الكامور: براينستورمينغ/ لنفكّر معا

يعيب البعض على الحكومة التونسيّة استجابتها لمطالب “تنسيقيّة الكامور” بعد أشهر من الاعتصامات، وتعطيل إنتاج النفط في ولاية تطاوين؛ ويرون في ذلك مسّا بهيبة الدولة. بل يخشون أن تنتقل “العدوى” إلى مناطق ومحافظات أخرى، فيطالب كلّ بنصيبه من الثروة التي ينطوي عليها إقليمه أو محافظته أو جهته، وبحقّه المشروع في التنمية والتشغيل والتوزيع العادل للثروات الطبيعيّة؛ وقد بدأت فعلا تنتقل. ودون خوض في تفاصيل هذه المشكلة التي ورثتها حكومة المشيشي عن سالفتها منذ 2016، وما أدّت إليه من خسارة ماليّة كبيرة، لا تقدر تونس المثقلة بالمشاكل على تحمّلها؛ فإنّ في رأي المعترضين على الاتفاقيّة، مقدارا من الصواب، إذ يفترض في الجميع أن يجعل من هيبة الدولة “خطّا أحمر” أو “أصفر” بعبارة الفرنسيّين والفرنكفونيّين، في بلد يخوض وسط أوضاع إقليميّة ودوليّة شائكة، تجربة ديمقراطيّة “فريدة” محفوفة بمخاطر ومحاذير جمّة.

على أنّ إنشاء صندوق للتنمية الإقليميّة وآخر للاستثمار، وتوظيف مئات العمّال في ولاية تعاني من شظف العيش والفقر والبطالة، عمل محمود وحقّ لهؤلاء التونسيّين بني قومنا. وإذا كان هناك مشكل فهو في طريقة التعامل مع هذه الاعتصامات والاحتجاجات، وترك الحبل على الغارب؛ أو اللجوء إلى فضّها بالقوّة؛ بدل العمل على بعث “تنسيقيّات” جهويّة تتدارس المشاكل، وتقترح الحلول في إطار نوع من الـ”براينستورمينغ”؛ فيه خطّ أحمر لا شكّ، حتى لا ينفرط عقدنا الاجتماعي؛ ولا تضعف الدولة أكثر ممّا عليه، وهو ضعف يتهدّد الديمقراطيّة نفسها. وهو ليس الخط المعروف في تاريخ الدبلوماسيّة العالميّة، المتحدّر من “اتفاقية الخط الأحمر” التي أبرمت عام 1928 بين أكبر شركات النفط البريطانيّة والأمريكيّة والفرنسيّة حول إرث الإمبراطوريّة العثمانيّة “الرجل المريض”؛ وما يقال إنّه في وقت التوقيع، لم يكن أيّ من الغربيين الحاضرين يعرف حقا حدود هذه الإمبراطوريّة قبل أن تنهار، فكان أن تقدّم رجل أعمال أرمني يدعى كالوست غولبنكيان، كان يجمع بين التجارة والسياسة؛ فاستلّ قلم رصاص أحمر، ورسم بعشوائيّة، أو ببراعة بهلوان حيويّ حازم، الحدود المفترضة. فخطّنا، المنشود وإن جاء في سياق “نفطي” هو أيضا؛  يفترض أن يكون مستقيما واضحا أحمر؛ وليس “أصفر” ولا “أخضر” في تونس الخضراء، وفي هذه الـ”براينستورمينغ ” التي يمكن أن تصلح منوالا لعلاقة جديدة تنعقد في كنف الاحترام بين القائمين على الدولة، ومكوّنات المجتمع. ولا ضير في أن نتعلّم من أهل الضفّة الأخرى، وهم الذين وضعوا هذا المفهوم؛ وأداروه في شؤونهم العامّة.

تطّرد هذه الكلمة أو المصطلح أو الأداة أو “الآلة الذهنيّة” منذ أن وضعها الإعلاناتي الأمريكي أليكس أوزبورن؛ في عالم الشركات الكبرى أو العملاقة، حتى ليمكن اعتبارها مفردة من مفردات اللغة المشتركة التي يديرها الجميع على ألسنتهم بيسر وسهولة، ودونما حاجة إلى بيان وتبيين. وبالرغم من أنّ الفرنسيّين يترجمونها بـ“remue-méninges”

فإنّ ترجمتهم تظلّ قليلة الدوران، إذ غلبت الكلمة الانكليزيّة منذ عام 1939 على ما عداها؛ وداخلت الفرنسيّة مثلها مثل مثل كلمات كثيرة، تحدّرت إليها من لغة شكسبير، بل اشتقّ منها فعل     .to brainstorm /Brainstormer

أمّا في العربيّة، فلا أعرف لها مقابلا سوى “عاصفة أفكار” أو “عصف ذهنيّ” وهي ترجمة حرفيّة أشبه بترجمة “الجوجل” وبالاستعارة غير المفيدة، وما تختصّ به لغة قد تندّ عنه أخرى؛ فإذا ترجمنا العبارة حرفيّا، كنّا كمن يستأنف كلاما جديدا، بعبارة عبد القاهر الجرجاني. والأقرب على ما أرجّح “تطارح الأفكار” أو “مطارحات”. والأفضل في تقديري هو الاحتفاظ بالأصل الانكليزي، لتلافي ما يمكن أن تحدثه الترجمة أو النقل اللغوي الذي يشبه عندنا “نقل الأثاث”، من بلبلة أو تشوّش. والأمر يتعلّق بنوع من التفكير الجماعي والاستئناس بالمقدرة الإبداعيّة لأيّة مجموعة على ابتكار أفكار جديدة، وحلّ مشكلة ما؛ بمعزل عن  أيّ تأثير قد يكون مصدره السنن أو المعايير أو الأحكام السبقيّة على كلّ تجربة أو برهنة، أو الآراء المسبّقة غير المبنية على استدلالات صريحة. والأهمّ هو القبول بما قد يترتّب عن هذا “التطارح” أو “البراينستورمينغ” من إجابات لا يمكن تصوّرها أحيانا؛ فالأمر يتعلّق بتوليد أكبر عدد ممكن من الأفكار يدفع بعضها بعضا، ويصحّحه أو يدحضه أو يغنيه؛ حتى يستقرّ الرأي على أحدها، تغنم منه المؤسّسة أو الجماعة؛ فالهدف إنّما هو تفعيل إبداع جميع أصحاب المصلحة؛ والاستجابة للتحديّات التكنولوجيّة والمجتمعيّة والاقتصاديّة المختلفة، وحلّ مشاكل الإدارة اليوميّة؛ بما يتيح للمسؤول أو المدير أن يفحص مع فريقه كيفيّة تحسين الأداء أو عمليّة الإنتاج، وكلّ ما يتعلّق بإنشاء الإعلانات أو المساعدة في إجراء أبحاث السوق.

وهو يجري بتنظيم محكم بين مجموعة من المُعاونين أو المساعدين في إطار التكاتف والتآزر والاشتراك والتناظر أيضا، لتبادل الآراء والأفكار الجديدة حول موضوع مخصوص؛ كلّما تعذّر حلّ مشكل ما بشكل مرْضي. والحلول تتنوّع بتنوّع المشاكل، فتكون عمليّة ابتكار منتوج جديد، أو صياغة مفهوم جديد، أو بعث مشروع جديد، أو القيام بحملة إعلانية جديدة؛ على أسّ من تحديد طرق الإنجاز المختلفة أو الممكنة. وأكثر ما تكون الحلول أو الاقتراحات استشرافيّة، إذ مدارها على “الاستقباليّة” حيث تتوفّر الأسباب العلميّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي يمكن أن تتحكّم في استشراف أساسه تهيئة الحاضر للمستقبل القريب والبعيد. وهي ليست تنبّؤا كما قد يقع في الظنّ، وإنّما مسعى أو طريقة في إعداد مختلف الإمكانات القابلة للتحقّق؛ أي تلك التي  تنهض على تراتيب وإحكامات وإصلاحات تجري في الزمن على نحو ما تجري مختلف مفارقات الوجود البشري، بما يؤكّد أنّ الاستقباليّة مشروع نبدأ في تحقيقه في الحاضر، وتمثّل للعالم وقدرة على السياحة في المستقبل المتعدّد لاختبار ما يمكن أن نفعله: هنا/ الآن.

 كيف يجري البراينستورمينغ؟ وكيف ينجح؟ ثمّة ركائز أساسيّة يقول بها واضعو هذه الطريقة، من أبرزها: أن تتطارح الأفكار بين مجموعة صغيرة من الأفراد المتحمّسين الواعين بعملهم وبدوافعه ومبرّراته، وأن تخلق فيهم حالة ذهنيّة إبداعيّة، على أساس من مراعاة قاعدة الحكم المؤجّل أو المرجأ، واقتراح الأفكار، ومواجهتها مع الواقع؛ ثمّ  متابعتها ومراقبتها.

هي إذن مشاركة معرفيّة وجسديّة وعاطفيّة أيضا. لذلك يستحسن تفضيل المتطوّعين المتعاونين الملتزمين بحلّ المشكلة، الذين يدركون ما هو متوقّع منهم، ويعرفون كيف يأخذون بزمام القضيّة المطروحة، وسبل معالجتها. وقد لا يخفى دور “المنشّط” وهو أشبه في السياق الذي نحن به، بباعث الحركة في التصوير السينمائي، أو “الطبيب المولّد” بعبارة ايزابيل جاكوب. فهو الذي يساعد المشاركين على تغيير الإطار المرجعي، ويحفزهم على الإبداع بطرق شتّى، بما في ذلك إدخال كلمات اتّفاقيّة، أو سرد قصّة انطلاقا من إحدى هذه الكلمات. ولا يتردّد المتخصّصون في أبحاث السوق، وإدارة المشاريع، في اقتراح “ألعاب” في إدارة البراينستورمينغ، مثل دعوة المشاركين إلى تقمّص دور أحد المشاهير، أو وضع أنفسهم في المستقبل، أو العمل في أكثر من فريق. على أنّ “مجلس المطارحات”، إذا صحّ لي أن أترجم “البيراينستورمينغ” هكذا، لا يعني إطلاق الكلام جزافا، أو أن يشهر كلّ سلاحه بمجرّد طرح هذه الفكرة أو تلك؛ ذلك أنّ القاعدة كما سلف هي مراعاة الحكم المؤجّل أو المرجأ؛ وليس الاقتفائيّة أو التقليد الأعمى، أو التقيّد بخطّ نهجيّ  بلا نقد أو تحليل. والأفضل أن يقول المشارك “نعم” مصحوبة بـ”لكن”، للاستدراك على ما يتوهّم ثبوته؛ أو أن تكون “نعم” “لاءه”. ولكي يكون المجلس ذا جدوى، فإنّ  المتابعة أو المراقبة ضرورة لا غنى عنها؛ حتى لا تُتجاهل النتائج، ويحصل الانطباع بأنّ المشاركين بذلوا  جهدا ضائعا؛ أو مقابل لاشيء؛ مثلما حدث عندنا في تونس في “أزمة الكامور” حيث تفاقمت لأنّ الحكومة السالفة لم تشرح أسباب عدم ترجمة أيّ من الأفكار المقترحة إلى أفعال. أمّا وقد أنجز ما أنجز في حدود “الممكن”، فالواجب يقتضي الاعتراف بذلك؛ حتى نبني عليه مستقبلا كلّ عمل جماعيّ ونعرف نقاط القوّة ونقاط الضعف، ونستشرف أيّ صدّ أو اعتراض أو أيّة مقاومة من المحتمل أن تظهر؛ ونقف على  المهارات التي يحسن اكتسابها.

لست رجل سياسة، وإنّما من حقّ المواطنة عليّ أن أعنى بالشأن العامّ؛ ولقد سقت ما سقت، وقد يلوح للبعض مثاليّا، لأنّ أجواء الحوار في “تنسيقيّاتنا” واحتجاجاتنا واعتصاماتنا في تونس، تجري أكثر ما تجري في أجواء مشحونة، لا تخلو للأسف من سلاطة اللسان والكلمات النابية والأحكام المسْبقة؛ وكأنّ أصحابها ينظرون في بلّورة موشوريّة ذات وجوه متوازية، فلا يرون الواقع إلاّ مشوّها. تعالوا نفكّر معا، حتى نخلّص “جهويّاتنا” من محمولها السلبيّ الحاطّ.. من أجل تونس خضراء أبدا.

 

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية