المستفاد من تجربة ربع قرن من «الجمهورية الثانية» اللبنانية أنّ التطبيق الواقعي لإتفاق الطائف، سواء في ظلّ الوصاية العسكرية والأمنية السورية، أو الفترة التالية لها والمحكومة بالـ»التنّطح الهيمنيّ» لـ»حزب الله»، قد عنى في موضوع رئاسة الجمهوريّة تطوير نوع من «ولاية عهد»، أو بالأحرى «هالة ولاية عهد»، تناط بقائد الجيش، الذي يسود العرف بأنْ يكون مارونياً أسوة برئيس البلاد، وبحاكم مصرف لبنان الماروني كذلك الأمر، الذي يحلّ في المرتبة الثانية كـ»ولي عهد رديف».
فمنذ لحظة التمديد ثلاث سنوات للرئيس الياس الهراوي عام 1995، تشكّلت هالة «وليّ العهد» و»مركز الاستقطاب البديل» حول قائد الجيش آنذاك العماد اميل لحود. المفارقة يومها أنّ الحساسية السلبية من موضوع التمديد للهراوي وجدت تعبيراً عنها ضمن المعسكر الموالي عضوياً للنظام السوري، وخصوصاً عند رئيس المجلس النيابي نبيه برّي يوم استبق صدور الأمر التمديديّ بمعزوفة «المجلس سيّد نفسه».
قبل التمديد للهراوي، كانت الثنائية الاستقطابية على رأس الدولة الواقعة في قيد الوصاية هي بين رئاستي المجلس النيابي والحكومة. وبعد التمديد، سيصير الإستقطاب بين رئاسة الحكومة وقيادة الجيش، بمعية قادة الأجهزة العسكرية والأمنية الأخرى طبعاً، وسيطوّر النظام اللبنانيّ في ظلّ الوصاية، تجربة «قيادة الجيش – ولاية العهد»، التي سيصل على أساسها لحود إلى رئاسة الجمهورية في خريف 1998، في إشارة واضحة آنذاك لإمساك بشّار الأسد بالملف اللبنانيّ قبل سنتين من وراثته الرئاسة السورية عن أبيه.
لاحقاً، وفي سياق مختلف سياسياً، سوف تتبلور معالم «ولاية عهد توافقية» حول قائد الجيش العماد ميشال سليمان، في ظروف جلاء نظام الوصاية، والاغتيالات المتسلسلة، وانتقال حال البلد من «تحالف رباعي» بين قيادات 14 آذار و»حزب الله» لعزل الجنرال ميشال عون – ما أدّى إلى اكتساحه انتخابات 2005 النيابية في المناطق المسيحية، إلى تحالف ميشال عون و»حزب الله» بعد ذلك ببضعة أشهر، بموجب تفاهم مار مخايل في 6 شباط 2006، دون أن يجد «حزب الله» نفسه مضطراً لدعم عون رسمياً كخيار رئاسي. في تلك الفترة، فشلت مساعي قوى 14 آذار تقصير مدّة التمديد القسري لإميل لحّود، ولم يتعدّ حديثها عن التوجه لـ»انتخاب رئيس بالنصف زائد واحد» حدّ المناورة، فبادرت قبل انتهاء مدّة التمديد القسري للحود إلى الترشيح الرسمي لقائد الجيش ميشال سليمان كمرشح توافقي من خارج الاستقطاب القائم، وهو ما أعقبته أشهر من الفراغ الرئاسي، ومن التوتّر الميداني وصولاً إلى العملية الأمنية لـ»حزب الله» في بيروت الغربية ذات الغلبة السنية، وبعض الجبل الدرزي، وحياد المؤسسة العسكرية بازاء تلك العملية، فكان التوصّل لـ»صلح الدوحة»، ومن ضمنه انتخاب سليمان رئيساً توافقياً.
تشكّلت حول العمادين اميل لحود وميشال سليمان اذاً هالة «ولاية العهد»، قبل ثلاث سنوات من وصول الأول إلى الرئاسة، ويوم كان التمديد للياس الهراوي رئيساً مقروناً بالتمديد لاميل لحود قائداً للجيش، في حين أنّ «ولاية العهد» المنسوجة حول سليمان اتخذت شكلاً آخر، هو بالأحرى، من خارج الاستقطاب السياسي الحاصل بين 8 و14 آذار، وليس «فوق الاستقطاب» كما كان اميل لحود، في نزعته البونابرتية، المستثمرة في الدعوة الشعبية، التي كان لها صدى عند المسيحيين، لتجاوز ثنائية الاستقطاب بين الرئاستين، الثانية – الشيعية، والثالثة – السنية، واحياء الرئاسة الأولى، بشخصية عسكرية من جبل لبنان.
الاختلاف بيّن بين المنحى البونابرتي عند لحود، وبين صناعة الصورة التوافقية عند سليمان، قبل أن يتدرّج الأخير في المواقف بالاتجاه المناوئ لـ»حزب الله»، ما تخلله قصف محيط القصر الجمهوري بصاروخين.
في الوقت نفسه، جرت تغذية نوعين من «مشروعية الانجاز». لحّود، لجهة توحيد ألوية الجيش، بعد حسم القوات السورية الحرب اللبنانية باجتياحها منطقة سيطرة الألوية المسيحية للجيش بقيادة العماد ميشال عون. وسليمان، نظراً لقيادته معركة «نهر البارد» ضد تنظيم «فتح الإسلام».
بعد استطلاع هاتين التجربتين في «ولاية العهد العسكرية»، فإنّ ما يطرح نفسه اليوم، وكلّما طالت مدّة الشغور الرئاسي، هو عن السبب الذي لم يؤمّن بعد لقائد الجيش الحالي العماد جان قهوجي ما تأمّن للحود وسليمان، رغم أنّ مؤشّرات ظهوره بمظهر «وليّ العهد» للرئاسة اللبنانية تكاد ترجع إلى لحظة تولّيه قيادة الجيش.
في مكان ما، لم يفلح قهوجي في أن يختار بين أحد النموذجين السابقين، أي أن يكون بونابرتياً كلحود، أو يفعّل توافقيته كسليمان، هذا أن كان الواقع السياسي والأمني والاقليمي يتيح تكرار الحالتين أو تسطير «مشروعية انجاز» جديدة، ودون ذلك صعوبات. من جهة أخرى، تبرز عودة كل من ميشال عون وسمير جعجع إلى تصدّر المشهد التنافسي الرئاسي، المتحرّك في الفراغ الناشئ عن تطيير قوى 8 آذار لجلسات الانتخاب. لا يعني ذلك أن تصدّر عون وجعجع للمشهد كفيلة بوصول أحدهما، لكن هذا التصدّر يثقل على مسعى تولية قهوجي رئاسة الجمهورية، ولو أنّه لا يزال الاتجاه «الطبيعي» لانتخابات الرئاسة المؤجّلة أن حصلت.
أيضاً، مفهوم «ولاية العهد العسكرية الرئاسية» على الطريقة اللبنانيّة، لا يقتصر على قهوجي وحده اليوم، اذ يشاركه هذه الولاية، صهر العماد عون، العميد شامل روكز، الذي هو «وليّ عهد ثلاثي الأبعاد»: وراثة قيادة الجيش، وراثة زعامة ميشال عون، البورصة الرئاسية.
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة