“غرفة 23” السجن داخل جدران الحياة المُعتمة لفترة مفتوحة

كمال القاضي
حجم الخط
0

في نحو 20 دقيقة فقط تجمعت مفردات التجربة المأسوية للبطل المأزوم الذي عاش ويلات الحرب غير المبررة ضد الأوطان الساكنة والشعوب الآمنة، ليصبح هو بذاته مجرد رقم في عدد الضحايا الذين دخلوا غمار الكارثة في غفلة العدالة وغيبة الإنسانية، فصارت حياتهم محض كوابيس لا يكترث بشأنها أحد.

رؤية سينمائية صادمة تتجلى آياتها في فيلم “غرفة 23” للمخرج بيتر فؤاد الذي انتهج نهجاً سيكولوجياً في التعبير عن صور القهر والخوف والمرض التي تختبئ خلف الحروب الطاحنة بدوران عجلاتها وقسوة تأثيراتها النفسية المؤلمة الآخذة في التنامي داخل البدن والروح والسالبة للإرادة والقوة والقدرة، كأنها العدم في ذاته يتجسد ليُرينا ما جنته قرارات القادة المُطلعين بإدارة ماكينات الحرب الساحقة الماحقة.

لم يشأ المخرج أن يقدم لنا شعارات الإدانة والشجب كرد فعل لما يحسه ويراه ويسمعه في بؤر الفناء وصورة المتكررة على مدار الساعة، لكنة ذهب برؤيته بعيداً عن المعالجة النمطية للقضية المزمنة فآثر أن يدخل في عمق التجربة الخاصة بالبطل المُصاب بلوثة الحرب والمسكون بآلامها والمُفرط في الخوف والرعب والجزع، حيث لا مناص أمامه من الهروب إلى داخل ذاته والتكور في عتمة الغرفة الموحشة بالمستشفى البائس ليحتمي في اللاشيء.

يقدم الفيلم دلائل وصور درامية للموت المجازي في زمن قصير ليؤكد على انتهاء فرصة الإنقاذ والمُضي السريع نحو العدم كنتيجة لتجربة الحرب المريرة والمآل الصعب للشخصية الرمزية الهاربة من جحيم الواقع إلى سعير الوحدة والاكتئاب، فالبطل لا يمثل سوى نموذج لآلاف الضحايا الذين عاشوا ظروفا مماثلة إبان مراحل الاقتتال المختلفة ولا يزالون قابعين في زنازين موتهم وتلاشيهم، مجرد أشباح يمكن بالكاد استبيان ملامحهم واستشعار أنفاسهم المضطربة وعجزهم عن الحراك.

في مشاهد متتالية لمأساة البطل العائش في أزمنة الحرب، تتراءى صور الدمار والقتل والانتهاك التي تمثل خلفية حية للأحداث وتفيد الأنباء بمقاصد المخرج بيتر فؤاد وتكشف عن طويته الثقافية والسياسية وما يريد أن يقوله عبر فيلمه الاستثنائي المكثف الذي يجمع بين الرصد الواقعي لمعطيات الأزمة والمردود النفسي والمرضي المترتب على التجارب القاسية المتقاطعة مع حياة البشر بلا إرادة منهم أو خيار، غير أنها مساوئ الغير يتحملها الأبرياء ويعيشون كوارثها.

وعبر كل صورة ومشهد تشي المعاني بجرائم أصحابها ومرتكبيها، وما بين حالة وأخرى يلجأ المخرج إلى محاولة التخفيف من وطأة الإحساس بقسوة الواقع فتدخل الموسيقى كعنصر إضافي لتُعطي ملمحاً بتغير المزاج العام للبطل الذي يستدعي ذكرياته السعيدة فيغني وينتشي، لكنه سرعان ما يعود إلى أزمته بتصادم الذكريات السعيدة مع أطياف الحروب والمآسي ونوبات الكر والفر في ميدان المواجهة العبثية بين عدو يمتلك ترسانات الأسلحة والقتال الحديثة وبين فرق أخرى انقادت إلى الهاوية فلقت حتفها لأن شيئاً من استعدادات الحرب لم يتوافر لديهم، أو أنها المؤامرة كانت سبباً في هلاكهم.

الأمران مُحتملان في مواجهات غير متكافئة وأعداء يتربصون في كمائن الظلام المنصوبة على قارعة الطريق. هذيان البطل الملوث يحسم الجدل، فليس أدل على الحقيقة من التجربة الحية التي مثلت في سياق الأحداث نواة للرؤية وانعكاساً للأجواء الضبابية والكابوسية التي يعيشها البطل الدرامي مع آلاف الأبطال الحقيقيين خارج الكادر السينمائي كمنظور واسع يطل على العالم ويرصد تفاصيله الإنسانية ويراقب حركته عن كثب، وهي غاية السينما العربية المهمومة بقضاياها الوطنية.

النموذج التراجيدي الذي قدمه فيلم “غرفة 23” يمكن اعتباره حالة خاصة ويمكن أيضاً انسحابه على أكثر من حالة، حيث كل الأوجاع والأوضاع في المنطقة العربية متشابهة، فما جرى في العراق جرى في سوريا وليبيا واليمن وفلسطين، وليس هناك من البلدان غير المذكورة بمنأى عن أخطار الحرب وجنون الوحدة وعتمة الزنازين والهلوسات السمعية والبصرية للضحايا المجني عليهم في بلادهم بفعل الخيانات والمؤامرات والدسائس والمخططات الخارجية والداخلية لتجار الحروب ودعاة التدمير.

الفيلم يرسم لوحة بالألوان الزيتية القاتمة لخريطة الأوطان المستهدفة، ولكن برغم قتامة الصورة السينمائية تبقى العناصر الفنية الداعمة قوية وواضحة، كالظلال والضوء والإخراج والمونتاج، وبالقطع الأداء التمثيلي الميلودرامي المتميز والفريد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية