ليبيا: الفصل والوصل بين برميل النفط والمقاتل المرتزق

حجم الخط
2

ثمة مؤشر أوّل، عماده الاقتصاد الخام على وجه التحديد، يمكن أن يدلل على آفاق استمرار ونجاح، أو تعثر وفشل، اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مجموعة “5+5” في جنيف مؤخراً، برعاية الأمم المتحدة؛ بل يجوز التفاؤل أكثر، والمراهنة على أنّ اجتماعات بوزنيقة وتونس والغردقة ومونترو وجنيف… يمكن أن تسفر عن مسوّدة ما، لحلّ ما، شامل ما أمكن، يمكن أن يغطي سلسلة القضايا التي استعصت، وزادتها تعقيداً ستّ سنوات من الاقتتال الأهلي المباشر.

مؤشر الاقتصاد الخام هذا هو التالي: إذا تمكن حقل الشرارة النفطي من بلوغ معدّل 300 ألف برميل يومياً، بعد رفع “حالة القوّة القاهرة” والبناء على المعدّل الابتدائي لـ40 ألف برميل يومياً؛ فهذا يعني أنّ المؤسسة الوطنية للنفط مشاركة، ميدانياً، في ترسيخ وقف إطلاق النار من بوّابة استئناف الموارد النفطية، التي تعني أيضاً ساعات أكثر من الكهرباء للمواطن الليبي، وغلاء أقلّ في أسعار الوقود. ليست بعيدة عن المعادلة إياها فرضية قبول رعاة المشير الانقلابي خليفة حفتر، في أبو ظبي والقاهرة، ثمّ في باريس وموسكو، بأنّ فصل الاقتصاد الخام عن ساحات التصارع العسكرية والسياسية أمر وارد ضمن حسابات نفطية، عالمية و”قاهرة” بدورها؛ حتى حين تستبعد القواعدُ الجيو – سياسية مقاديرَ عالية من سيرورات الفصل والوصل بين برميل النفط والمقاتل المرتزق.

وإذا كان اتفاق الـ”5+5″ قد تضمن مخارج ملموسة لاستئناف حركة الملاحة الجوية والتنقل البرّي بين المدن الليبية، وبالتالي بين مناطق الشرق والغرب؛ فإنّ الحريّ أكثر، وربما العاجل أيضاً، هو التوصل إلى درجة من السكينة في مناطق “الهلال النفطي” كافة، وفي محور سرت – الجفرة بصفة خاصة. هنا، أكثر من أيّ مضمار توافق واتفاق آخر، تدخل أوروبا بكامل قواها الضاغطة، لتُكمل – عبر المنفذ الألماني في المقام الأوّل – تلك الاستفاقة المتأخرة على الملفّ الليبي ومعضلاته السياسية والعسكرية والنفطية الأمنية المرشحة، دائماً، إلى عبور البحار والمحيطات ونقل العواقب إلى باطن أوروبا العميق.

غير أنّ الموازين ذاتها التي تحكم العلاقة بين برميل النفط والمقاتل المرتزق، وبالتالي بين الاقتصاد والجيو – سياسة، قد تفرض معادلاتها الأكبر وزناً، بما لا يُقاس أو يُقارن أحياناً. في بحر إيجة يتواصل النزال التركي/ اليوناني/ القبرصي/ المصري حول منابع النفط والغاز والنفوذ البحري، برعاية فرنسية معلنة وأخرى أطلسية مغفلة. وليس مستبعداً أن يتخذ النزال الحالي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صفة ميدانية في ليبيا، بعد صبغته المتوسطية؛ خاصة وأنّ حال الشدّ والجذب بين الرجلين (التي لا تغيب عنها الاعتبارات الشخصية المحضة)، هي تعبير جيو – سياسي بامتياز، بمعزل عن زيف أو صدق دفاع الأوّل عن الإسلام، والثاني عن حرّية التعبير.

وإذْ تزمع الأمم المتحدة عقد اجتماع الـ75 في تونس، وتعلّق عليه الآمال كي يصبح “أمّ الاجتماعات” الليبية حتى الساعة، فإنّ الاعتبارات الجيو – سياسية لم تغب هنا أيضاً، وتبدّت في صيغة اعتراضات على 42 شخصية متهمة بالانتماء إلى جماعة “الإخوان المسلمين”. المنظمة الدولية لم تًعلن مسبقاً أنّ الشخصيات ذات لون سياسي أو عقائدي واحد أو متماثل، وثمة في عداد المشاركين أشخاص يدينون بالولاء لنظام معمّر القذافي (لم يعترض على وجودهم أحد!)، والمندوبة الأممية ستيفاني وليامز قالت بأنّ بعثة الأمم المتحدة “تريد من الحوار الليبي أن يكون على مستوى المسؤولية التاريخية، وما يهمّ الشعب الليبي هو ما سينتج عن الاجتماع المقبل وليس مَنْ سيشارك فيه”.

تعقيدات من كلّ حدب وصوب، إذن، لا تطمس مع ذلك فسحة الأمل التي تصنعها ضرورات الاقتصاد الخام؛ محلياً ودولياً، شاء هذا الطرف الإقليمي أو أبى ذاك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية