غريب هذا الإهتمام المبالغ فيه في أدق تفاصيل الإنتخابات الأمريكية من قبل المحطات التلفزيونية في دول المغرب العربي وعموم الدول العربية.
فلم نر هذا الحب الجارف أبدا في كل القضايا الداخلية العربية، ولا في الانتفاضات العربية، ولا حتى في الإنتخابات العربية في هذا العمق والتحليل والتغطية الشاملة المستمرة. وكأنه لدينا تخمة ديمقراطية نفضفض بها!
نحن قوم مفعول به لا فاعل في هذه الانتخابات، وعليه سواء ذهب الرئيس ترامب أو أتى بايدن، فإذا لم تكن لدينا قوة حقيقة موحدة تؤثر فعلا على أي رئيس أمريكي، فلن يكون لتلك التغطيات أي داع، بقدر ما هي خسارة للأموال والجهود الإعلامية، التي يجب أن توجه لقضايا وطنية أكثر أهمية وتأثيرا.
فضائياتنا تقيم الإعراس في كل انتخابات أمريكية، لكن لشديد الأسف لم نجن من تلك الأعراس إلا المآتم، فمن يتعظ!
من المسؤول عن حرائق الجزائر؟
التلفزيون باعتباره فاكهة للنظر لم يعد كذلك هذه الأيام بقدر ما صار مرآة سوداء لواقع مظلم، فتخيلوا بعدها كيف تكون الصورة؟!
صدمتنا المحطات الجزائرية بصور الحرائق التي أتت على الأخضر واليابس في ولاية تيبازة التي كانت من أكثر المناطق تضررا من الحرائق، التي أتت على العباد والحيوانات والأشجار والأوكسجين وعلى الحياة عموما.
لم ير أعوان الحماية المدنية مثيلا لهذه الحرائق من قبل، كما صرح بعضهم لمختلف القنوات التلفزيونية.
غابات تيبازة وما جاورها تبقى منطقة منكوبة، حيث أن العديد من الأسر بقيت دون مأوى وأتت النيران على الملابس وأدوية المصابين بأمراض مزمنة ومحافظ الأطفال وحفاظات وحليب الرضع أيضا. الوضع يحتاج إلى تضامن كبير، كما انتشر الخبر على منصات التواصل الاجتماعي وفيسبوك خاصة.
هناك من انبرى للقضية مثل الصحافية فلة مزاري من إذاعة تيبازة المحلية، التي نشرت الكثير من المنشورات وهي تتابع الوضع بتفاصيل دقيقة وتدعو للتضامن والبحث عن أطباء لإجراء فحوصات على ضحايا الحريق. فعندما احترقت الغابة احترقت معها مظاهر الحياة (بيوت بشر. أعشاش عصافير. صناديق نحل. بيض الحجل. أرانب. قردة).
من عمق ما حدث تتشكل علامات المنطقة المنكوبة، رغم تسارع السلطات من السيدة الوالية والسيد رئيس الوزراء للتكفل ماديا بالمصابين والمنكوبين.
لا يمكن تجاهل العبارات المتقطعة التي لم تجد رابطا لكلمات سوى هول الفاجعة، لذلك الشيخ الذي فقد ابنه، حينما ذهب لتفقد الأبقار. نعم الأبقار والثيران. عشرات الثيران كل واحد يبلغ عشرات الملايين أو أكثر. التهمتها النيران. الخسارة فادحة فالبقرة تعامل مثل الإنسان في ثقافة مربي المواشي، بل في ثقافة الأرياف عموما. يخافون عليها من عين الحسود وتتم رقيتها شرعيا ويوضع على رقبتها حجاب، تميمة يكتبها «طالب» أي رجل ملم بأمور الدين والدنيا. البقرة مصدر للخيرات والرفاهية، رأسمال، ذهب في لحظة.
والد الضحية الذي ذهب لتفقد الأبقار كان مصابا ومتلعثما فخسارته كبيرة جدا. لكنه يرجو أن يكون الجميع مثل ابنه رجالا ويرحموا الغابة.
من قام في اضرام النيران وحرق القلوب وهجر الحيوانات الآمنة. من أراد أن يخنق الطبيعة ويغير مسار المناخ ويقلب المواسم وتختفي روائح أشجار الغابات من سنديان وبلوط، لتبقى الرياح الساخنة والأتربة تعبث بالمشهد، الذي سيكتسي حلة كئيبة؟ نعم وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ذكرت أن النيران، التي اندلعت في الوقت نفسه في مناطق كثيرة من الشرق والغرب والوسط في الجزائر ليست بريئة، بل مدبرة. ممن؟ وهل ستكون التحقيقات بحجم الخسائر وتسرع للكشف عن الجناة من واصلوا «سياسة الأرض المحروقة»؟!
من جنى على موسم الزيتون، الذي اقترب من عبث بأقوات العائلات الريفية المتصالحة مع البيئة والطبيعة حد التوحد، من يريد إخلاء المساحات الغابية وقتلها، أمنا الكبيرة في خطر؟! رحم الحياة يحتضر؟
الـ«سوسيولوجيا» المغاربية في حداد
كورونا أو مرض مزمن أو غيرها من العلل. تعددت هذه الأسباب التي ألمت بأساتذة كبار في علم الاجتماع والإنثروبولوجيا. بداية بعلي الكنز، الذي توفي في الثاني من الشهر الماضي في مدينة نانت في فرنسا، بعد مرض عضال. نعاه أصدقاؤه وطلبته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما نقلت الخبر مختلف وسائل الإعلام. من بين من كتب عن تدهور حالته الصحية الدكتور «اباهر السقا» من المقربين له، ونعاه مبينا انجازاته وجوانب من حياته الشخصية والعلمية والفكرية ونقل ما كتب الآخرون عن الراحل: «إلى الكنز علي الكنز… يا علي نحن أهل الجنوب، حفاة المدن نروي سيرتك على ضفتي البرك والأودية. إن حطام أبنائنا وأسلحتهم يغطي السفوح، ونحن نرى ذلك بصمت. يا علي، أنا الشاعر، قلبي طينة جنوبية وطبل جنوبي وأنا مثلك يوما ما، على أرض أقل مجدا، سيقتلني حبي، سيقتلني حزني».
وهذه ربما لفتة إلى مواقف الراحل علي الكنز وموقفه من القضية الفلسطينية والقضايا العربية. كما نقلت نفيسة الأحرش في موقع «الكشاف» سيرة مفصلة لحياة الراحل العلمية، حيث كتبت: «توفي الراحل من مواليد سكيكدة بالشرق الجزائري عام1946 ويعد من أبرز المفكرين الجزائريين المغتربين المختصين في علم الاجتماع. وأسس الجمعية الجزائرية للبحوث الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
بعد يومين من رحيل علي الكنز، يغادر المنصف وناس في أوج عطائه وعمره 61 عاما. هكذا ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بنعي مرير، من طرف توانسة وليبيين وجزائريين وعرب. كلها تذكر برحيل هؤلاء الأساتذة الذين كان لهم بعد مغاربي وعربي، مثل الاستاذ وناس.
في السابع من تشرين الجاف الذي لم تهطل أمطاره بعد، فهطلت دموعا. يفارقنا البروفيسور عبد القادر لقجع. وبهذا تفقد الساحة العلمية والأكاديمية أحد ركائزها الصلبة…يرحل بعد معاناة مع المرض العميد السابق لكلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران وأستاذ علم الاجتماع بها، ومن أوائل الباحثين، كما جاء في الصفحة الرسمية لإذاعة أدرار. صفحات الجامعة وغيرها ممن نشروا نعيا مقتضبا، كعادة مواقع الرسميين…لا عزاء للأستاذ سوى عزاء طلبته وزملائه، الذين ملأوا صفحاتهم بالترحم عليه وذكر سيرته وصرامته العلمية وهدوئه ورصانته.
يغادر بصمت وهو الصامت الذي لا يثير حوله فوضى الحواس، بل يحرك ويزعزع الفكرة، رحل صاحب كتاب علم الاجتماع والمجتمع في الجزائر وصاحب تساؤل: «أن تكون أنثروبولوجيا محليا: وجهة نظر جزائرية». رحل حاملا معه مشاريع وأفكارا أرجو ان لا تدفن بعده وأن يستكمل طلبته وزملاؤه مشاريعه.
من له عمر لا تقتله شدة
عرضت قناة «سي أن أن» الأمريكية خبرا مصورا فيه الكثير من الإثارة والِحِكم والرحمة أيضا، لطائرة هيليوكوبتر حملت قلبا لرجل تبرع به قبل وفاته.
الطائرة المروحية استخدمت لتسهيل وسرعة وصول القلب البشري كي يتم زرعه لمريض يحتاجه بشكل فوري، وإلا سيتوفى.
الطائرة وصلت الى سطح المستشفى بالسرعة اللازمة، لكن القدر كان صعبا، إذ سقطت قبل أن تسلم القلب، فهرع رجال الأمن والأطباء لإنقاذ القلب، فتقدم الطبيب المختص وحمل الحقيبة، التي استخرجها عمال الطوارئ، لكن ما أن سار مسافة مترين فقط حتى سقط أرضا ومعه القلب الملفوف، فسارع الجميع لاستنهاضه وأخذ الحقيبة التي تحوي القلب وانطلقوا بسرعة لغرفة العمليات، عل القلب المتعب ما زال صالحا، وبالفعل تمت العملية بنجاح وبدأ هذا القلب الجبار ينبض مجددا.
هذا المشهد فيه حكمة الله في خلقه، ودرس في التفاني والأمل، وأيضا الى أي مدى وصل إبداع الإنسان في الطب والعلم. فطوبى للجميع.
كاتبة من الجزائر