أنقرة- “القدس العربي”:
فجّرت تصريحات أطلقها بولنت أرينتش عضو المجلس الاستشاري الأعلى للرئاسة التركية حول ضرورة إطلاق سراح شخصيات بارزة معتقلة، جدلاً واسعاً في السياسة الداخلية التركية، وفتحت الباب واسعاً أمام التكهنات حول مدى متانة التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، وعمّا إذا كان أردوغان سوف يضحي بمستشاره أم بتحالفه الذي يعني تفككه حصول انقلاب كبير في التركيبة السياسية بالبلاد قد تقود على أقل تقدير إلى انتخابات رئاسة وبرلمانية مبكرة.
بدأت الأزمة قبل أيام، عندما دعا أرينتش أحد أبرز القيادات المؤسسة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، إلى ضرورة إطلاق سراح عدد من الشخصيات البارزة المعتقلة، وذلك ضمن الإصلاحات الاقتصادية والقضائية التي وعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتنفيذها خلال الأيام الأخيرة.
وطالب أرينتش بضرورة إطلاق سراح صلاح الدين ديميرطاش، الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، والذي يقبع في السجن منذ 4 سنوات ويحاكم بتهم دعم الإرهاب، كما طالب بإطلاق سراح عثمان كافالا، رجل الأعمال والناشط المدني الذي يحاكم منذ سنوات بتهم تتعلق بدعم محاولة انقلابية.
وديميرطاش يحاكم بدرجة أساسية بتهمة التحريض على ما عرفت بـ”أحداث كوباني”. وهي أعمال شغب شهدتها عدة محافظات تركية عام 2014، بعدما طالب متظاهرون أكراد الحكومة التركية بالتدخل عسكرياً لحماية كوباني في شمال سوريا من هجوم تنظيم “الدولة”. وخلفت هذه الأحداث قرابة 50 قتيلاً، حيث وجهت لديمرطاش تهمة التحريض على القيام بأعمال عنف والتسبب بسقوط هذا العدد من القتلى.
وكافالا متهم بتمويل جماعات شاركت في أحداث (غيزي بارك) التي اشتعلت قرب ميدان تقسيم عام 2013 واعتبرتها الحكومة محاولة انقلابية عليها.
هذه التصريحات أثارت غضب حزب الحركة القومية حليف أردوغان في الحكم، والذي يتبنى سياسة قومية متشددة تجاه القضية الكردية، ويطالب بإنزال أقسى العقوبات بحق ديمرطاش وقيادات حزب الشعوب الديمقراطي الكردي المعتقلين، ويضغط بشكل دائم باتجاه استمرار الخيار العسكري لإنهاء النشاط العسكري لتنظيم “بي كا كا” وأذرعه داخل وخارج تركيا، وتفكيك الأحزاب السياسية الممثلة للأكراد بتهمة دعم الذراع العسكري المصنف إرهابياً في البلاد.
وعبّر عدد كبير من قيادات “الحركة القومية” عن غضبهم العارم من هذه التصريحات، مستخدمين لغة حادة غير مسبوقة اتجاه مستشار الرئيس التركي. وعلى الفور بدأت هذه القيادات بالتلويح بإمكانية انسحاب الحركة القومية من التحالف، وجر البلاد لانتخابات مبكرة في حال كان هذا الموقف يعبّر عن توجه حقيقي لأردوغان خلال المرحلة المقبلة، لا سيما وأن هذه التصريحات جاءت في سياق الحديث عن “الإصلاحات القضائية” التي وعد بها الرئيس التركي.
وفي ظل الغضب العارم داخل صفوف حزب الحركة القومية، حاولت الرئاسة التركية التنصل من تبني هذه التصريحات، حيث اعتبر المتحدث الرسمي باسم الرئاسة إبراهيم قالن في لقاء تلفزيوني، أن “أرينتش يعبر عن آرائه الشخصية ولا يتحدث بالنيابة عن الرئاسة”، موضحاً: “الرئيس يستمع إلى هذه الآراء لكن تطبيقها يتم بعد بحثها ومناقشتها وهو شيء يتم برغبة وإرادة الرئيس”.
لكن هذه التصريحات لم تكن كافية لتعطي تطمينات مرضية للحركة القومية حول مدى عدم رضى أردوغان عن هذه التصريحات، وهو ما دفع الرئيس التركي للتعقيب بنفسه عليها بشكل فاجئ الجميع، حيث شن أردوغان هجوماً حاداً جداً على مستشاره أرينتش، نافياً بشكل قطعي وجود أي نية له للإفراج عن ديميرطاش أو كافالا.
واعتبر أردوغان أن هذه التصريحات “شخصية ولا تعبر عنه أو الحزب أو الرئاسة ولا يمكن أن تمثله حتى وإن كان من أطلقها قد عمل معه بالسابق”، محذراً من “فتنة” في إشارة إلى تخريب التحالف مع الحركة القومية الذي أشاد به واعتبر أنه يسير بمتانة في الاتجاه الصحيح، على حد تعبيره، مشدداً على أن “طريقنا واضح ولا يمكن أن نحيد عنه، لا يمكن أن نضع يدنا بيد الإرهابيين وداعميهم”.
ورداً على هجوم أردوغان عليه، نقل صحافيون أتراك عن أرينتش قوله إن “تصريحات أردوغان آذتني كثيراً وجرحت مشاعري”، لافتاً إلى أنه ينوي لقاء الرئيس في أقرب وقت، وألمح إلى أنه سوف يقدم خلال اللقاء استقالته من المجلس الاستشاري الأعلى للرئاسة التركية.
وتشير تصريحات أردوغان التي وصفت بـ”الحادة جداً” بحق مستشاره أرينتش، إلى أن الرئيس التركي يعطي أولوية كبيرة في الوقت الحالي لاستمرار تحالفه مع “الحركة القومية” بل ويخشى أن تؤدي أي حوادث من هذا القبيل إلى تفكك التحالف، بما يحمله ذلك من احتمالات لتغيير التركيبة السياسية في البلاد بشكل عام، عبر جر البلاد لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة في وقت لا يرغبه الحزب الحاكم بما يصب في مصلحة المعارضة، إلا أنه من غير المعروف بعد ما إن كان أردوغان سينجح في اقناع أرينتش بالبقاء في منصبه وتجنب استقالته أو إقالته حتى لا يتجه هو الآخر لتتبع طريق القيادات المنشقة من الحزب على غرار أحمد داود أوغلو وعلي باباجان.