الرباط ـ «القدس العربي» : حالة من الشد والجذب تعيش على وقعها «تعاضدية الفنانين المغاربة» (هيئة تأمين عن المرض) أشعل فَتيلها جمع عام عُقِد الصيف المنصرم، وأسفر عن انتخاب رئيس جديد للتعاضدية، الأمر الذي أثار حفيظة وزارة الشغل والإدماج المهني والمكتب الإداري المُنحّى والمشطوب على بعض أعضائه الفنانين، قبل أن تُصدر «هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي» مؤخرا تقريرًا نبَّهت فيه إلى اختلالات داخل «تعاضدية» الفنانين.
التقرير الصادر عن «هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي» المعروفة اختصارا بـ «أكابس» سجَّل مخالفة الجمع العام المنعقد شهر تموز/ يوليو المنصرم، لمقتضيات النظم الأساسية «للتعاضدية» ما يطرح إشكالية قانونية لهذا الجمع والقرارات المنبثقة عنه لاسيما قرار التشطيب على بعض المتصرفين واستبدالهم بآخرين.
وقالت خلاصات التقرير الذي اطَّلعت عليه «القدس العربي» إن استقالة الرئيس محمد يونوس (الحاج يونس) لاغية، وأنه ما زال يتمتع بمنصبه رئيسًا لمجلس إدارة التعاضدية، معتبرة في المقابل انتخاب عبد الإله أمزيل رئيسا جديدا لمجلس الإدارة مخالفًا لقوانين «التعاضدية» لكون صفته متصرفا مطعونًا فيها، لافتةً إلى تجاهل «التعاضدية» لتوصيات الوزارة الوصية المتعلقة بتسوية وضعية جميع المنخرطين المشطب عليهم.
تجاوُزات
وكانت وزارة الشغل والإدماج المهني قد وجهت رسالة لرئيس المجلس الإداري «للتعاضدية الوطنية للفنانين» عقب عقد الجمع العام المثير للجدل انبثق عنه تعيين رئيس جديد للتعاضدية، قالت فيها إن محمد يونوس (الحاج يونس) ما يزال متمتعا بجميع صلاحياته كرئيس للمجلس الإداري للتعاضدية نظرا لغياب أي إجراء قانوني ينزع عنه هذه الصفة.
وقالت رسالة الوزارة التي أوردت «القدس العربي» مُقتطفا منها وتُعدُّ واحدة من ضمن 5 أخريات تتضمن ملاحظات وتوصيات من أجل تصحيح ما يمكن تصحيحه، إن عقد جمع عام دون دعوةٍ من المجلس الإداري أو من الرئيس بشكل استعجالي يعدّ منافيا لما تنص عليه الأنظمة الأساسية «للتعاضدية» مما يثير إشكالية قانونية القرارات المنبثقة عن هذه الهياكل ومدى مشروعيتها بما في ذلك تعيين رئيس جديد للتعاضدية.
وعابت الوزارة على «التعاضدية» استمرار تسييرها خارج القواعد والضوابط المحددة من طرف أنظمتها الأساسية، ودونما اكتراث لملاحظات الوزارة الوصية، ممّا يعد إصرارا على خرق القانون.
بالعودة إلى التقرير الصادر عن «لاكابْس» وهي هيئة مراقباتية مستقلة تُعنى بالجانب القانوني والمالي، قال الفنان عبد الكبير الركاكنة، إنه وقف على جملة من الاختلالات إنْ على مستوى التسيير والقرارات وكذلك علاقة بطريقة التعامل مع رسائل وزارة الشغل والإدماج المهني.
الركاكنة وهو عضو مكتب التعاضدية الوطنية للفنانين المغاربة، انتقد لـ «القدس العربي» خطوة التشطيب على عدد من أعضاء مجلس الإدارة، دون سند قانوني وخلافا لما تنص عليه النظم، مؤكدا أن التشطيب على 5 أعضاء منتخبين غير ممكن قانونيا.
وأعرب الفنان المغربي عن استهجانه لما سماه «سياسة وضع اليد» التي تعمّدها زملاء في المهنة حين أقدموا على الاستيلاء على التعاضدية ومنع المكتب الشرعي المنتخب من العمل «المفروض أننا فنانون ولسنا بلطجية حتى يتعرض مقر التعاضدية للاقتحام والاستيلاء خارج كل الإجراءات القانونية، وهذا الحادث مثبت ضمن شكاية مقدمة لوكيل الملك (الادعاء العام)».
ويرى الركاكنة أن عبد الإله أمزيل (الرئيس الجديد) رئيس غير قانوني وليس عضو مجلس الإدارة بل هو «مندوب» قائلا إنه لا يتوفر على الصفة للترشح، مؤكدا أن رئاسته مُلغاة، وأن أي توقيع ستتم متابعته قانونيا.
تعتيم
سهام الانتقاد الموجهة للمكتب الجديد للتعاضدية ورئيسها لم تتوقف عند هذا الحد، حيث أعربت 5 نقابات عن أسفها لما آلت إليه الأمور، وهي: النقابة المغربية للمهن الموسيقية والنقابة المغربية لمهن السينما والسمعي البصري والنقابة الحرة للموسيقيين المغاربة والمرصد الوطني لمبدعي الأغنية المغربية وحماية حقوق المؤلفين والاتحاد المغربي لمهن الدراما.
وقال بلاغ للنقابات الخمس إن تقرير «لاكابس» وقَف على عدد من الحقائق الدامغة التي لطالما كانت محط اختلاف وطالها الكثير من التعويم والتعتيم، متأسفة على ما أسمته «استمرار تعنت المكتب المسير للتعاضدية وبشكل غير شرعي مع مراسلات وزارة الشغل والإدماج المهني وتوصياتها من أجل الاحتكام إلى القانون وإلى النظم الأساسية للتعاضدية».
البلاغ رفض بصفة باتة إقحام الفنانين في لعبة شد الحبل مع الوزارة الوصية وهيأة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، مؤكدة احترامها واحترام جميع الفنانين المغاربة لمؤسسات الدولة وقراراتها.
ادعاءات
«القدس العربي» عملت على ربط الاتصال بالرئيس الجديد للتعاضدية عبد الإله أمزيل وبمسؤول التواصل بالتعاضدية الحسين الشعبي، هذا الأخير وعد بتقديم تصريح مكتوب دون التوصل به بعد انتظار دام أياما.
وردًّا منها على الانتقادات المتلاحقة، أصدرت «تعاضدية الفنانين» بيانا استنكرت فيه ما تضمنه تقرير «هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي» مشيرة إلى أنه ينطوي على سيل من المغالطات والادعاءات، استنادا على شكوى توصل بها من قبل أحد الأعضاء.
واتهمت التعاضدية وزارة الشغل والإدماج المهني، باعتبارها السلطة الحكومية الوصية على قطاع التعاضد، ومعها «هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي» بتجاوز اختصاصاتها وعمل السلطة القضائية من خلال ما اعتبرته «إصرارهما المتواصل على التدخل في الشؤون الداخلية والتنظيمية للتعاضدية، منذ سنة 2018 إلى اليوم».
وقال بيان التعاضدية إن الرئيس السابق أمحمد يونوس (الحاج يونس) دعا بصفته رئيسا لعقد جمع عام استثنائي يوم 29 آب/أغسطس 2020 وترأسه وأشرف على أعماله شخصيا، بل تقدم أمام المندوبين بتلاوة استقالة مكتوبة ملتمسا فيها إعفاءه بصفة نهائية من مهمة الرئاسة وحظي ملتمسه بالمصادقة.
على إثر ذلك، يضيف البيان، انتخب الجمع العام بالإجماع عبد الإله أمزيل رئيسا جديدا للتعاضدية للمرة الثانية بطريقة ديمقراطية، الشيء الذي على ما يبدو يعاكس رغبة الوزارة الوصية».
واعتبرت التعاضدية إصرار الوزارة الوصية ومعها «هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي» على عدم التسليم بنتائج الانتخابات ضربا لعمل السلطة القضائية التي لها وحدها الحق في القول بصحة أو ببطلان الانتخابات، بعد أن يتقدم من له الصفة والمصلحة بالطعن مع تمكين الجهة المطعون ضدها بحق الدفاع.
جدير بالذكر أن «التعاضدية الوطنية للفنانين المغاربة» تتلقى دعمها المالي من خزينة الدولة بقيمة 6 مليون درهم (658.695 دولار أمريكي) ما يشكل 80 في المئة من ميزانيتها، فيما يساهم المنخرطون بـ 20 في المئة الباقية.