القاهرة -“القدس العربي”:مشكلة الفنان التشكيلي المصري دائماً تكمن في إرث بصري من الصعب الفكاك منه، وحتى لو تناسى عمداً. ففعل التناسي نفسه يثبت ما يحاول نفيه أو التخلص منه. وتبدو آفة الفن المصري الآن في محاولة الانتساب لصيحة عالمية ــ أوروبية في الأساس ــ يظن معها الفنان أن مجرد تقليدها والسير في دربها، سيخلق منه نغمة متفردة في مسيرة الفن المصري، لكنها في الأغلب تكون نغمة نشاز، سرعان ما يتم تجاوزها. الأمر نفسه في انتهاج المناهج الغربية في تحليل النصوص الأدبية أو الأعمال السينمائية، دون المرور ومعايشة كيفية تطور هذه المناهج، النابعة في الأساس من تغيرات وتطورات سياسية واجتماعية صاحبت دوماً التطور الفكري والنقدي.
وهناك قِلة من الفنانين وعت المشكلة، وحاولت التواصل معها والبحث عن حل، يمكّن الفنان من محاولة بعث ما كان في شكل ما هو كائن، أو ما يمكن أن نطلق عليه الشكل الحداثي للروح الحضاري والتراثي لأرض مصر.
وقد أقيم مؤخراً في غاليري “بيكاسو” في القاهرة، معرض بعنوان “4 أيقونات” لأربعة من الفنانين تجمعهم تجربة المحاولة للتوفيق ما بين روح الموروث والتقنية الحديثة، رغم اختلاف المادة والأسلوب ووجهة النظر البصرية، وهم حسب الترتيب الأبجدي: أحمد شيحا، عبد الغفار شديد، عبد الوهاب مرسي، ومصطفى أحمد.
جداريات منسية
تأتي أعمال الفنان أحمد شيحا ــ مواليد عام 1945 ــ محاولة اختلاق عالم منسي، يتم اكتشافه من خلال اللوحات، وكأنه خرج إلى النور تواً. ألغاز بصرية توحي لمتلقيها بأن هناك مَن عاش ودوّن ورسم، تاركاً رسالة مُبهمة، على المتلقي محاولة تفسيرها، وإن لم يستطع، فعليه التعايش معها واستحضار زمنها.
يتوسل شيحا في أعماله بما يُسمى بـ “التصوير المجسم” حيث يجمع ما بين النحت والتصوير، مستخدماً في ذلك خامات عدة، كالأكريليك والزيت، إضافة إلى العجائن واللدائن البارزة على سطح اللوحة، وهو ما يجعل السطح ذي البعدين يوحي ببعد ثالث، يقترب من المنحوتات. وما بين الإيحاء بالتجسيد وسطوة التجريد في العمل، وتحوير الحرف والشكل، ما يؤكد على اقتفاء أثر الجداريات واللفائف الفرعونية، خاصة مع ألوان ترابية تطغى على اللوحة، كل ذلك من خلال تقنيات حديثة، تحاول الجمع ما بين الرمز والشكل الموغل في القِدم. فالوجوه على سبيل المثال غير مُكتملة، إضافة إلى بعض الأشكال كالدائرة مثلاً، وكأنها أختاماً مَلَكية غير مُفسّرَة ــ لوحة كوثيقة عن زمن بعيد ــ ولا ينفي عدم تفسيرها من إمكانية التعايش معها والشعور بهذه التكوينات والحضارة التي أنتجتها.
عالم الجنوب
يتشكل العالم التشكيلي للفنان عبد الغفار شديد ــ مواليد عام 1938 ــ من مفردات بصرية تعي جيداً طبيعة العالم الذي تعبر عنه، جنوب مصر وبلاد النوبة، طقوس الحياة اليومية للبشر. ورغم الالتزام التام بقوانين التكوين، إلا أن لعبة الشخوص والفراغ تؤسس لهما البيئة وطبيعة الأرض وألوانها، التي تخلق الناس على شاكلتها، فيبدو العالم على درجة قصوى من الألفة .. إنسان، حجر، حيوان. كل ذلك في رحاب نهر النيل، القادر على صياغة هذه الحياة وتفاصيلها. وبالطبع يؤكد الفنان على إرثه الحضاري القديم، محاولاً استحضاره بكافة الأشكال والمعالجات، بداية من فعل هادئ يتمثل في امرأة تسير بحمارها، وصولاً إلى حفل راقص. من ناحية أخرى يحاول شديد خلق هذا التواصل من خلال بعض الأيقونات البصرية المصرية المعروفة، ولكنه يعيد إنتاجها حسب هواه، فتكوين المرأة المعتلية حمارها يحيل فوراً إلى تمثال محمود مختار الشهير “الخماسين” ودلالة استحضار مختار هنا ليست اعتباطية، فهو أول نحات مصري تواصل مع الحضارة المصرية القديمة من خلال أعماله. حتى أن الفنان في العديد من لوحاته يجعل من الشخوص وملابسها عبارة عن كتلة واحدة ــ حتى في مشهد لمجموعة من الشخوص ــ وهو أمر يقترب أكثر من النحت، ولكن من خلال لوحة زيتية ذات بعدين، ناهيك عن ألوان الجنوب، حيث الرمال والسماء والمراكب النيلية.
برديات ولفائف ضائعة
وتأتي تجربة الفنان عبد الوهاب مرسي ــ مواليد عام 1931 ــ مازجاً بين الحضارة المصرية القديمة وتجربة الفن الإسلامي، إضافة إلى تضافر تجسيد الشكل الفرعوني والسير الشعبية العربية والمصرية. وما بين التشخيص والرمز توحي اللوحة وكأنها كالبردية القديمة، يؤكد ذلك اللون البني المحروق، والأطراف المتآكلة، وسطح اللوحة الخشن، وكأنها كانت مدفونة في عمق الصحراء. من ناحية أخرى يوغل الفنان في تشكيلات توحي بأنها من تراث إنسان بدائي، خاف على ذكرياته وذاكرته فسجل بعض تفاصيلها على جدار كهف من الكهوف. يلعب الفنان لعبة التواصل من خلال الخطوط والألوان القديمة، وبين التقنية الحديثة، والتي لا تعتمد على عنصر واحد، بل قد تمتد على عدة عناصر في اللوحة، وهو من سمات الفن الحديث، إضافة إلى السمة التجريدية، التي توحي بعالم اللوحة أكثر مما توحي بتجسيد شخوصها.
التجريد الحي
تتشكل اللوحة عند الفنان مصطفى أحمد (1930 ــ 1999) من مساحات لونية توحي ببناء صرحي، بحيث تبدو الشخوص بجواره ــ إن وجدت ــ وكأنها تمر من أمام معبد فرعوني قديم، إضافة إلى أن هذه الشخوص نفسها، رجلاً كان أو امرأة تبدو أحياناً كتمثال فرعوني تم اكتشافه في مقبرة. وتبدو السمة التجريدية هي المسيطرة على اللوحات، من خلال مساحات كبيرة يحتلها اللون، ليصبح جداراً أو ظلاً على الأرض، مساحة شاسعة كالجبال، رغم أنها من الممكن أن تكون غير ذلك، مجرد ظل لشيء مجهول، بخلاف الشكل الذي يتواجد في المشهد/اللوحة، كالقمر أو عدة مراكب نيلية، والملحوظ على هذه الأشكال أن اللوحة لا تستحضرها كما في الطبيعة، من حيث حقيقتها أو تكوينها وفقق المنظور الطبيعي، لكنها تتخذ بدورها تكويناً مشابهاً لتكوين الصروح الصخرية، والتي نكاد نستشعر ملمسها بدورها، دون الاقتصار على كونها مساحة لونية فقط، بل تشغل حيزاً يوحي بالتجسيم، أو ما يُسمى بالبعد الثالث.
وفي الأخير نلمح في التجارب الأربع أو “الأيقونات” المصرية مدى استيعاب الفنان لإرثه الحضاري الكبير، ومدى الاجتهاد في التفاعل معه والتعبير من خلاله عن تجربة خاصة، لم يتوصل إليها كل منهم بسهولة، محاولاً تجاوز معضلة الزمن، دون افتعال أو تقليد أجوف، بمعنى .. كيف يحكي الموروث في شكله الحتمي المستقبلي.