كتب المخرج الأمريكي مايكل مور، قبيل فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016، مقالاً تنبّأ فيه، بشكل محق، بفوز ترامب، رغم الانتصار الثقافي الذي حققته القيم الليبرالية واليسارية في المجتمع الأمريكي، والسبب، بحسب مور، حالة الاسترخاء التي خلّفها انتصار تلك القيم، ما جعلها تبدو بديهية ومضمونة ومستقرّة، ولا تحتاج جهداً خاصاً لدعمها والدفاع عنها، فيما لا يشعر أنصار ترامب بالثقة نفسها، فيميلون أكثر إلى تنظيم أنفسهم، والسعي بحماس لتغليب قيمهم. وبينما يسترخي ابن الفئة الوسطى الليبرالي في منزله، واثقاً من أن قيم عالمه لن تمس، لدرجة أنه لا يشعر بالحاجة حتى إلى ممارسة حقه في التصويت، يعمل أنصار اليمين في الشارع، وينظمون الحملات السياسية والانتخابية لصالح مرشحهم.
يصعب بالتأكيد رد فوز ترامب في الانتخابات السابقة إلى استرخاء معسكر خصومه، أو نشاط أنصاره المفرط، فقد شهدت آخر مناسبتين انتخابيتين أمريكيتين مستوى غير مسبوق من الاستقطاب، ومن الصعب القول إن معكسر الديمقراطيين كان مُقصّراً في أيّ منهما، وعلى الرغم من هذا فإن رأي مور يحمل إشارات شديدة الأهمية، أولها وعي المعسكر «التقدمي» بانتصاره الثقافي، لدرجة أن كثيراً من قيمه باتت بديهية فعلاً لدى فئات واسعة؛ وثانيهما الإحساس بهشاشة هذا الانتصار، إلى حد التخوّف الشديد من نشاط مجموعات على هامش التيار الأساسي Mainstream، مثل أنصار ترامب الأكثر تشدداً؛ وأخيراً تضخيم خطر المتطرفين اليمنيين، واعتبارهم قادرين دوماً على الانتصار، وتجريد العالم المعاصر من قيمه، لمجرد كونهم متحمسين. كيف يمكن لتيار سياسي يملك كبريات المؤسسات الثقافية والإعلامية والمدنية، ذات التأثير العالمي الواسع، فضلاً عن تجذّره في أجهزة الدولة نفسها، أن يطرح نفسه دائماً بوصفه مهدداً ومضطهداً من مجموعات هامشية مؤسساتياً؟
توجد حالة مشابهة من تضخيم التطرف في الدول العربــــية والإسلامية، حيث تحوز المؤسسة الدينية الرســــمية على سلطات واسعة، تجعلها مترســـخة قانونيـــاً، وفي مؤسسات السلطة التنفيذية، وتُظـــهر نفسها مع ذلك ضحية نمطين من التطرف: «التكفيريين» الإسلاميين؛ و»مزدري الأديان»، سواء كانوا ملحدين، أو نقاداً للتراث. من جديد، لماذا تبدو مؤسسات وقيم التيار الأساسي مضطهدة لهذه الدرجة؟ قد يكون الاستثمار في التظلّم ودور الضحية مفيداً سياسياً على الدوام، ولكن لا يمكن اختزال مشكلة الثقافات السائدة المعاصرة بهذا العامل، أو اعتبار شعور مؤيديها بهشاشة انتصارهم زائفاً. ما يجعل من الضروري البحث عن أسباب أكثر بنيوية لتفسير ضعف ما يبدو سائداً وبديهياً لهذه الدرجة.
المنافس الغائب
تشكّل الحركات اليمينية الشعبوية، على وجه الخصوص، تحدياً كبيراً للقوى السياسية الوسطية، فهي قادرة بالفعل على حشد جمهور واسع، وتحقيق انتصارات انتخابية مهمة. إلا أنها تعاني من ضعف أيديولوجي وثقافي شديد، ما يجعلها عاجزة عن منافسة الأيديولوجيا الليبرالية، بنسختها المعاصرة. يستطيع الشعبويون اللعب على وتر المشاعر الوطنية، والخوف من الهجرة وتفكك القيم الاجتماعية المحافظة، وعلى رأسها قيم العائلة التقليدية والأدوار الجندرية، فضلاً عن معالجة مشاكل اجتماعية مهمة، مثل البطالة الناتجة عن نزع التصنيع وضغط الأسواق المفتوحة. رغم هذا لا يملكون بنية تحتية ثقافية تؤهلهم لتجاوز هامشية خطابهم، وجعله حساً سليماً في المؤسسات القائمة. لا توجد أكاديميات أو مراكز أبحاث مهمة ذات ميل يميني شعبوي، وأغلب الشبكات الإعلامية الكبرى صارت مناصرة لقيم الصواب السياسي، وكذلك معظم المؤسسات الثقافية وشركات الإنتاج السينمائي وصناعة الترفيه، فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي، التي وصل بها الأمر لفرض رقابة على منشورات الشعبويين، بمن فيهم الرئيس الأمريكي نفسه. فإذا أضفنا إلى ذلك الميل شديد «الليبرالية» للمنظمات «غير الحكومية»، وعدم وجود مثقفين يمينيين مهمين في عصرنا، فسندرك أن معركة الشعبويين الثقافية والمؤسساتية خاسرة حتماً، وهذا ما يجعلهم أحياناً يستعيرون جانباً من أساليب خصومهم، مثل تقديم متحدثين سياسيين نساء أو مثليين أو من أصول مهاجرة. من الصعب للغاية على الشعبويين إحداث تغييرات سياسية أو قانونية في ظل عدم قدرتهم على فرض هيمنة أيديولوجية بديلة، ولذلك فليس باستطاعتهم غالباً استثمار نجاحاتهم الانتخابية، إذا استثنينا شعبويي دول أوروبا الشرقية.
تضخيم التطرف، بهذا المعنى، ليس مجرد نتيجة للأزمة البنيوية للتيار الأساسي، بل هو أسلوب عمله المركزي، فأيديولوجيا قائمة على التذمّر والتظلّم لا يمكن أن تنتعش وتسود إلا تحت ضغط تهديد واقعي أو متخيّل.
التطرف الإسلامي بدوره يعمل على هوامش الخطاب السائد، فعلى الرغم من أن لديه مشتركات عقائدية كثيرة مع مؤسسات «الإسلام الوسطي»، وعلى رأسها «حد الردة»، المناقض مبدئياً لحرية الضمير والعقيدة، إلا أنه يندّر أن نجد اليوم رجل دين، مرتبطا بالمؤسسة الرسمية، يطالب بتحويل الساحات العامة إلى ميادين لجزّ الرؤوس، أو تطبيق الحدود الإسلامية، كما أن ممارسات تنظيم «داعش» صدمت المتن الاجتماعي المسلم في الدول الإسلامية والغربية، وساهمت بزيادة نفوره من الراديكالية الدينية.
يبدو أننا أمام حالة أيديولوجية غير مسبوقة: التيار الأساسي لا منافس جدّياً له. فيما مضى كانت الأيديولوجيات الكبرى، اليسارية والفاشية والليبرالية، وكذلك الثقافات الفرعية والمضادة، تشكّل بديلاً فعليا للأيديولوجيات السائدة، على اختلافها، وتمتلك مؤسساتها ومثقفيها، ما يجعلها قادرة على نشر قيمها بين جمهور واسع. كثير من التيارات الفكرية والأدبية والفنية الأكثر شهرة، التي طبعت القرن الماضي بأكمله بطابعها، عرّفت نفسها بوصفها تيارات مضادة للثقافة البورجوازية، أو المسيحية، أو الاستبداد الشرقي، إلخ. اليوم استطاع التيار السائد ابتلاع معظم الثقافات المضادة، لدرجة بات فيها «التمرد على السائد» نفسه علامة تجارية. إسلامياً ضعفت بشدة موجة المزاودة على المؤسسة الدينية الرسمية، التي باتت بدورها تتكلم عن التنوّع و»احترام الحساسيات الثقافية»، عندما تخاطب الغرب.
أزمة صنّاع العالم
ومع غياب المنافس تصبح الأيديولوجيا السائدة، ذات السمت الليبرالي – اليساري، الصانع الأساسي لعالمنا ثقافياً. ورغم هذا الانتصار الأيديولوجي غير المسبوق تاريخياً، نشهد حالة من التشاؤم الثقافي الواسع بين أنصارها، ليس فقط عبر توقع انتصار المتطرفين اليمنيين، ومناقضي القيم الليبرالية، بل أيضاً من خلال انتشار حالة من التذمّر والشكوى من مظالم العالم المعاصر، فهو مليء بالعنصرية والذكورية والتطرف والإساءة للبيئة. السؤال هنا: من يرتكب كل هذه الانتهاكات، ما دامت أغلبية المؤسسات تؤكد، في خطابها المعلن، أنها تشن حرباً لمصلحة التنوّع والاستدامة؟
هنالك نقد شهير لأسلوب المؤسسات الليبرالية في «التمكين»، يشترك به كثير من مفكري اليمين واليسار: مكافحة العنصرية والتمييز المعاصرة هي، للمفارقة، النمط الأساسي للعنصرية والتمييز في أيامنا، فهي تقوم على فرز البشر على أسس هوياتية، وإقامة حواجز غير مرئية فيما بينهم، والتعامل معهم وفق أشكال متعددة من التمييز الإيجابي والسلبي. إلا أن تحميل الأيديولوجيا السائدة مسؤولية جانب كبير من المظالم المعاصرة غير كافٍ لوحده لتفسير حالة التشاؤم المتصاعدة، وربما كان الأجدى ملاحظة انسداد الأفق العام للثقافة السائدة: كثير من الأيديولوجيات وعدت بيوتوبيا معينة، ستتحقق في المستقبل، مثل انتصار طبقة أو عرق معيّن؛ قيام ممالك سماوية تحقق الإرادة الإلهية؛ عالم أكثر تطوراً وعقلانية، الخ، فيما لا تملك الأيديولوجيا المعاصرة، رغم أنها تحمل كثيراً من سمات العقائد الدينية، ما تعد به أنصارها، كما أن تقديمهم بوصفهم مظلومين أبديين ضروري لاستمرار تمكينهم، ومن الصعب عليها بالتالي الحديث عن إمكانية الاقتراب من عالم عادل، تعيش به الأقليات السعيدة.
التشاؤم الثقافي يساهم أيضاً بصعود الشعبويين اليمينيين، فضمن عالم بلا وعود كبرى، سوى الاستمرار الأبدي للتظلّم ومكافحة التمييز وتكثير أنواع الضحايا، يحنّ كثيرون إلى عالم مضى، من دون أن يستطيعوا صياغة سماته المُتخيّلة في خطاب أيديولوجي متماسك ومقنع.
إسكات النقد
حققت قوى الوسط السياسي، في الآونة الأخيرة، عدداً من النجاحات الانتخابية، رغم عدم اقتناع كثيرين بها، عن طريق التخويف من فوز الشعبويين والمتطرفين. وكذلك فإن كثيرا من الأنظمة القائمة في العالم الثالث تبني هيمنتها على أساس التهديد بالفوضى في حالة سقوطها، وربما يمكن اعتبار هذه الاستراتيجية محورية في التيار الأساسي، وليس فقط على المستوى السياسي المباشر، فأي ناقد للقيم والممارسات الثقافية المعاصر يُتهم بسهولة بدعم الخطاب اليميني والمتطرف، أو على الأقل بالتقاعس عن مواجهته.
تضخيم التطرف، بهذا المعنى، ليس مجرد نتيجة للأزمة البنيوية للتيار الأساسي، بل هو أسلوب عمله المركزي، فأيديولوجيا قائمة على التذمّر والتظلّم لا يمكن أن تنتعش وتسود إلا تحت ضغط تهديد واقعي أو متخيّل.
ربما كان الأجدى رؤية التطرف المعاصر بعين أكثر واقعية: قد لا يملك اليمينيون والشعبويون والإرهابيون قدرات فعلية على تهديد عالمنا وقيمه، ولا يمكن تشبيههم حتى بـ»الخطر الأحمر»، الذي أرعب «العالم الــــحــر» في ما مضى، فهم غير قادرين على القيام بثورات بعظمة الثورتين الروسية والصينية مثلاً، بكل ما رافقها من ثقافات وقيم. وقد يكون سبب التشاؤم واللاعقلانية هو نفسه القيم والمؤسسات التي نخشى عليها منهم.
٭ كاتب من سوريا