لا أدري كيف أقول الأمر بالرقة الواجبة، ذلك أن الكياسة تفترض تعاطياً محترماً مع قرار الحسم الذي اتخذ في الولايات المتحدة. ولكن الإحساس أن إسرائيل توشك أن تكون عرضة لهجمة من الفوضويين المتطرفين. وأعرب غير قليل منهم عن آرائهم علناً – وآخرون يخفونها، حالياً؛ على أمل أن يحظوا في السباق الجاري الآن في جورجيا على المقعدين الأخيرين في مجلس الشيوخ.
لا أدري، بالطبع، ما ستكون عليه نتائج الانتخابات هناك، ولكن إذا ما منحت الرئيس المنتخب سيطرة في مجلس الشيوخ أيضاً، فإن أموراً سيئة كثيرة ستنقلب فوق رأسنا. وهذا هو السبب في أنهم، في القدس، يحاولون الآن تثبيت حقائق على الأرض في ظل استغلال أن إدارة الرئيس المنصرف ستبقى في مكانها حتى 20 كانون الثاني المقبل.
والأمور تتعلق بالبناء المتسارع في نطاق القدس الموسعة (في “جفعات همتوس” و”عطروت”) وبالنشاط العسكري ضد إيران في سوريا. ولكن كل هذا لا يمكنه أن يهدئ روع من يعتقد أن إسرائيل دولة رفض. لقد اعترفت أمم العالم بحق الشعب اليهودي في إقامة وطنه القومي في بلاد إسرائيل، وهذا ما كتب في كل الوثائق الدولية (بما في ذلك صك الانتداب الذي سلم لبريطانيا في حينه). وعمل دافيد بن غوريون وفقاً لهذا المخطط… أقام الدولة اليهودية. وكرر هذا الاصطلاح خمس مرات في وثيقة الاستقلال، وكثيرون عارضوه حتى في أوساط اليهود وكذا في أوساط أمم العالم، ولكن بن غوريون فعل ما ظنه صحيحاً في ضوء ما قاله الحكماء: “شعب وحده يسكن – وبالأغيار لن يأبه”. وهذا ما كنت أقترحه أيضاً على نتنياهو. فالفزع زائد تماماً. سيستمر البناء في يهودا والسامرة في عهد الإدارة الجديدة بل وفي عاصمتنا أيضاً. وإذا كان رأيي يسمع فكنت سأسارع إلى تحذير كل التقدميين في المعسكر الديمقراطي من مغبة أن يحاولوا مصالحة الإيرانيين. فإسرائيل لن تقف جانباً، وكفى انبطاحاً.
مهما يكن من أمر، فإن الدولة اليهودية حقيقة ناجزة، وإن المحاولات التي تأتي من الداخل لتحطيم ما بني بكد شديد منذ بداية استيطان الحركة الصهيونية في هذا المكان – وفي أي مكان آخر على وجه البسيطة – لن تنجح. ما يعني أن كل من يعتقد بأن هناك مجالاً لقيام دولة أخرى غربي النهر، يمكنه أن يتنكر لهذه الفكرة الشوهاء. فالجيش الإسرائيلي سيواصل السيطرة على كل المنطقة التي بين البحر والنهر، وستكون هناك “بطاقة مواطنة” للعرب الذين يسكنون فيما يسمى “الضفة الغربية”، تصدرها لهم السلطة الفلسطينية.
لقد فعل الرئيس ترامب العجائب في هذا المجال، ومن المهم أن تفهم واشنطن أيضاً بأنه لن يكون هناك تراجع للوراء؛ فلن تُخلى مستوطنات، ولن يطرد يهود من بيوتهم. لقد بدأ عصر جديد، واتفاقات السلام الموقعة لتوها تشهد على ذلك.
ما يعيدني إلى ما يحصل في بيتنا أن ثمة أشخاص ممن يريدون تبديل الحكم، وهذا مشروع بالتأكيد، ولكن ليس بالطريقة التي يريدون السير فيها. فالفوضى لن تكون هناك، انتخابات – نعم؛ فوضى – لا. وهذا ما يقلقني؛ وتقلقني أكثر من ذلك الإدارة الجديدة التي تتحقق في العاصمة الأمريكية.
إن كل من يكفر بحق الشعب اليهودي في إقامة دولة يهودية هنا يتعاون عملياً مع منظمات تهدف إلى قضم قدرة دولة إسرائيل على مواصلة الوجود بالصيغة التي هي فيها منذ قيامها. والطرق كثيرة ومتنوعة، ولكن النية واحدة. وهي لن تنجح برأيي، ولكن الوقت يقف لها بالمرصاد.
وسيكون هذا، أغلب الظن، مصير الدولة اليهودية من الآن فصاعداً وحتى الأبد. من كل صوب سيحاولون قضمها. سبق لهذا أن حصل، ونأمل بألا يحصل مرة أخرى.
بقلم: د. حاييم مسغاف
معاريف 22/11/2020