كيف أصبحت إسرائيل قوة إقليمية عظمى في شرق أوسط جديد؟

حجم الخط
3

إن اتفاق السلام المتحقق مع السودان علامة طريق أخرى في توسيع العلاقات السياسية لإسرائيل في العالم عموماً، وفي منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا خصوصاً. ومثل الاتفاقات السابقة مع الإمارات والبحرين، يقوم الاتفاق الجديد على أساس المصالح المشتركة، أما من ناحية الخرطوم فعلى اعتبار التطبيع مع إسرائيل هو مفتاح قفل العقوبات الأمريكية. من ناحية إسرائيل ثمة اعتبار استراتيجي: فبالاتفاق مع السودان، الذي يقع على شواطئ البحر الأحمر يضاف مدماك آخر لضمان حرية الملاحة إلى ميناء إيلات.

يؤكد الاتفاق مع الخرطوم والاتفاقات مع دول أخرى صحة الاستراتيجية السياسية لنتنياهو، التي لم يعد الموضوع الفلسطيني، بموجبها، شرطاً مسبقاً للسلام بين إسرائيل والدول العربية، بل العكس؛ إن السلام مع العالم العربي البراغماتي كفيل بأن يدفع إلى الأمام بتسويات مع الفلسطينيين، مثلما قال طوني بلير مؤخراً، رئيس الحكومة البريطانية الأسبق وممثل الرباعية إلى الشرق الأوسط: “بخلاف الفكرة الفاشلة في أن على إسرائيل والفلسطينيين أن يبدأوا أولاً مفاوضات السلام، وبعد ذلك ينضم إليهم الآخرون، ينبغي أولاً إنتاج سلام بين إسرائيل والشعوب العربية ودمج الفلسطينيين في ذلك”. ما كان يمكن لهذه السياقات أن تستنفد دون الدور الذي أدته إدارة ترامب والعلاقات الوثيقة التي بينها وبين حكومة إسرائيل. وحتى لو تبدل الحكم في واشنطن، فإن المصلحة الأمريكية ستملي تواصلها. إن الإنجاز الحالي لا يغطي على حقيقة أن رؤساء وزراء إسرائيليين سابقين بذلوا جهوداً كبيرة، بعضها ناجح، لدفع السلام إلى الأمام، مثل مناحم بيغن في السلام مع مصر، وإسحق شامير لإطلاق مسيرة السلام مع الأردن، التي وصلت إلى استنفادها في عهد إسحق رابين. ولكن معظم المحاولات الأخرى، بما فيها اتفاقات أوسلو، فشلت، ليس بسبب انعدام المرونة أو غياب النية الطيبة في الجانب الإسرائيلي، بل بسبب الرفض الفلسطيني من جهة، وتجاهل زعماء إسرائيل الدوافع الفلسطينية الحقيقية التي في أساسها عدم الاعتراف بحق وجود إسرائيل من جهة أخرى. لقد كانت لشمعون بيرس أوهام عن “شرق أوسط جديد”، وقد جر رابين الأكثر تشككاً لمسيرة أوسلو الفاشلة. تنبأ إيهود باراك بـ “نهاية النزاع” واستيقظ على الانتفاضة الثانية؛ وكان إيهود أولمرت مستعداً للسير حتى آخر الطريق نحو الفلسطينيين، فضلله أبو مازن؛ أما ارئيل شارون فقبل أن يعتقد بأن إخلاء المستوطنات في قطاع غزة وشمال السامرة يعزز المكانة الدبلوماسية لإسرائيل لدرجة تعطل الاحتمالات لإقامة دولة فلسطينية، وقع (وإن كان مع “ملاحظات”) على “خريطة الطريق” التي دعت إلى تجميد الاستيطان اليهودي خلف الخط الأخضر، وفي المرحلة الثانية إلى إقامة دولة فلسطينية (في حدود مؤقتة). وفي صالحه، يقال إنه نجح في موافقة من الرئيس جورج دبليو بوش على “حدود آمنة وقابلة للدفاع” والقول إن الحدود “في ضوء الواقع الديمغرافي الجديد” (الكتل الاستيطانية) ستكون مختلفة عن الخط الأخضر. أما إدارة أوباما فتجاهلت هذه الاتفاقات آنفة الذكر.

ولعرض صورة أمينة، ينبغي الاعتراف في أن النهج السياسي الإسرائيلي قد تغير منذئذ، بل وأن الجغرافية السياسية العالمية والإقليمية المتغيرة سمحت لإسرائيل بتحقيق أهدافها وفقاً لصيغة سياسية جديدة تعكس هذه التغييرات. لقد أصبحت الولايات المتحدة انعزالية أكثر، وعادت روسيا بقوة إلى الشرق الأوسط. وتتنافس الصين على الصدارة الاقتصادية وربما العسكرية لاحقاً، وأصبحت أوروبا الموحدة لعبة ثانوية في الساحة الدولية، وباتت تركيا، العضو في الناتو، في مواجهة متعددة الجبهات مع شريكتيها، اليونان وفرنسا. أما في الدول العربية، فتهديد إيران وأهدافها في الهيمنة، ومحاولات الإخوان المسلمين بدعم من تركيا، أدت إلى إعادة تقويم لمصالحها الحيوية، بما في ذلك تجاه إسرائيل والمسألة الفلسطينية. وقد عرفت السياسة الإسرائيلية كيف تستغل التطورات آنفة الذكر لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الشاملة، بما في ذلك نشاطها العسكري العلني وغير العلني، حسب مصادر أجنبية، لحصر التموضع الإيراني في سوريا، والتي بدونها كان الحرس الثوري يرابط اليوم على جدار الحدود في هضبة الجولان. لم يكن هذا النشاط ليتاح لولا منظومة العلاقات الجوهرية التي طورتها إسرائيل مع روسيا دون المس بالعلاقات الحيوية القريبة مع أمريكا.

لقد ساعد تعاظم إسرائيل العسكري، بما في ذلك التخطيط للمدى البعيد لأسطول الغواصات ووسائل الملاحة الأخرى في الدفع إلى الأمام بعلاقاتها مع الدول العربية في وجه التهديد المباشر لإيران، وذاك غير المباشر من منظمات الإرهاب الإسلامية وغيرها. وفي الوقت نفسه، فإن مكتشفات الغاز الطبيعي أيضاً سمحت لإسرائيل بأن تطور في منطقة شرق البحر المتوسط كلها خطوات استراتيجية مهمة مع اليونان ومصر وقبرص وإيطاليا. صحيح أنه ينبغي الحفاظ على التوازن، ولكن يمكن الموافقة على القول في وسائل الإعلام العربية بأن إسرائيل أصبحت قوة إقليمية عظمى في عهد نتنياهو.

بقلم: زلمان شوفال

معاريف 27/10/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية