البروفيسور شيرمان كانت، المؤرخ في جامعة ييل ومن أوائل الـ سي.آي.ايه، ميز بين نموذجين متباعدين من رجال الاستخبارات البحثيين: الأول هو “النادل” – الذي يركز على المعلومة الاستخبارية المنفردة ويسارع في الإبلاغ عنها. والثاني هو “الخباز” – الذي يتأنى في فحص الخبر مقارنة مع الأخبار الأخرى. والنصيحة هي البحث عن طريق وسط. يغئال كرمون وزئيف بيغن، في رسائل ردهما (“هآرتس”، 3/10 و5/10) على مقالة يوسي بن آري (“هآرتس”، 26/9)، يشبهان “نادلي استخبارات”، في حين يركز بن آري على مقولة أنه لم يجد “أي إشارة لتخطيط مسبق للعنف (في اندلاع الانتفاضة الثانية) بمبادرة عرفات أو بمبادرة آخرين في المعسكر الفلسطيني”، ينقض كرمون وبيغن على تصريحات مختارة لياسر عرفات ليثبتنا أنه هو الذي بادر إلى الانتفاضة.
أفترض أن كرمون وبيغن سيوافقان على أن عدد القتلى الإسرائيليين من نشاطات الإرهاب الفلسطيني يعد مؤشراً مهماً. في السنوات الأربع التي سبقت اندلاع الانتفاضة الثانية حدث انخفاض واضح في عدد القتلى الإسرائيليين (حسب موقع الشاباك). في حين قتل 71 إسرائيلياً في العام 1996، وفي 1998 قتل 11 إسرائيلياً وفي 1999 أربعة إسرائيليين، وفي العام 2000، حتى اندلاع الانتفاضة في 29 أيلول، قتل إسرائيلي واحد. لم يأت هذا المنحى من فراغ. منذ العام 1996 تبلور تعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ضد حماس، وهو الذي أثمر هذا الانخفاض في عدد العمليات والقتلى. ترى حماس تلك الفترة كفترة “ظلامية”.
وكتب رئيس الشاباك في حينه، عامي إيلون، أنه في تلك الفترة “تم عقد تحالف حقق نتائج جديرة بالإشارة في مواجهة الإرهاب الفلسطيني”. وكان أعضاء هذا التحالف: أجهزة الأمن الفلسطينية، والشاباك الإسرائيلي، وأجهزة الأمن والاستخبارات في مصر والأردن. في كتاب “نيران صديقة” الذي نشره ايلون مؤخراً، تحدث عن قضية تصفية كبار شخصيات المستوى التنفيذي لحماس في الضفة الغربية، الأخوين عوض الله. هذا الوصف يدل على مدى النفع من التنسيق العملياتي مع السلطة الفلسطينية قبل الانتفاضة.
بعد اندلاع الانتفاضة الثانية ساد في إسرائيل الادعاء (الذي يشارك فيه كرمون وبيغن أيضاً) بأن نظام التعليم الفلسطيني هو الذي يتحمل ذنب التصعيد في أوساط الجيل الشاب. فحصت عشرات الكتب الدراسية الفلسطينية في تلك الفترة وقارنتها مع كتب من مصر والأردن، التي كانت تدرس في السابق في الضفة وقطاع غزة. يظهر في الكتب الفلسطينية جهد لضبط النفس. ويدل على ذلك معهد ممري نفسه، الذي ينشط فيه رئيسه ومؤسسه كرمون، وبيغن. ووجد تحقيق لـ”ممري” من العام 2002 أن الكتب الدراسية الجديدة “تعكس محاولة عامة لتقليل سم المعاداة لإسرائيل… لقد تم تقليص الدعوات المكشوفة للعنف بصورة أساسية”. لا يمكنني صياغة ذلك بصورة أفضل، ومن المؤسف أن رؤساء ممري يتجاهلون نتائج بحثهم.
يمكننا أن نعرف بأن عرفات حاول وقف العنف في ثلاث مناسبات بعد اندلاع الانتفاضة: الأولى، وقف إطلاق النار الذي استمر بنجاح من 16 كانون الأول 2001 حتى 14 كانون الثاني 2002، وعندها قطعته إسرائيل عندما قامت بتصفية رائد الكرمي. ليس هناك خلاف على أن الكرمي عمل في الإرهاب، لكن في فترة وقف إطلاق النار كان يمتثل لأوامر عرفات. وهكذا، حدث انخفاض في العمليات بشكل عام وفي العمليات الانتحارية بشكل خاص. يكفي مقارنة شهر وقف إطلاق النار مع الفترة التي سبقته والفترة التي جاءت بعده.
لو استمر وقف إطلاق النار حتى تبني مبادرة السلام السعودية، التي تحولت إلى المبادرة العربية في آذار 2002، ألم تكن لتظهر طريق سياسية للخروج من الانتفاضة الثانية؟ تبنى عرفات المبادرة العربية، بل ونسختها السابقة التي تضمنتها المبادرة السعودية ولم تذكر قضية اللاجئين الفلسطينيين. إن تصفية الكرمي خلال وقف إطلاق النار أدت إلى التصعيد الذي جر، للمرة الأولى، أعضاء “فتح” لتنفيذ عمليات انتحارية. هكذا تدهورنا نحو عملية “السور الواقي”، في اليوم نفسه الذي تبنى فيه مؤتمر القمة في بيروت مبادرة السلام العربية.
وثمة محاولة أخرى لعرفات في بحثه عن طريق للخروج السياسي، وكانت عندما وافق على “خريطة الطريق” من الرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) في نيسان 2003. طرحت إسرائيل برئاسة اريئيل شارون 14 ملاحظة، لم تكن سوى شروط مسبقة، ومن بينها المطالبة بالتخلي عن ذكر مبادرة السلام العربية، وحتى المبادرة السعودية الأصلية، ووضع شرط يتمثل في الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل. بهذا أغلقت الدائرة على خريطة الطريق رغم استعداد عرفات للموافقة عليها كخطة مرحلية لتسوية سياسية.
بعد عرفات، تبنى وريثه محمود عباس المبادرة العربية وخريطة الطريق بكاملها. إذا كانت شخصية عرفات الحازمة والملتوية، مثلما يقول كرمون وبيغن، هي التي منعت إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية، فلماذا لا يرون في عباس شريكاً؟ لا يوجد أمامنا سوى الاستنتاج من ذلك بأن المشكلة تكمن في نظرتهم السلبية لتسوية سياسية متمثلة في التقسيم لدولتين.
بقلم: ماتي شتاينبرغ
هآرتس 1/11/2020