الفيلم الأردني «الوصية»: معالجة سينمائية لأحزان النكبة وصفقة القرن!

كمال القاضي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: تبدو المعالجة الفنية لفيلم «الوصية» للمخرج الأردني جمال الخريشا جديدة في سياقاتها، حيث يختلف الطرح السياسي للقضية الفلسطينية، اختلافاً كلياً عن الأطروحات السابقة، التي بدأت من النقطة نفسها، مُعتمدة على الإشارات التاريخية الفاصلة في عمر وزمن الصراع العربي – الصهيوني، الذي بدأ منذ وعد بلفور عام 1917 وتداعت سلبياته وأخطاره عبر سنوات المحن القاسية في عام 1948 وعام 1967 ليصل الصراع إلى ذروة الخطورة، وتتسع جبهة الحرب بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، فلا يُجدي التدارك، ولا تفلح المفاوضات السياسية في استعادة الأراضي المفقودة، وعودة الحدود إلى ما كانت علية قبل نكسة يونيو/حزيران المُحزنة.
وبناءً عليه تبدأ عملية جلد الذات، لتمثل متغيراً حقيقياً في ملمح ومسار القضية العادلة من دون تحقيق تقدم يُذكر على أرض الواقع، فتتولد الانتفاضة وتشتعل جذوة المقاومة، التي تشكل خطراً داهماً على العدو، فُتعيد الحسابات من جديد في ضوء ما يُستجد، بينما تظل التواريخ الحزينة علامات على الغُصة التي باتت تسكن القلب الفلسطيني، وهنا وحسب التلميحات التي ذُكرت في الفيلم، يعيش العدو الإسرائيلي نشوة الحُلم باستكمال مشروعة التوسعي الكبير لدولته المزعومة، الممتدة من النيل إلى الفرات، مراهناً على الخلافات العربية ـ العربية وتشرذم القوى المناهضة.
وفي سياق ترتيباته وخُططه، يأخذ العدو في تنفيذ ما يهدف إليه من السيطرة وفرض النفوذ، باستخدام لُعبة الذكاء في صراعه مع الجانب العربي، وهي اللُعبة التي رمز إليها المخرج جمال الخريشا بمباراة الشطرنج، الدائرة طوال الوقت بين القوتين المتصارعتين، والعاملة على محاولة كل قوة، أو كل طرف استخدام الأوراق المؤثرة لتحقيق الفوز.
وهي النقطة المحورية المُعتمد عليها في الفيلم إسقاطاً على الواقع بتفصيلاته وثغراته ومشكلاته، بيد أن السيناريو المكتوب في الفيلم الروائي القصير، لم يورد في ثنايا أحداثة وصورة الدرامية الصامتة شيئاً عن امتداد الأزمة بعد حربي 48 و67 وعوامل التعرية السياسية، التي أحدثت تغييرات جذرية في مضمون وطبيعة القضية الفلسطينية، كاتفاقية كامب ديفيد على سبيل المثال، وتأثيراتها السلبية المُتعددة والخطيرة، التي محت دلائل ومعالم نصر أكتوبر/تشرين الأول 73 الذي أوشك أن يغير معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، لولا خطيئة الاتفاقية المشؤومة.
هذا التجاهل من جانب خريشا للنقطة المفصلية، وتغييبه المُتعمد أو العفوي للحدث التاريخي المهم، ربما انتقص قليلاً من قيمة الفيلم وتأثيره، حتى إن كانت الحُجة مُتصلة بطبيعة الفيلم القصير، وتركيزه على جوهر الصراع العربي الصهيوني وحسب، والإلماح إلى صفقة القرن الهادفة إلى ضم الأراضي الفلسطينية عنوة إلى إسرائيل، ولكن الحُجة ذاتها تبدو ضعيفة، حيث كان بالإمكان الإشارة لما تم ذكره لاكتمال الصورة والمعنى والدلالة، تماشياً مع الفكرة العامة للفيلم، الذي يحمل عنواناً يفرض الإيضاح في ما يتعلق بكلمة الوصية، والمقصود منها لربط المشاهد بالمعنى ووقوفه على أبعاد القصة من البداية للنهاية.
هناك أيضاً ما يتصل بالمشهد الأخير، وحسم الصراع لصالح الجانب العربي الذي أفسد على الطرف الآخر مُخططه الاستراتيجي للاستحواذ والهيمنة، وأوحى بامتلاك الجانب العربي زمام القضية، وتحكمه في مصيرها باستمرار المقاومة والإصرار على مبدأ التمسك بالحق المشروع في الأرض والحدود. وهو فعل محمود وغاية نبيلة، لكن مقتضيات الأزمة الواقعية تحتم أن تكون النهاية مفتوحة، وفقاً للمعطيات الحقيقية، لأن ذلك هو الأكثر منطقية بالنسبة للمعالجة الدرامية والسياسية، وما عداه ليس إلا أمنيات غالية يُحتمل تحقيقها على المدى المنظور، ويُحتمل تأجيلها أيضاً في ظل الظروف القاسية التي تمر بها القضية، وتنبئ بها الأحداث التي شارك في تجسيدها البطل أسيد الجبور، مع نخبة من الممثلين المختارين، فيصل مجالي وأحمد المومني والطفلة رنين العمري.
ما يمكن أن يُقال إجمالاً عن فيلم «الوصية» لمخرجه جمال الخريشا، إنه إضافة مهمة لملف القضية الفلسطينية والصراع العربي – الصهيوني برمته، ومحاولة جيدة لتثبيت مبدأ المقاومة والمناهضة على كافة المستويات، ليظل خيار التفاوض مفضوحاً ومُستهجناً، لا سيما أن كل أوراق اللعبة باتت مكشوفة كما هو مُبين في لُعبة الشطرنج التي بدأ بها الفيلم للتدليل على سخافة المبادرات والمفاوضات، وعدم جدوى المباريات الفاشلة، طالما أن هناك قوى كبرى تدعم الباطل، وتحمي المدعين بالحق التاريخي في الأوطان والأراضي المسلوبة بلا سند أو قانون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية