سلام مرة أخرى؟ هذا يكفي، سئمنا. كل يوم سلام آخر. كل يوم حدث تاريخي. من غير المدهش أن تحول التصفيق إلى أمر متعب أكثر فأكثر.
سلام مع أبو ظبي؟ جيد. مجمع تجاري مزدهر، وأشخاص أنيقون يرتدون عباءات بيضاء، وفنادق مليئة بالحنفيات والسجاد، وشواطئ متواضعة… أجل، تساوي سرباً من طائرات “إف35”. ربما هم مطيعون قليلاً، لكن هذا غير فظيع، سنتجاوز الأمر. وهذا سيمنح زوار إسرائيل نموذجاً تعليمياً عما ينتظرهم عندما سيسيطر السموتريتشيون والكنافسيكيون هنا.
سلام مع البحرين؟ لقد سبق وأثار تثاؤباً صغيراً. بالإجمال الشيء نفسه، ولكن مع جزيرة ومتنزه مائي وحديقة حيوانات.
والآن السودان؟ هذه وبحق، نكتة. دولة لا توجد فيها حكومة، إنما حكم عسكري و”إدارة مدنية”. ومن فترة غير بعيدة كان يحكمها ديكتاتور يثير الاشمئزاز وسيقدم للمحاكمة في لاهاي عن مسؤوليته عن إبادة شعب واغتصاب جماعي للنساء في دارفور. مجموعات لا تحصى، مليشيات، أحزاب، قوائم وحركات تتصارع فيما بينها على الحكم. أما البرلمان، الذي لديه صلاحية التوقيع على اتفاقات دولية، فلن يكون موجوداً فيها قبل نهاية 2020. والله وحده يعرف ما الذي سيحدث هناك خلال ذلك. إبادة شعب في دارفور تستمر حتى الآن بـ “قوة أقل”. في تموز تم الإبلاغ عن عشرات القتلى ومئات البيوت التي أحرقت وآلاف المهجرين، ومن يعرف ما المخفي. كل الدولة تختنق تحت ديون مجنونة وخطر الجوع والفقر فظيع. ولكن هناك “اتفاق تطبيع مع إسرائيل”.
في الحقيقة هذا منطقي. وما هو الأكثر منطقية من “اتفاق تطبيع بين دولتين غير عقلانيتين؟”،
ما الذي ستكسبه مملكة الإمارات من السلام الذي حل بها؟ المال والسلاح. وماذا ستكسب البحرين؟ السلاح والمال. والسودان؟ المال والسلاح، الأموال الأمريكية والسلاح الإسرائيلي، وأحياناً الأموال الإسرائيلية والسلاح الأمريكي. وأرباب المال في الطرفين سيكسبون.
ما الذي سيحصل عليه العراب الرئيسي؟ دعاية انتخابية لزعيم فاسد وفاشل، بضع زبائن آخرين لتجارة الموت والاستبداد لبلاده، على أمل البقاء على الكرسي وطرد بضع مئات آلاف اللاجئين داكني البشرة إلى البلاد التي هربوا منها، وحرف الأنظار عن فظاظته واستبداده وجهله وزعرنته وإخفاقاته وعنصريته.
لم ينته هجوم السلام بعد. ويمكن التنبؤ بأمان أنه سيوقع، حتى الانتخابات القادمة التي سيفرضها نتنياهو، على مزيد من اتفاقات السلام التاريخية مع المزيد من الدول التي لم توقع معها إسرائيل على أي اتفاقات سلام حتى الآن: سان مارين، موناكو، ليختنشتاين، اندورا، مالطا وربما حتى مملكة تونغا. كل ذلك دون الاقتراب، لا سمح الله، من جذور المرض الذي يأكلنا.
كل ذلك لن يغير شيئاً ولن يساعد أبداً. سيستمر الاضمحلال وسيتطور الفساد وستواصل الغرغرينة القضم وسيزدهر الجنون. هكذا، ونحن محاطون بالسلام من كل جهة، سنواصل السير بإذعان داخل هذه الفوضى التامة التي اخترناها لأنفسنا إلى أن تصبح إسرائيل مكاناً لا يريد شخص مثقف تربية أولاده فيه. وعندها ستسدل الستارة.
بقلم: ب. ميخائيل
هآرتس 27/10/2020