في زمن قياسي صار مهرجان الجونة السينمائي واحداً من المهرجانات ذائعة الصيت، وعلى عكس ما تعاني منه غالبية المهرجانات السينمائية والفعاليات الثقافية، من عجز في الميزانية واضطراب في مصادر التمويل، تتزايد ميزانية المهرجان المُستجد والمُحدث في التثقيف والتنوير والتطوير، فيفتح مجالات جديدة للجوائز، ويضاعف من أعداد ضيوفه ونجومه العالميين الكبار، بل يزيد من قيمة جوائزه المالية، ليُصعِبّ على المهرجانات الأخرى مهامها، في استجلاب الأفلام ودعوة كبار الزوار، لتنتهي المنافسة لصالحه، ويتبوأ المكانة المُستهدفة فيزيح من أمامه المهرجان الرسمي للدولة، بعد رسوخه طوال ثلاثين عاماً على الأقل.
هكذا كان التخطيط منذ اللحظات الأولى لإطلاق المهرجان السينمائي البديل أو الكبير، المُلغز والمثير للجدل. ولما مضت الدورات السابقة منه بنجاح بعد هرولة المتغاضين عن الكمين المنصوب، والطامعين في العطايا والهدايا والسفر والتنزه والبدلات، تكشفت النوايا الخبيثة والنوازع التآمرية للكرنفال السينمائي السنوي، القائم على سياسة التنوع الثقافي بلا تمييز، وعليها بدأت مؤشرات الخطر تلوح في الأفق، على أثر الثقة التي اكتسبها المهرجان وصُناعه وممولوه، والمشاركون فيه من عموم الصحافيين والإعلاميين والنقاد.
وجاءت الطامة الكبرى لتُنذر بالنهاية المؤسفة للحدث، الذي تكرست له كل الطاقات ليُصبح علامة دالة على النهضة الثقافية والإبداعية في مصر، فإذا به ينزل بالشعار البراق إلى الدرك الأسفل، إزاء دعوته للممثل الفرنسي جيرارد ديبارديو، المناصر لإسرائيل والمعروف بمواقفه السياسية المعادية للعرب، والمُتهم في قضية اغتصاب لا تزال رهن التحقيقات، ومن قبله كان تكريم المخرج اللبناني المطبع أيضاً زياد دويري. وقد أدى هذا التوجه إلى عاصفة من التنديد والرفض للمهرجان وسياسته التطبيعية ودعوته المفاجئة لذلك الفرنسي المُتصهين، المتحامل على الشعب الفلسطيني، ولأن رفض التطبيع الثقافي مع إسرائيل من الثوابت المُتفق عليها من جموع المثقفين المصريين، فلم يجد المهرجان البائس من يدافع عنه، إلا نفر قليل من المنتفعين، هم الذين يطنطنون بلغو الكلام عن حرية التعبير وحوار الحضارات، ومبدأ إعرف عدوك… إلى آخر السفسطة المعروفة وعبارات البيع والتفريط وتبرير الخيانة وقلب الحقيقة والمنطق، لكن شيئاً من كل هذه المغالطات لم ينطلِ على الرافضين لتكريم الممثل الفرنسي والمتمسكين بحق المقاطعة ومناهضة التطبيع، وهم كُثر ويمثلون القوة الثقافية الضاربة في مصر والعالم العربي برمته.
وقد أصدروا بياناً شديد اللهجة، أدانوا فيه تلك الخطوة غير المحسوبة من جانب مهرجان الجونة، ووقعوا عليه بأسمائهم وصفاتهم، ومن بينهم المخرج السينمائي علي بدرخان، والمصور السينمائي ورئيس جمعية الفيلم محمود عبد السميع، والمخرج محمد فاضل، والمخرجة إنعام محمد علي، والفنان عبد العزيز مخيون، وفردوس عبد الحميد، ومحيي إسماعيل، والمطربة عزة بلبع والناقدة خيرية البشلاوي، بالإضافة إلى أسماء أخرى مهمة رأت أن تكريم ديبارديو الفرنسي الصهيوني في مهرجان مصري يعد خرقاً لقرار الجمعية العمومية لاتحاد النقابات الفنية الصادر بالإجماع في عام 1980 والموقع عليه من الأعضاء، والذي يقضي بتجريم أي شكل من أشكال التطبيع الثقافي مع إسرائيل، ويُنذر بفصل من يخرق القرار ويتحدى الإرادة الشعبية لمجموع الشعب المصري، وهذا القرار معمول به منذ تاريخه وحتى الآن، ويمثل خطا أحمر لا يجوز تخطيه، تحت أي ظرف من الظروف، وبهذا تكون القضية محسومة بذاتها حسماً أكيداً لا يقبل الشك، ولا يسمح بالمواربة، أو فتح الأبواب الخلفية للتطبيع مع العدو الصهيوني الذي تتعدد جرائمه ويزداد صلفه كل يوم. ومن دواعي الأمل في قطع الطريق على المُطبعين والمهرولين، أن يتصادف في التوقيت والظرف نفسه إقامة مهرجان سينمائي مًعتبر يُقام تحت عنوان أيام فلسطين السينمائية، يعتني بعرض الأفلام المتميزة الداعمة للقضية، تحت رعاية مُلتقى صُناع السينما الفلسطينية، كما يتزامن معه مهرجان القدس للإعلام الرقمي، وهو الحدث السينمائي الثاني المتوافق انطلاقه مع أزمة الجونة، الآخذة في التفاقم بعد تزايد عدد المثقفين الرافضين للتطبيع، وتهديدهم بمقاطعة المهرجان نهائياً، والمطالبة بإلغائه إذا ما أصر أصحابة والأتباع على تمرير جريمة التكريم المشبوه، وضرب عرض الحائط بالاحتجاجات في تحد سافر للمشاعر الوطنية، وعدم الاعتبار للقامات الفنية والثقافية الكبيرة، من رموز القوة الناعمة المُراهن عليها في مواجهة الأزمات والشدائد.
٭ كاتب مصري