جدير الإنصات لتحذيرات يوسي بيلين في رده على مقالي (“ولنفترض أن الطرف الآخر سائب” 4/11)، ولكن ليس مرغوباً فيه أن يغرى المرء بمحاولة فاشلة أخرى لتبني السياسة التي اتخذها. من يرغب في فك ارتباطه عن السكان الفلسطينيين في يهودا والسامرة، والامتناع عن أضرار الدولة الواحدة والاندماج السام مع الفلسطينيين، عليه أن يفعل ذلك ضد حركتهم الوطنية؛ لأنه لا يوجد ولم يكن يوجد في مئة سنة من وجودها أي فرصة لحل وسط تاريخي بمشاركتها. هذه حركة عليلة، عنيفة وفاسدة ومتباكية، لا يوجد في قلبها أساس بناء، ولا تحاول بجدية أن تضمن لشعبها مستقبلاً أفضل، فهي مدمنة على الإرهاب والرفض، ولا صلاح لصيغتها القائمة منذ عهد المفتي. وعندما وقف على رأس حكومتها سلام فياض (باني أمة ووطني فلسطيني نظيف اليدين) سعى لحل بنّاء، لكنه حظي بـ 2 في المئة تأييداً، وسرعان ما دحر عن الساحة العامة.
هناك أقدمية تاريخية للاعتراف بتسيب الفلسطينيين: فقد فهم بن غوريون بعيد النظر، وشاريت المعتدل والمتعاطف، منذ 1947 الحاجة إلى تقسيم البلاد للاعتبارات الصهيونية التي يذكرها بيلين الآن. فقد عرفا أن هذه الحركة المريضة عدو لا يساوم، سيواظب على الحرب وسيمنع إسرائيل من توجيه مقدراتها لتحقيق معنى لحياتها: لبناء الأمة واستيعاب الهجرة. ولهذا، فقد دخلا في شراكة استراتيجية مع الملك عبد الله ضد الفلسطينيين، ضمنت لإسرائيل نحو عقدين من الهدوء النسبي. وانتهى هذا في 1967، وذلك فقط لأن الراديكاليين في العالم العربي – سوريا، وناصر، وبالطبع الفلسطينيين – فرضوا على الأردن الحرب.
بعد هذه الحرب كان صحيحاً استئناف الشراكة مع الأردن والتخلص من السيطرة على الفلسطينيين بإعادة ربطهم بالدولة في الضفتين، حيث لهم الأغلبية وعلى رأسها نظام مسؤول، يمنعهم من العربدة. غير أن خطرهم المثبت يجب أن يمنعهم من تحقيق مأربهم العنيف من خلال حاجز مادي في غور الأردن يفصل بين الضفة الغربية و”الجبهة الشرقية” لاعتبارات الأمن الاستراتيجي. وهذا هو لباب “مشروع ألون”، الذي كان مقبولاً لدى التيار المركزي في الحكومة، بخلاف اليمين مع دايان وبيرس، اللذين رفضا الحل الإقليمي وتطلعا إلى سيطرة دائمة على السامرة ويهودا. ما كان يمكن للحسين أن يقيم في تلك الأيام سلاماً مع إسرائيل، خوفاً من أن يسقط ناصر ومؤيدوه من الفلسطينيين وآخرين، نظامه.
عندما تخلى الأردن عن مطالبه بالضفة في 1988، بقي الخيار أحادي الجانب. وإن كل تلك المحاولات العقيمة منذ البداية بشأن الشراكة مع الفلسطينيين، وقبل فك الارتباط وبعده، فشلت، وليس صدفة. وكانت “وثيقة لندن” في 1987 في أساسها واحدة من مناورات بيرس السياسية، من خلف ظهر رئيس الوزراء شامير الذي ادعى تربيع الدائرة (مؤتمر دولي تدعو إليه الأمم المتحدة، بمشاركة سوريا والاتحاد السوفياتي، دون عزل إسرائيل) كي تجلب بيرس إلى الحكم. وتداخلت المناورة فكرياً في أوهام بيرس الغريبة عن “الشرق الأوسط الجديد من الديمقراطية، والازدهار والسلام، وبالمخطط الفاشل لأوسلو ونتائجه المتوقعة”. كما أن “خطة السلام العربية”، بعد أن نجحت سوريا في 2002 في تسميم المبادرة السعودية بإدخال قرار الجمعية العمومية 194، ليست سوى ذر للرماد في العيون، في صالح إسرائيليين يرغبون في تضليل أنفسهم، وكأن الحديث لا يدور عن “حق” العودة.
إن المخاطر التي يشير إليها بيلين خطيرة وجديرة بالجواب. وكمن كتب كتاباً يؤيد الخيار الأردني (1986) وكتاب (“ضرورة الفصل”) الذي يروج لانصراف من الضفة (1999) من طرف واحد من الغالبية الساحقة، فإني على وعي جيد بالحاجة إلى فك الارتباط عن الفلسطينيين، بثمنه وبقيوده. غير أنه ثبت المرة تلو الأخرى بأن اشتراط الجواب بالشراكة مع الفلسطينيين أو بمصادقتهم، يؤدي إلى طريق مسدود. فقد عارض الفلسطينيون خطوة من طرف واحد، كونهم يريدون التوغل داخل دولة إسرائيل و/أو أن يبنوا أنفسهم سياسياً واقتصادياً بالتلويح بحق الفيتو خاصتهم. ينبغي أن تُفرض عليهم حدود وترتيبات أمنية، ولا سيما في الكتل وغور الأردن، تحرمهم من إلحاق الضرر. نحو نصف الفلسطينيين، أولئك الذين يعيشون في الضفة، سيكونون عدواً عنيفاً ومتباكياً، مثل النصف الذي في غزة بعد فك الارتباط. عدو تحبط إسرائيل أضراره دون أن تكون في أوساطه أفضل من عدو تسيطر إسرائيل على سكانه وتكون مسؤولة عن مصيرهم.
بقلم: دان شيفتن
إسرائيل اليوم 10/11/2020