أثار حفيظة الرأي العام أن جهات مجهولة تولت نشر فيديوهات توثق علاقة نواب مع العديد من الخارجين على القانون من فارضي الخاوات والأتاوات.
عمان-“القدس العربي”:يخوض الأردنيون هذا الأوان حربهم الداخلية على جبهتين، يواجهون في الأولى تداعيات جائحة كورونا واحتجاجهم على الإجراءات الحكومية العلاجية والوقائية بعد الانتشار المجتمعي للفيروس، والثانية في مواجهة ظاهرة “الزعران وفارضي الأتاوات من الخارجين على القانون وعلى المجتمع”.
في مواجهة الأردنيين لجائحة كورونا بدت الحكومة وكأنها تخسر رواياتها الرسمية المتتالية أمام الرأي العام الأردني، ولم يتردد الأردنيون في إعلان احتجاجهم على الإجراءات الحكومية التي أعلن عنها مساء الثلاثاء الماضي بفرض حظر التجول ليوم واحد فقط هو يوم الجمعة بعد ان كان ليومين “الجمعة والسبت من كل أسبوع” متهمين الحكومة بانها تسعى لمنع صلاة الجمعة.
وعلى النقيض من هذا تماما وقف الأردنيون جميعهم خلف القرار الحكومي بشن حملة أمنية واسعة النطاق من المنتظر لها أن تشمل جميع أرباب السوابق الجرمية ولكل مسجل خارج على القانون بعد حادثة فتى الزرقاء الذي تعرض لجريمة بشعة أذهلت الأردنيين حين أقدم مجرمون على فقء عين الطفل وقطع يديه بذريعة “الثأر من والد الضحية”.
هذه الجريمة وجهت الأردنيين وتحت تأثير الصدمة لإعلان دعمهم بدون تردد لكل الإجراءات التي تقوم بها الفرق الأمنية لمداهمة المواقع التي يختبئ فيها المطلوبون من ذوي الأسبقيات الجرمية من فارضي الخاوات والأتاوات والمعتدين على المواطنين وأملاكهم وأمنهم العائلي والشخصي.
وخلف هذه الحملة الأمنية نادرة الحدوث في الأردن تكشفت الكثير من الأوراق والملفات الخفية السرية عن عالم الجريمة، لعل في مقدمتها التساؤل الذي يطرحه الأردنيون الآن عما إذا كان هؤلاء ينفذون أعمالهم الجرمية بغطاء من متنفذين ومسؤولين في الدولة وفي مقدمتهم علاقتهم بأعضاء في البرلمان الأردني، وأي دور يلعبه هؤلاء في خدمة النواب خاصة في الانتخابات النيابية التي يستعد الأردن لإجرائها في العاشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
هذه الأسئلة التي تطغى هذا الأوان على اهتمامات الشارع الأردني وصلت إلى حد مطالبة الحكومة بالكشف عن هويات أي مسؤول أردني يثبت تعامله مع هؤلاء وعن مدى الدور الذي يقومون به في خدمتهم وكيف يتم توظيفهم وتوجيههم،.
وما أثار حفيظة الرأي العام الأردني أن جهات مجهولة تولت نشر العديد من الصور والفيديوهات وهي توثق علاقة نواب مع العديد من الخارجين على القانون من فارضي الخاوات والأتاوات.
يطرح الأردنيون اليوم عشرات الأسئلة عن الأدوار الخفية التي يقوم بها هؤلاء بعيدا عن أدوارهم العلنية، على نحو طبيعة الدور الذي يؤدونه لمتنفذين وهل هو دور حمائي أم انه يتعدى ذلك إلى تصفية الحسابات الخلافية بين المتنافسين سياسيا؟
ولعل من أهم ما نتج عن فتح ملف هؤلاء أن مواطنين تعرضوا للاعتداء من فارضي الخاوات والأتاوات أعلنوا اعترافاتهم وشهاداتهم بعد ان التزموا الصمت خوفا من انتقامهم الشخصي منهم.
الخارجون على القانون من فارضي الأتاوات والخاوات لا يعملون منفردين بل ضمن مجموعات وعصابات تتقاسم مناطق جغرافية فيما بينها خاصة في الأسواق وكراجات السيارات والأندية الليلية وشوارع بأكملها.
والسؤال أين الأمن العام من هذا العالم السري الذي يفرض قوانينه بعيدا عن الدولة وسلطتها وقوانينها؟ هذا السؤال كان أحد العناوين الرئيسية في نقاشات الرأي العام الأردني، إلا ان الإجابة الصادرة عن خبراء وحتى عن جهات أمنية كانت متوافقة تماما، فالضحايا لا يشتكون، ولا يذهبون إلى مراكز الشرطة لتقديم إفاداتهم ضد هؤلاء خوفا من الانتقام والتهديدات التي تصلهم مباشرة وبدون وسطاء، ولذلك يكتفي الضحايا بالصمت، بل إن العديد منهم يلجأون لنكران أن يكونوا قد تعرضوا للتهديد او الاعتداء أو حتى إجبارهم على دفع الخاوات والأتاوات، لأن سلاح هؤلاء سيصل إما إلى الضحايا أنفسهم أو إلى عائلاتهم.
في أحد الفيديوهات المسربة والتي تم تداولها على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي، تظهر العصابة وهي تعتدي على محل تجاري شعبي وتقوم بتدميره تماما، بل ويعتدون على صاحبه الطاعن في السن دون ان يجرأ أحد من المواطنين المحتشدين التدخل لحماية الرجل أو الدفاع عنه وهو يستغيث بهم، كان المشهد مؤلما، فقد سيطر الخوف والرعب على المشاهدين.
هذه الحادثة وقعت في الزرقاء منذ زمن ولم يظهر الفيديو إلا عقب الحملة الأمنية، وحاول صحافيان تتبع القصة والحصول على شهادة الرجل الذي اعتدي عليه، فأنكر الحادثة، ورفض الحديث فيها، وكذلك فعل جيرانه بالرغم من ان الفيديو يوضح كل شيء.
كان الخوف سيد المكان، وسيد القصة كلها.
والسؤال الذي لا يزال معلقا، إلى اين ستنتهي هذه الحملة؟ ومتى؟ وهل يمكن معالجتها وبالتالي اختفاؤها من المجتمع الأردني؟
ليس المجتمع الأردني مثاليا والجريمة فيه لا تزال في حدودها الطبيعية، ولربما يكون الأردن من أقل الدول انتشارا للجريمة المنظمة، إلا أن بشاعة جريمة فتى الزرقاء هي التي علقت الجرس شعبيا وحكوميا، والجميع هنا مدين تماما لمن قام بتصوير الفتى وبثه على فيسبوك، ولولا هذا الفيديو لمرت جريمة “فتى الزرقاء ” كأي جريمة أخرى، غاب عنها الشهود، ونجا منها الفاعلون.