من سيثبت أحقيته بنادي القرن الأهلي أم الزمالك؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:لا صوت في كل محافظات مصر من الأسكندرية إلى أسوان، يعلو فوق صوت مباراة نهائي القرن، التي ستجمع عملاقي القارة السمراء والوطن العربي الأهلي والزمالك على أرضية ملعب “القاهرة الدولي” مساء الجمعة المقبل، لتحديد هوية بطل دوري أبطال أفريقيا، وممثل القارة في بطولة كأس العالم للأندية، التي ستُقام على الأراضي القطرية في فبراير/شباط المقبل، بعد تراجع الاتحاد الدولي للعبة (فيفا) عن فكرة إلغاء المسابقة.

 

أكبر من مجرد مباراة

ربما أمام الشاشات، ستظهر كأي مباراة كرة قدم أو نهائي في زمن كورونا، بدون جماهير أو بأعداد رمزية، كما وعد وزير الرياضة المحلي أشرف صبحي، لكن في حقيقة الأمر، الجميع في مصر يتعامل معها، على أنها أكبر من ذلك بكثير، وبطبيعة الحال ليس للحدث الفريد من نوعه، كأول نهائي للبطولة بين منافسين من نفس البلد، بل للكراهية والعداء الدفين بين الناديين وعشاقهما، كأي غريمين في بلد واحد، على طريقة ريال مدريد وبرشلونة في الليغا، بوكا جونيورز وريفير بليت في الأرجنتين، وسيلتك ورينجرز في اسكتلندا وإلخ، لكن الفارق، أن دربي القاهرة، خرجت عن إطار المنافسة داخل الملعب، منذ اليوم الموعود، الذي تسلم فيه الأب الروحي للأهلاوية الكابتن صالح سليم، جائزة “نادي القرن” من الاتحاد الأفريقي، في احتفالية “الكاف” في جوهانسبرغ في الثاني والعشرين من مايو/آيار 2001. ذاك الحدث الفارق، الذي ساهم بشكل أو بآخر، في وصول الكراهية بين جماهير الناديين إلى مستوى غير مسبوق، ربما في كل العصور، ويتجلى ذلك في الشماتة المبالغ فيها، في ما تعرف في عالم التواصل الاجتماعي “التحفيل”، والتي أحيانا ما تتخطى حاجز السخرية، بتراشق أقذع الشتائم بعد كل انتكاسة لأحد الطرفين، حتى لو كان يمثل البلد في بطولة عربية أو أفريقية، وذلك، لفخر الأهلاوية بلقب نادي القرن، والذي يستغله النادي تسويقيا وتجاريا على أكمل وجه، للحصول على نصيب الأسد من الإعلانات وصفقات الرعاية، بينما عشاق الزمالك، وإدارته، لديهم قناعة، بأنهم ناديهم هو نادي القرن الحقيقي، وأن الاتحاد الأفريقي، متمثلا في أبناء الجزيرة أمثال مصطفى فهمي وشطة، جاملوا الأهلي بمنحه اللقب الذي لا يُقدر بثمن، على حساب البيت الأبيض، استنادا إلى لغة الأرقام، التي كانت تقول حتى بداية الألفية الجديدة، أن الزمالك في رصيده 9 ألقاب قارية مقابل 7 للعدو المحلي، ورغم مرور عقدين على الحدث، إلا أن الإعلام الأبيض (المسيطر على جُل البرامج الرياضية في الوقت الراهن)، لم يغلق الملف، ومن حين لآخر، يروج مشاهير “السوشيال ميديا” للقضية، التي تُطبخ على نار هادئة منذ سنوات، تمهيدا لتقديمها إلى المحكمة الرياضية الدولية، على أمل الحصول على حكم بتجريد الأهلي من لقبه المفضل لجماهيره، من منطلق مقولتهم الشهيرة “الحق لا يسقط بالتقادم”، وهذا الصراع في حد ذاته يعكس مدى أهمية وقيمة النهائي الأفريقي القاهري الخالص، باعتباره فرصة نادرة لإثبات الأحق منهما بلقب نادي القرن.

 

الطريق إلى القاهرة

بالنسبة للزمالك صاحب الأرض في سهرة يوم الجمعة المقبل، فقد استهل رحلة الوصول إلى نهائي ملعب “القاهرة الدولي”، باكتساح ديكيداها أف سي الصومالي بنتيجة 13-0 في مجموع مباراتي ذهاب وإياب الدور التمهيدي، ثم تجاوز جيناريشن فوت السنغالي بشق الأنفس في الدور الثاني، بهزيمة في الذهاب خارج القواعد بهدف مقابل اثنين، وفوز صعب في العاصمة المصرية بهدف نظيف، سجله جبريل ديوب بالنيران الصديقة في مرماه، ليقع العملاق الأبيض في المجموعة الأولى، جنبا إلى جنب مع مازيمبي الكونغولي وأول أغسطس الأنغولي وزيسكو الزامبي. ورغم البداية غير المبشرة، بالسقوط أمام العملاق الكونغولي بثلاثية بلا هوادة في افتتاح ملعب “مازيمبي”، إلا أن الفريق تماسك بعد ذلك، بداية من الفوز على ممثل أنغولا، إلى أن ضمن المركز الثاني في المجموعة، بجمع تسع نقاط، متأخرا بخمس نقاط عن المتصدر، ليضرب موعدا مع المنافس الشمالي الترجي التونسي في ربع النهائي، محققا الفوز بثلاثية مقابل هدف في القاهرة، والهزيمة في “رادس” بهدف بلال بن ساحة من علامة الجزاء، ثم أضاف الرجاء إلى قائمة ضحاياه، بإسقاطه في ذهاب نصف نهائي “المركب الرياضي محمد الخامس” بهدف منافس الأمس واليوم أشرف بن شرقي، وفي الإياب رد الفريق الزملكاوي على هدف بين مالانغو نغيتا بثلاثية حملت توقيع فرجاني ساسي ومصطفى محمد تكفل بالثاني والثالث. بينما الاهلي البطل شبه الدائم للدوري المحلي، فاستهل طريق النهائي بنزهة أمام اطلع بره الجنوب سوداني، أنهاها بهز شباك منافسه 13 مرة، بواقع 4 في الذهاب وتسعة في الإياب، بدون أن تهتز شباك القائد محمد الشناوي، لتضعه القرعة في المجموعة الثانية المتوسطة، بجانب المنافس التونسي العنيد النجم الساحلي، والجار الشقيق الهلال السوداني وبلاتينيوم الزيمباوي، وهو الآخر، جانبه التوفيق في مباراة الافتتاح، بالهزيمة أمام ممثل سوسة بهدف ياسين الشيخاوي، في مباراة شهدت طرد المدافع أيمن أشرف عند الدقيقة 13، لكن بعد ذلك، نجحت كتيبة المدرب رينيه فايلر في تصحيح أوضاعها، بسلسلة من الانتصارات والنتائج المقنعة، كادت تنتهي باعتلاء صدارة المجموعة، لولا التنازل عن الفوز أمام الهلال في الدقيقة 90، لينهي مرحلة المجموعات في المرتبة الثانية برصيد 11 نقطة، متأخرا بنقطة عن النجم المتصدر ومتقدما بنقطة عن بطل السودان، لتأتيه فرصة الثأر لكرامته أمام صنداونز الجنوب أفريقي، الذي لطخ سمعة كبير القارة بخماسية مذلة في ذهاب نفس المرحلة الموسم الماضي، وحسنا فعل رفقاء علي معلول، بالفوز على مدربهم الحالي موسيماني، قبل رحيله عن صنداونز، بهدفين نظيفين في ذهاب القاهرة، وفي الإياب افتك تعادلا إيجابي بهدف لمثله، ليتقابل مع وصيف المغرب الوداد المغربي، في مواجهة أخرى انتقامية، بعد خسارة اللقب في العام 2017 على يد وداد الأمة، بالتعادل بهدف لمثله في ملعب “الجيش” ببرج العرب، والهزيمة في “المركب الرياضي” بهدف وليد الكرتي الشهير، وكما حدث مع صنداونز، نجح نادي القرن في الأخذ بثأره من منافسه العربي، بالفوز عليه في عقر داره بهدفين نظيفين حملا توقيع الزئبقي محمد مجدي قفشة ومعلول من علامة الجزاء، وكرر تفوقه في إياب القاهرة بفوز عريض، وصل قوامه لثلاثية سجلها مروان محسن، حسين الشحات وياسر إبراهيم، مقابل هدف وحيد سجله زهير المترجي بعد فوات الأوان، ليتحقق حلم الملايين برؤية الكبيرين الأهلي والزمالك في المباراة النهائية لأعرق بطولات القارة السمراء على مستوى الأندية، والمتوقع لها أن تحظى بنسبة مشاهدة غير مسبوقة في تاريخ البطولة، نظرا للشعبية الجارفة للفريقين في مصر وكل متر في الشرق الأوسط.

 

أسلحة ونقاط ضعف

تبقى مواجهة الزمالك في حد ذاتها فأل خير بالنسبة للغريم الأهلاوي، والأمر لا يتعلق فقط بالتفوق الأحمر التاريخي في المواجهات المباشرة السابقة بينهما في نفس البطولة، بتحقيق الفوز في خمس مواجهات مقابل 3 تعادلات، من أصل 8 مباريات سابقة بينهما، بل أيضا للمفارقة المبشرة لأصحاب “مختار التتش”، بالحصول على اللقب كلما واجهوا الزمالك في دوري الأبطال، وحدث ذلك في أعوام 2005 و2008 و2012 و2013، وفي كل مرة، كان الغريم المحلي بوابة الأهلي للتتويج. وأمر كهذا يعطي الفريق ولو أفضلية معنوية على المنافس. أما من الناحية الفنية والتكتيكية، سنجد أن الفريق يملك من الجماعية ما يؤهله للتعامل مع جواهر الزمالك في الثلث الأخير من الملعب، والدليل على ذلك، عدم تأثر الفريق داخل المستطيل الأخضر، بعد الفترة الحرجة التي مر بها، عقب الانفصال عن فايلر وتعيين موسيماني بشكل مفاجئ وتاريخي، كأول مدرب من أصحاب البشرة السمراء في أدغال أفريقيا يتولى قيادة أحد كبار الشمال، بل يُحسب للمدرب الجديد، نجاحه في رفع سرعة وإيقاع اللعب، ربما بصورة أفضل مما كان عليها الفريق في أوج فترات المدرب السابق قبل الهبوط غير المبرر في فترة ما بعد كورونا، ويعول المدرب الجنوب أفريقي كثيرا على تصديات الشناوي الخارقة، التي عادة ما تصنع الفارق سواء للأهلي أو المنتخب المصري في الآونة الأخيرة، غير أنه يبني إستراتيجيته الجماعية، بتحضير اللعب بخروج الكرة من قدم حارس الفراعنة، معتمدا على موهبته في التمرير الطولي الدقيق، على طريقة حامي عرين ليفربول أليسون، كما صنع أكثر من هدف في الدوري المحلي، ومؤخرا فعلها مع المنتخب، بصناعة الهدف الثاني لمحمد شريف في الفوز المهم على توغو بنتيجة 3-1 في تصفيات الكان.

ويبقى أكثر ما يميز فلسفة موسيماني، اعتماده على الأسلوب المباشر، بالتمرير الدقيق من قدم إلى قدم بشكل عمودي، مع تنوع في أساليب الهجوم، تارة يعتمد على ذكاء الداهية قفشة، بحل فردي غير متوقع في العمق، أو بهدية من صاحب السعادة والأكثر تأثيرا في الفريق على معلول من الرواق الأيسر، بفضل براعته في إرسال العرضيات بصوت ابن بلاده رؤوف خليف “بالملي متر” فوق الرؤوس، أو بالمراوغة واقتحام مربع العمليات، ليضع نفسه وجها لوجه مع الحارس، كما فعلها أمام صنداونز، فقط نقطة الضعف الوحيدة والواضحة في الكتيبة الأهلاوية، تكمن في هشاشة قلب الدفاع، بسبب كثرة الإصابات وعدم استقرار الفريق على ثنائي ارتكاز أساسي لفترة طويلة، في ظل غياب رامي ربيعة وسعد سمير لفترات طويلة، ما يجعل المدرب يعتمد على أيمن أشرف بجانب ياسر إبراهيم في قلب الدفاع، وأقل ما يمكن قوله، أنهما سيكافحان على مدار 90 دقيقة أو 120، إن امتدت لأشواط إضافية، للتعامل مع مهاجمين بارعين في استقبال الكرات العرضية، كمصطفى محمد وأشرف بن شرقي، لكنه سيحاول تعويض ذلك، بخط وسطه القوي، المتمثل في الدبابة المالية أليو ديانغ، ومعه واحد من الثنائي عمرو السولية أو حمدي فتحي على دائرة المنتصف، وعلى مسافة قريبة منهما قفشة وأجاي، لخلق زيادة عددية في مواقف المواجهة في منتصف الملعب، على أمل أن يحرم فرجاني من رفاهية التواصل بأريحية مع ابن شرقي على اليسار وزيزو على اليمين، وهذا بالتبعية سيجعل مصطفى محمد شبه منعزلا في أحضان قلبي الدفاع، وإذا نجح في تطبيق نفس الفكر، الذي منحه ثقة الجماهير في وقت قياسي، سيكون قد حرم منافسه من أكثر من 70% من قوته الضاربة، سيتبقى فقط تعامل مروان محسن والشحات والبقية مع الفرص المحققة، أما غير ذلك، فكل المؤشرات والتجارب الأولى، أظهرت أن موسيماني يعرف جيدا قدرات وإمكانات لاعبيه، والأهم من ذلك، انه يُجيد توظيفهم في مراكز تساعدهم على إخراج أفضل ما لديهم، كما ظهرت بصمته في مبارياته الأولى، والتي أعادت إلى الأذهان شراسة الأهلي في زمن الأسطورة مانويل جوزيه، عندما كان يهزم الكبير والصغير في أي مكان، الفارق هذه المرة، أن الزمالك يملك تشكيلة قوية، لديها من الخبرة والجودة ما يكفي لهزيمة أي منافس، كما فعلوا مع الأهلي نفسه في آخر دربي بينهما، والذي انتهى بفوز أبناء ميت عقبة بنتيجة 3-1 في الأسبوع الـ21 للدوري المصري، وهي نفس النتيجة التي فاز بها على أندية أخرى بحجم الترجي والرجاء، ما يعني أن نسبة الفوز متساوية بينهما هذه المرة، على عكس الوضع في زمن أبو تريكة وبركات ووائل جمعة والجيل الذهبي، الذي كان أكثر جودة وخبرة من منافسه الزمالكاوي.

 

مثلث الرعب الأبيض

كما أشرنا أعلاه، يبقى الثلاثي ساسي وبنشرقي ومصطفى محمد، القوة الضاربة للمعسكر الأبيض، لكن هذا لا يمنع حقيقة، أن المدرب باتشيكو، نجح في الحفاظ على توازن الفريق، بعد تعرضه للغدر من المدرب السابق الفرنسي باتريس كارتيرون، الذي فاجأ الجميع بقرار رحيله، ليتولى قيادة التعاون السعودي، وذلك قبل استئناف مشواره الأفريقي بمواجهة الرجاء المغربي في نصف النهائي، وهذا ما كان يتمناه وينتظره جمهور النادي، من مدرب كانت له تجربة سابقة جيدة مع الفريق، ما يظهر التشابه الكبير بين وضعه ووضع موسيماني مع الأهلي، بجانب ذلك، يمتلك تشكيلة من الصعب هزيمتها على مدار 90 دقيقة، أشبه بنسخة أتلتيكو مدريد مع التشولو دييغو سيميوني، متسلحا بالحالة الرائعة التي يبدو عليها الحارس أبو جبل، والتناغم والانسجام بين قلبي الدفاع محمود علاء والونش، وثالثهم مركبة الفضاء الطائرة من اليسار عبدالله جمعة، كمفتاح سحري، لا يقل تأثيرا عن علولو مع الغريم الأحمر، وقبل هذا وذاك، لديه محارب لا يسمح بعبور الكرة إلى وسط ملعبه طارق حامد، بالغرينتا المعروفة عنه، كلاعب مقاتل يصعب التفوق عليه أو المرور منه في مواجهة مباشرة، في أضعف الإيمان سيعيق المنافس بخطأ تكتيكي، ومعه إسلام جابر أو أوناجم، وعلى اليمن المتوهج أحمد سيد زيزو، الذي أثبت في وقت قياسي، أنه مشروع لاعب بوزن الذهب، إذا حافظ على هذه الجرأة واستمر في تطوير مستواه، كلاعب قادر على صناعة الفارق في الأوقات الصعبة، بالحل الفردي أو بتمريرة حريرية، مع سرعة هائلة ومعدلات بدنية تقارن بنجوم اللعبة في الدوريات الأوروبية الكبرى، وهذا ما يجعله أكثر لاعب تعول عليه الجماهير، لقدرته على الانطلاق وإرسال العرضيات، خصوصا من الجانب الأيمن، لمد مصطفى محمد وبنشرقي بالكرات العرضية، التي قد تكون كلمة السر في تفوق هجوم الزمالك على قصير القامة أيمن أشرف والمتذبذب ياسر إبراهيم، ليس فقط من عرضيات اللعب المفتوح، بل أيضا من الكرات الثابتة من على أطراف مربع العمليات، في وجود محمود علاء والونش مع باقي زملائهم الذين يُجيدون ضربات الرأس وألعاب الهواء بوجه عام، فيما عدا ذلك، لا توجد نقطة ضعف واضحة وضوح الشمس في الفريق الزملكاوي، سوى إمكانية استغلال المساحات الشاغرة، التي يتركها عبدالله جمعة في الجهة اليسرى، عندما يقوم بأدواره الهجومية، ونفس الأمر يحدث مع حازم إمام، إذا تعافى من كورونا قبل موعد المباراة، وكذلك سيد زيزو، يعتبر سلاحا ذا حدين، لإمكانية مباغته بحسين الشحات ومعلول عندما يفقد الزمالك الكرة في وسط الملعب الأحمر، والسؤال الآن: من يا ترى سيثبت أنه الأحق بنادي القرن؟ الأهلي باللقب التاسع أم السادس الزملكاوي؟ هذا ما سيتوقف على التفاصيل البسيطة والأكثر جاهزية واستعدادا للدربي المتكافئ للمرة الأولى منذ زمن بعيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية