عيني بدلا من الوجود المشتت الذي يكتنفه الشك.

الرواية من خلال خطاباتها المتعددة الموزعة إلى خطاب اليوميات المرتبط في الأساس بالرحلة بوصفها الهدف المهم والمقترح للتحقيق، تلفت القارئ إلى خطاب آخر لا يخلو من فاعلية ومصداقية، وإلى وجود هدف أسمى ومتعال، يتمثل في إنجاز طبقة معرفية تقوم على المساواة بين الشخصية المركزية التي مارست هيمنة واضحة على كل الموجودين في إطارها ومجالها، ولا سيما الوجود النسوي المتمثل في كيميا التي عانت معاناة واضحة من القهر والتغييب على مدى زمني ممتد.

 

وليد علاء الدين: “كيميا

دار الشروق، القاهرة 2019

233 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية