الشيب والفيروس وأنت!

الشيب والفيروس وأنت.. جملة أحببتها فكتبتها أرد عليها في شيء تافه… قصدت الشيب الذي غزا به الزمان لحيتي، والفيروس الذي غزا به الإعلام ذهني، وأنتِ التي غزا بها الجمال قلبي، هذه جملة لها دوران في مجال الكلام، ولها دوران في الكلام على الكلام.
أنا ككل من يشتغلون بالنحو ومسائل اللسان، مصاب بالهروب من معاني الناس إلى معاني النحو، وبالفرار من اللغة للرجوع إليها، لذلك تركت قلبي لها تعبث به، ولحيتي للشيب يمطرها بياضا، وللإعلام الرخيص تركت ذهني يرهبونه بالموت وينشرون فيه رهاب الفراق الأبدي.. تركت كل ذلك وانشغلت بواو العطف العجيبة التي ربطت كيانات مختلفة، ربطا محيرا بين الشيخوخة شيئا فشيئا، والموت قطرة قطرة، والحب تعلقا بالأهداب شعرة شعرة. كيف لحرف بسيط هو الواو أن يربط كل هذا مثلما كان لجسدي المنهك وروحي المعذبة أن تكون وعاء لترهلي وترهيبي وتوجسي؟
ليس في الحروف حرف أكثر دهاء من الواو، وظيفته في اللغة أنه عاطف فهو بشيء من اللعب السيريالي على اللغة حرف عاطفي. لعبت سيرياليا على اللفظ العلمي الدقيق، فبدلا من أن أقول بالعبارة السائدة، إنه حرف عاطف، قلت هو حرف عاطفي. من حقك أن تبني الكلام كما شئت في اللغة العادية، لكنه ليس من حقك أن تقول ما تريد وأنت تستعمل المصطلحات. يسيج العلماء علومهم فيحسنون تسييجها، ومن بين أهم الأسيجة سياج المصطلح. كثيرون يستشهدون على أننا يمكن أن نكون أحرارا في الاصطلاح، ويرددون قولهم المأثور: «لا مشاحة في الاصطلاح».
فهِم الناس هذه القولة فهما تآمريا، حين اعتقدوا أن المشاحة هي التباخل، أو المشاركة في الشح، وهذا يعني أنه من الممكن لأي كان ألا يكون شحيحا في الاصطلاح، فيستعمل ما أراد من الأسماء. لو كان الأمر كما أرادوا لما سيجت العلوم التسييج الصارم، الذي يكون من شروطه الانضباط لاستخدام الاصطلاحات بلا تصرف. فهِم آخرون عدم المشاحة فهما آخر حين قصدوا به أنه من الممكن أن نرادف بين ما نريد من الاصطلاحات المتاحة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن نستعمل في الاصطلاح النحوي القديم لفظ الجر بدل الخفض، أو العكس للدلالة على بعض أحوال الإعراب، أو بعض أحوال البناء، نستعمل أحد اللفظين المتواترين في اتجاهي الكوفة أو البصرة. حتى هذه الحالة في فهم المشاحة لا تقبل، لأن هناك نظاما في توزيع المصطلحات حسب المفاهيم، لا يمكن خرقه بهذه الطريقة في الترادف، توزيع المصطلحات توزيعا مذهبيا له وجهات نظر مذهبية هي التي قدمت اصطلاحا وأخرت آخر.

ليس في الحروف حرف أكثر دهاء من الواو، وظيفته في اللغة أنه عاطف فهو بشيء من اللعب السيريالي على اللغة حرف عاطفي. لعبت سيرياليا على اللفظ العلمي الدقيق، فبدلا من أن أقول بالعبارة السائدة، إنه حرف عاطف، قلت هو حرف عاطفي.

نعتقد أن الاستعمال الصحيح في لا مشاحة هو ما تذكره المعاجم عدم مناقشة الأفكار الواضحة، التي لا تثير جدلا أو اختلافا، وهذا ينطبق على المصطلحات التي عليها أن تكون شفافة في الإبانة عن بعض أركان متصورها ومفهومها، لأن المصطلحات، وعلى النقيض من الألفاط العادية، هي عبارات فيها نسبة كبيرة مما يسمى بالتحفيز Motivation أي المبرر الذي جعل أهل العلم يسمون مفهوما بتسمية دون أخرى. لمَ سمينا حرف العطف عاطفا؟ ولماذا أريد أن أسميه رغم ذلك بتسمية سيريالية: حرف عاطفي؟ السؤال الأول لن يكون لي فيه فضل إلا النقل والتبسيط. فحرف العطف هو حرف يعطف، أي يربط بين مكون سابق ومكون لاحق ليس في المعنى، كما يعتقد أهل المعنى، بل في الإعراب. العطف هو معنى إعرابي عميق ومعنى نسقي تركيبي له دلالة نحوية.
واو العطف، واو محايدة تسوي بين ما قبلها وما بعدها في الإعراب، فهي حرف يريد أن يدخل الثاني، وهو المعطوف، في بيت عصا الطاعة الإعرابي، الذي هو ملك في الأصل للأول المسمى معطوفا عليه. المعطوف عليه شامخ ومتكبر ومتعالٍ، فهو صاحب الجلالة والإمرة والسيادة في الإعراب، لذلك سماه النحاة متبوعا؛ بيد أن المعطوفَ تابع له في الإعراب و»التوابع، كما يقول ابن يعيش النحوي، هي الثواني المساوية للأُول في الإعراب بمشاركتها له في العوامل ومعنى قولنا ثوان، أي فروع في استحقاق الإعراب». (شرح المفصل 3/ 38). الإعراب في لغة الإعراب ليس شيئا متاحا لكل الكلام؛ الإعراب شَرفٌ يمكن أن يؤتى لكلمات بالأصالة والاستحقاق، ويؤتى لغيرها فضلة وتبعية وتلك هي أحوال الناس وأحوال الكلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لم أجد أجمل تعبيرا عن هذا المعنى من التمثيل الذي ذكره ابن يعيش، حين قال مميزا بين المتبوع السيد (المعطوف عليه هنا) والتابع العبد (المتبوع): «ونظير ذلك أن الرجل ذا العبيد والأتباع يسعى إلى وليمة فينال العبيد من الكرامة مثلما نال السيد، لكن ذلك بحكم التبعية». (شرح المفصل 3/ 39). تحرر العبيد وأزيح السادة عن شرفهم الأثيل، ولكن المعطوف ما يزال تابعا في إعرابه لمتبوعه؛ فقضية الحرية لا تنفعه في سياق يقسم فيه الإعراب قسمة استحقاق لمراتب متحولة.
لنعد إلى قولنا الأول: (الشيب والفيروس وأنتِ) في هذا المثال يكون الشيب هو المتبوع ويكون الفيروس تابعا هذا كله مقبول، لكن كيف تكونين أنتِ تابعا؟ استحق الشيب أن يكون الأول، هكذا وضعه إنشاء الكلام في صدارة اللفظ، لكن في اللفظ حذفا وتقديرا، إذ يمكن أن يكون أصل الجملة أعلاه (أيكون الشيب والفيروس وأنتِ عليّ؟). سيظل الشيب حتى بعد الذكر الأول في هذه المتتاليات اللفظية، التي لعبت معا وظيفة المسند إليه المخبرَ عنه. ترصيف الكلام ليس قضاء وقدرا؛ إنما هو اختيارٌ داخل اللغة: هناك أشياء جبرية في اللغة، ولكن أشياء أخرى فيها اختيارية. الجبري مثلا هو إجراء الإعراب مُجرى لا نقاش فيه، يكون الرفع للمرفوع وفي محله والنصب للمنصوب في محله (أو في غير محله) ولكن ترتيب عناصر التركيب يمكن أن يكون اختياريا. كان من الممكن أن تكون الجملة (أنت والشيب والفيروس) أو (الفيروس والشيب وأنت!) غير أني بوضعي الشيب في الصدارة جعلته متبوعا وجعلت البقية توابع، وأرسلت حرفا محايدا للعطف عطف الكلمات الثلاثة على هيئة تبدو كالمحايدة. عطفها بحياد بلا عاطفة كأنما هو سلسلة تربط العناصر ولا تعنيها العلاقات بينها؛ كأنها يدُ حَكم في الملاكمة تمسك هذا الملاكم بيد وخصمه بيد أخرى قبل أن تعلن النتيجة؛ أو كأنها يد في الرقص تفصل بين يدين في حلقة الرقص نفسها، تود كل يدٍ أن تلامس الأخرى بعد أن أن يزول الحاجز.
يقول علماء البلاغة أن الصدارة تعني الاحتفاء بالمقدم، ويقول أهل النحو العرفاني إن الواو عينت علاقة لولاها لما كانت بين طرف بارز إدراكيا هو المعطوف عليه، وطرف أقل بروزا إدراكيا هما الشيب وأنتِ. يقول البلاغيون إن (إنتِ) التي تاخرت هي المقصودة بالرسالة، فهي الأبرز يقول البلاغيون الكلام وضده في الإبراز: يقولون إن المقدم ما قدم إلا للإبراز، ويقولون أيضا إن المتأخر ما تأخر إلا للإبراز. يلعب شراح نصوص الأدب على الحبلين حبلي التقديم والتأخير، في استنتاج قيمة المقدم في الذكر والمتأخر فيه لكن العرفانيين ثابتون: أنتِ هنا أقل بروزا من الشيب، فلو كنت أنتِ في موضع الشيب أي في صدارة الكلام لكنت أنتِ الأبرز إدراكيا. حرف الواو عرفانيا هو الذي عليه كل الإبراز الإدراكي لأن العلاقة ما تمت إلا من دونه فهو بلغة لانغاكار «محمول علاقي». لم أنس السؤال: لمَ كان حرف الواو عاطفيا، أي لم كان حرفا سيرياليا؟ كل ما قرأتموه منذ حين كان في هذا السياق، وكثير من حديثي عنه كان كذلك.. كثير من العلوم لا تخرج عن أطرها إلا بأسئلة سيريالية تبدو في الأول غير مقبولة.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية