حيز الخلود

حجم الخط
4

بعد قراءتي لرواية آسيا جبار «بوابة الذكريات» أردت إلقاء نظرة على آراء القراء عسى أن أفهم بعض الأمور المتعلقة بالماضي الجزائري في الفترة الاستعمارية. وكما العادة حدة «القارئ ابن البلد» أوقعتني في ارتباك كبير، خاصة وهو يعاتب الكاتبة الراحلة لأسباب عدة ـ ولا أدري إن كان يعرف أنها رحلت عن عالمنا عام 2015 ـ وأن عتبه لم يعد ينفع، ثم لماذا العتب على كاتب ولد وترعرع في الفترة الاستعمارية، ولم يجد أمامه غير لغة المستعمر للكتابة بها عن قضاياه.
هذه نقطة، أما النقطة الثانية فتتعلق بوصف مشاعرها بـ«السلبية» تجاه والدها لأنها تفكر بالطريقة الغربية، حسب وجهة نظرهم، أما ما لم أفهمه فهو الغضب من جبار لأنها روت أحداثا متعلقة بطفولتها الباكرة، وقد أجمع المعلقون على أنه من المستحيل أن يسترجع الشخص ذكرياته في عمر الثلاث سنوات، أو أقل. هكذا افترضت هذه المجموعة من القراء، مُجردة الكاتبة من محيطها وأقاربها وعائلتها. هل عاشت في عزلة في نظرهم؟ ولماذا لم يخطر ببال بعضهم على الأقل أن أي شخص في الدنيا لديه ذكريات تسبق تشكل ذاكرته، ويمكنه الحصول عليها بسهولة من ذويه؟
باعتباري قارئة محايدة، أقرا عملا مترجما لكاتبة جزائرية ذات أصول أمازيغية، لا أجد في النص ما يثير حفيظتي، فقد عاش كل نساء العالم خلال حقبة معينة صداما مع عائلاتهن، بسبب لباسهن، وطريقة تفكيرهن، منهن من خضعن للأعراف المتوارثة، ومنهن من تخلصن منها. لم تكتب جبار بلغة صاخبة، أو غاضبة، على عادة الغالبية من كتاب المنطقة المغاربية، فأسلوبها لطيف، طفولي، ناعم، سلس وسهل، ولا أدري إلى أي مدى غيرت الترجمة في روح النص وأسلوبه، لكنه نص خفيف، يروي سيرة شابة جزائرية قبل أن تصبح «الكاتبة العظيمة» التي رشحت لجائزة نوبل عدة مرات، وقبل أن تشغل منصبها في الأكاديمية الفرنسية، وقبل أن يصبح اسمها من أهم الأسماء في قائمة الكتاب الجزائريين. الرواية لم تكن استعراضا لنجاحات شخصية، بل غوصا في حياة المرأة عبر مراحل عمرية مختلفة. لحظة وُلِدت كيف تلقتها العائلة، وكيف استقبلتها النظرات المحيطة بها، ثم كيف لاحقتها تلك الأعين، وهي ترسم لها طريقا واحدا يجب أن لا تسلك غيره. مع تقدمها في العمر يتشكل وعي تلك الأنثى، التي ليست «آسيا جبار» تماما، لكنها كل النساء اللواتي عشن في تلك الفترة في الفضاء المكاني نفسه. بالتأكيد كانت تروي سيرتها، لكن بقراءات مختلفة، فقد استقت بعض ذكرياتها العميقة مما رصده الآخرون عنها أيضا، كما أنها ـ وفي اعتقادي ـ لو كتبت هذه الذكريات في عمر مبكر لاختلفت تماما عن هذه النسخة التي نقرأها الآن. يتغير منظور الإنسان في قراءة نفسه حسب معطيات وعيه الخاص.
لكن ماذا كان ينتظر هذا القارئ الغاضب أن يعرف؟ هل يريد طفولة خارقة؟ أم يريد أن يجد نفسه في كتابها، محملا بالرضى الكامل تجاه كل موروثه الثقافي والاجتماعي؟

لم أكتشف في بوابة الذكريات سوى امرأة جزائرية بسيطة، ومتواضعة، بعيدة كل البعد عن المتاجرة باسم بلدها، فقد كانت الجزائر نقطة انطلاقها، وظلت محط تركيزها، إلى أن وافتها المنية.

قالت الكاتبة «لا مكان لي في بيت أبي» وهو عنوان الكتاب في لغته الأصل الفرنسية، ولعله الأكثر قربا للحقيقة من عنوان الطبعة العربية، وأكثر إلفاتا للنظر، فأي امرأة عربية لها مكان دائم في بيت أبيها؟ إنها مشروع انتقال حتى تتزوج، فتحصل على شبه شرعية للانتماء لمكان زوجها، كونها ستبقى مهددة بمغادرته في أي لحظة، فبقاؤها فيه مرتبط بمدى الخضوع لسلطته وأحكام المجتمع المؤيدة لها. وكلما تقدم بها العمر تغيرت شروط انتمائها للبيت الذي تعتقد أنها جزء منه. وهذا موضوع شائك يحتاج لكثير من الشرح في ظرف آخر. الأكيد أن هذه حياة الكاتبة أو ما تبقى منها في صندوق الذاكرة، وقد أودعتها في كتاب مخافة أن تندثر هي الأخرى. صحيح أن التاريخ سجل كل المحطات الذهبية في حياتها، ولا يمكن نكران ما حققته من منجزات عظيمة، لكن ما أصرت عليه هنا هو نقل ما تخفيه الواجهة البراقة، ثمة شيء نحب أن ننسفه تماما من أمام أعيننا وهو الكفاح الحقيقي قبل الوصول لهذه القمة. ننسى أو نتناسى أو لا ندرك، عن قلة وعي، أن الكاتب يمنحنا فرصة لا تقدر بثمن حين يأخذنا إلى غرفه السرية، ومخابئ حياته، ويكشفها لنا، هذا لا يحدث في الواقع إلا مع أصدقاء تربطنا بهم حميمية خاصة، وثقة، لكن وحدها الكتابة تكسر كل تلك المسافات التي قد تفصلنا عن الآخر.
الكاتب أقرب إلينا من أي شخص آخر وهو يسرد تفاصيل غبنه وشجنه وفرحه الشحيح وآماله. فمن خيب آمال الآخر عودةً للسؤال الذي صدمني وأدرجته في بداية المقال، أليست خيبة أمل الكاتب أكبر من أي خيبة أخرى قد يدعيها القارئ. فنحن هنا لسنا أمام عمل فانتازي، تستعرض فيه الكاتبة ملكاتها الإبداعية، بل أمام عمل صعب، ومعقد، قام على تفكيك مُرَكبات الماضي وأعاد بناءها بصيغة أدبية محضة. هل يمكننا أن نغير الماضي؟ بالطبع لا، فنحن نعرف جيدا أن الماضي لا يمكن تغييره، إذن ما هو المطلوب؟ هل يمكن لكاتب صادق مع نفسه وعاش الأمرّين أن يخترع حياة موازية لحياته لإرضاء جمهوره؟ يفعل أغلب الكتاب العرب ذلك، يرتدون عباءة سوبرمان ويخرجون إلينا في صورة مغايرة لحقيقتهم، ينسجون نصوصا كلها أمجاد، مترفعين عن الأخطاء والخطايا، يكتبون والخوف يكبلهم، من جمهور واسع تحول إلى رقيب أكثر منه إلى قارئ، ويتوارون خلف الكلمات كما لو أنها أقنعة.
تدرك الكاتبة ذلك، فلا تقع في هذا الفخ المقيت، تقول: «أنا لست رمزا، نشاطي الوحيد هو الكتابة. وكل كتاب من كتبي هو خطوة نحو فهم الهوية المغاربية، ومحاولة لدخول الحداثة. في كل كتبي أستخدم ثقافتي وأجمع بين العديد من التخيلات» لكن المؤكد أنها مسكونة بالجزائر، لا تغيب الجزائر عن تفاصيل حياتها وأدبها، رغم أنها عاشت بين أوروبا وأمريكا، إلا أن حبلها السري ظل متينا بينها وبين وطنها. غير حاجز الترجمة الذي غيب بعض روح لغتها الأصل، وجدتني أتوغل بسهولة في نصها، مدركة أنني أمام كاتبة عظيمة، متفهمة نسويتها المفرطة، وتلك الهواجس الجزائرية المتعلقة بنضالها من أجل استقلال الجزائر، وتحرر أبنائها من أي نوع من الاستعمار، وتحرر نسائها خاصة من السجن الذكوري، الذي أسس لتبعية جديدة حرمتهن من تشكيل وعيهن وتحررهن ككيانات مستقلة.
في هذا النص وفي نصوصها السابقة كما استخلصت من ندوة «صالون المنتدى» التي شاركت فيها لأول مرة، عرفت أن جبار حافظت على علاقات جيدة مع بلدها ومثقفيها، وحتى مع قراء لم تعجبهم. وظلت ملتزمة ومقتنعة بخطها الذي رسمته لنفسها منذ البداية، أي منذ شاركت في أول مظاهرة ضد الاستعمار الفرنسي، من أجل استقلال الجزائر. أما التغيرات التي حدثت حولها في عقر المجتمع الجزائري فهو بالضبط ما قدم صورة مغايرة لها، وهي مغايرة للحقيقة وتنحو في أغلبها نحو التشويه.
آسيا جبار، هذه المثقفة رفيعة المستوى، لا تزال تخوض معارك محفوفة بالمخاطر. يا الله، كم إن الأدب، أو بالأحرى فعل القراءة خطير، ومحاصر بشتى الأسلحة. لم أكتشف في بوابة الذكريات سوى امرأة جزائرية بسيطة، ومتواضعة، بعيدة كل البعد عن المتاجرة باسم بلدها، فقد كانت الجزائر نقطة انطلاقها، وظلت محط تركيزها، إلى أن وافتها المنية. في الثامنة والسبعين من عمرها، عادت جثمانا إلى مدينتها شرشال، لتدفن قرب والدها، رافقتها نساء خلال جنازتها، كاسرات قواعد الجنائز الإسلامية، بعد أن ووريت الثرى أنشد لها الحاضرون نشيدا شهيرا «من جبالنا طلع صوت الأحرار»… وكانت قد خطت خطوتها الأولى نحو الخلود.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية