السطو على إسم صباح فخري واحتجاز دريد لحام في مطار القاهرة وإطلاق نار على مخرجة موالية

حجم الخط
4

احتفل إعلام النظام السوري أخيراً بما اعتبره تحطيم الرقم القياسي لأطول بث تلفزيوني متواصل، إذ بلغ سبعين ساعة بث على قناة «تلاقي» بهدف الوصول إلى «موسوعة غينيس للأرقام القياسية»، مستنهضاً مختلف الطاقات، معلناً «التعبئة» التلفزيونية العامة.
لا يكترث هذا الإعلام إن كانت السبعون ساعة مجرد ثرثرة ولغو بلا حساب، ما استدعى تعليقات للسوريين تقول «هاتوا لنا كهرباء وخذوا منا ثرثرة قدر ما تشاؤون». على كل حال يبدو أنها المرة الأولى التي يشعر بعض الجمهور بها بالارتياح لقطع التيار الكهربائي، إذ إن الضريبة ستكون باهظة للغاية بمشاهدة هذه الثرثرة المديدة.
من بين أبرز ضيوف البث المباشر كان المغني الشعبي علي الديك، وقد بدا بدوره مستنفراً، جاء إلى الاستوديو كما لو أنه ذاهب إلى حرب، حيث قال إنه ترك حفلاته وراءه، وكذلك نومه وسهره من أجل أن ينضم إلى هذا المشروع الوطني الكبير.
ولكن أي معجزة، وأي إنجاز في ذلك كله؟ ألا يشبه الأمر تجارب سابقة جهدت للانضمام إلى «غينيس» بأكبر صحن تبولة، أو قرص فلافل، لمجرد تسجيل اسم البلد المنتج في سجلات «غينيس». ولكن لماذا تعب البال، والبلد بإمكانه دخول «غينيس» من دون عناء عبر مشاريع أخرى تاريخية لم تحدث من قبل، على سبيل المثال عدد صواريخ السكود الملقاة على الأحياء الآهلة الآمنة. عدد البراميل العشوائية المتفجرة. عدد اللاجئين قياساً لعدد السكان. عدد البيوت المدمرة، الخ الخ. وفوق ذلك يسجل للإعلام السوري قدرته الفائقة في إنكار كل ذلك. ثقوا إذاً أن اسم النظام السوري، وإعلامه، لن يتزحزح لا من كتب التاريخ ولا من «غينيس» أو غيرها من الموسوعات العالمية!

الولد متسلقاً مجد أبيه

الفنان صباح فخري كان مفاجأة البث المباشر على قناة «تلاقي»، إذ حضر رغم آثار المرض البادية على أدائه، الصوتي خصوصاً. لم يكن الفنان الكبير يقوى على الكلام، فما بالك بالغناء. وما دام الفنان حضر إلى الاستديو برفقة ابنه المغني الشاب أنس صباح فخري فلم يعد هنالك مجال للوم القناة السورية.
ليس على المريض حرج، ولا على من كان بعمر الفنان القدير، أطال الله بعمره، لكن من الواضح أن أنس أراد أن يستثمر أباه بعد فشل ذريع دام سنوات في محاولة إنكاره والاعتماد على الذات حين كان يحمل اسم أنس أبو قوس، وكذلك حين كان يتخذ من الأنماط الموسيقية والغنائية الغربية طريقاً له. اليوم قرر الفنان الابن أن يعود إلى اسم أبيه، وكذلك إلى طريقة أبيه في الغناء.
المشكلة هي في استغلال هذا الوضع الصحي للأب، بل قبل ذلك استثمار الأبوة لاستلال تصريحات من صباح فخري تؤكد أن لا أحد على الساحة الفنية يمكنه أن يضاهي صباح فخري سوى ابنه أنس، بل إنه يتحدى فيه كل المطربين على الساحة.
أنس بدوره لم يبد أي تواضع، بطريقة ما راح يؤكد مديح الأب لابنه «معروف عنك أنك لا تجامل». وصحيح بالطبع أن فخري الأب استثنائي ويصعب أن يتكرر، لكن أن يخاطبه الابن على الدوام بلقب «الأسطورة الحية» فهذا ما يسميه أهل الشام «بيت فستق»، هذا الوصف الذي يستخدم حين يجري تبادل المدائح والمجاملات بين المتحدثين.
في النهاية الصوت لا يمكنه أن يخدع أحداً، سيغني فخري الابن، وسنرى كم أنه لا يشكل نقطة في بحر أبيه. ثمة أشياء لا يجدي فيها النفخ، ولا استجداء المديح، ولا حتى تصفيق الجمهور. في النهاية هناك صباح فخري، المغني الاستثنائي، وهناك من يحاول التسلق، ولا يقوى.

دريد في مطار القاهرة

لا أخفي أن لفرحي بثورة يناير المصرية سبباً لا يعتدّ به كثيرون، هو حلمي أن أدخل، كفلسطيني سوري، مصر من دون تعقيدات، كما حدث معي غير مرة في مطار القاهرة، بل كما حدث مع معظم الفلسطينيين الذين مرّوا تحت ذلك القوس الذي نقشت عليه الآية القرآنية الكريمة «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، من دون أن يشعروا بالأمان فعلاً في ذلك البلد الأحب على قلوب الجميع.
كانت تلك معضلة تتعلق بالفلسطينيين دون سواهم، ولطالما شعروا بالحسد تجاه أشقائهم السوريين المسافرين على الطائرة نفسها، هؤلاء ينفذون بسلام، بينما يتمرمر الفلسطينيون في غرف التحقيق، وأحياناً التوقيف، وأحياناً أخرى في غرف الترحيل. وبات معروفاً ذلك البيت من الشعر للفلسطيني الراحل راشد حسين «واقفٌ كلّي مذلة، في مطار القاهرة/ ليتني كنت طليقاً في سجون الناصرة».
اليوم، بعد الثورات، بات السوريون أيضاً في المصيدة نفسها. كيف نفسّر أن شخصيات معروفة مدعوة إلى تكريمها في مهرجان أو فعالية ثقافية أو فنية يمنعون من الدخول، أو يحتجزون لبعض الوقت، كما حدث للمخرج السينمائي محمد ملص، وكما حدث أخيراً مع الفنان دريد لحام الذي بقي لساعات في مطار القاهرة، بحجة عدم اكتمال أوراقه!
غير أن الفنان، حين وصل إلى المهرجان الذي سيكّرم فيه، لم يبد أي اعتراض على حكم المطار، ولا من يحزنون، غنّى مجدداً «لاكتب اسمك يا بلادي»، تأثّر، وكاد يبكي الحاضرين. قل كلمة يا رجل! أراد الناس الثورات من أجل أن لا يتعرضوا للمهانة في أي مكان، أرادوها لك ولهم، فيما تصرّ أن تكون أنت، هنا وهناك. من دون كلمة بخصوص امتهان الكرامات، في وقت تستطيع أنت ذلك من دون أن يطلق النار عليك أحد. قلها فقط!

لمداواة الجراح

المخرجة التلفزيونية السورية سهير سرميني، الموالية للنظام السوري، اعترضت على أن أحد أفراد الأمن أطلق النار على سيارتها أثناء مرورها بأحد الحواجز. قال «أثار الأمر امتعاضها»، حسب ما نقلت عنها صحف. فكتبت على صفحتها على «فيسبوك»: «بينما كنت أعبر أحد الحواجز الأمنية عند ساحة الأمويين وسط دمشق… تم إطلاق النار على سيارتي بسلوك فردي وتصرف أرعن».
وفي الخبر أنه جرى تبرير إطلاق النار على سيارة سرميني بأنها لم تتوقف لرؤية الضابط المسؤول عن الحاجز، وهي قالت بدورها إنها أبرزت البطاقة الإعلامية لأفراد الأمن على الحاجز، وإنها إحدى قيادات الأحزاب الوطنية».
هل هذا كل شيء؟ سلوك فردي وتصرف أرعن! ربما. قد يكون صحيحاً، إذا اعتبرنا أن «الفردي» في الأمر أنك هذه المرة نجوت، فيما قضى معظم من أطلقت النار عليهم على الحواجز. ذلك ليس إلا «لمداواة الجراح»!

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية