أعلن مساء 19 تشرين الثاني/نوفمبر عن فوز الأمريكي-الاسكتلندي دوغلاس إستوارت (44 عاما) بجائزة بوكر للرواية هذا العام؛ وهي جائزة سنوية تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني وفاز بها عن روايته “شوغي بين”. وكان عدد الروايات التي رشحت في البداية 162 لكن القائمة القصيرة ضمّت بالإضافة إلى إستوارت، خمسة بينهم براندون تيلار، وأربع روائيّات ينحدرن من خلفيات مختلفة، هن: معزّة منغيستي ودايان كوك وأفني دوتشي وتسيتسي دانغاريمبا.
وقد أعلنت النتيجة في قاعة راونداباوت في منطقة تشوك فارم شمال لندن من خلال بث حي عبر “بي بي سي” بينما كان المرشحون في القائمة القصيرة يتابعون الحدث من منازلهم من مناطق مختلفة من العالم.
وقالت غابي وود، مديرة هيئة جائزة بوكر، إن النتيجة حظيت بالموافقة بالاجماع من كل قضاة الجائزة. وقالت مارغريت بويسي رئيسة قضاة الجائزة لهذا العام عن الرواية الفائزة انها تقدم “صورة مؤثرة لعالم اجتماعي متماسك بأهله وقيمهم”.
وكانت صحيفة “الغارديان” كعادتها كل عام، نشرت إفادات للذين ضمتهم قائمة المرشحين/ات القصيرة للجائزة.
ونحن إذ نعرض هذه الإفادات (بتصرّف) نود ان يطلع الكتاب والقراء على تجارب وينابيع وموضوعات إبداع من يصعدون نحو نيل جائزة بوكر للرواية.
دوغلاس إستوارت
قال دوغلاس إستوارت صاحب رواية Snuggie Bainإنه ظل دائما إبن أمه ولم يعرف له أبا، ووصف أُمّه بانها كانت جميلةً، وطيبة القلب، وانها كانت مدمنة كحول وهذا ما شكل معظم ذكرياته عنها، وانها توفيت وحدها وكان عمره 16 عاما وكان فراقها مؤلما له. هنا تكمن جذور الرواية، إذ يقول إن الإنسان حين يكبر ويترعرع مع أم أو أب من المدمنين على الكحول يجعله ذلك يفكر في انقاذهما ويطور وسائل وآليات وحيل ليجعل الوالدة المدمنة تنسى لحظات التوتر المصاحبة لرغبتها في إشباع الإدمان حين تنهشها تلك اللحظات.
ويضيف إنه كان يحاول إلهاءها بأن يمثل لها دور السكرتير الذي يكتب لها مذكراتها؛ وانه بقدر ما تُعتبر روايته عملا خياليا بقدر ما تستمد جذورها من مذكرات والدته تلك كانت تدعي إهداءها إلى اليزابيث تيلور، فيما كانت تكافح ضد الكحول والرجال من أجل تحقيق أحلامها المتواضعة.
وهكذا، فإن الكاتب يعود بعد ثلاثين عاما لتلك اللحظات لينهل منها ويعتبرها ينبوعا لروايته.
ويواصل بالقول إنه عاش في مدينة غلاسكو الاسكتلندية في قطاع الإسكان الشعبي بمبانيه المكتظة بالفقراء، لكنه أصاب نجاحا اجتماعيا بعد تخرجه من الكليّة الملكيّة للفنون في لندن وارتباطه بالعمل في صناعة الغزل والنسيج الذي قاده ليعمل في مجال تصميم الملبوسات لبعض كبرى شركات الأزياء الأمريكية.
وقال إنه كان يكتب روايته سرا؛ مستفيدا من رحلات العمل بالطائرة بين شرق وغرب الولايات المتحدة، والتي كانت تستغرق نحو 14 ساعة، واستخدم الشخصية الرئيسية فيها واسمه شوغي بين كي يجمع عالم طفولته في غلاسكو بعالمه الحالي في الولايات المتحدة.
وأضاف أن “ترشيح الرواية في القائمة الصغيرة فاجأني؛ وبعدها استعدت توازني وشعرت بالإمتنان الشديد. وبالنسبة لي فإن من الأمور العظيمة ان أرى عملا أمضيت فيه عقدا كاملا، حظي بالاعتبار؛ والأهم ان يكون ترشيح الرواية عنصرا منبها إلى ان هناك مساحة لنشر أعمال من كل الخلفيات والطبقات الاجتماعية”.
أفني دوتشي
تقول الروائية الأمريكيّة، من أصل هندي، أفني دوتشي (عام 1982) إنها بدأت في كتابة “Burnt Sugar” قبل 8 سنوات على شكل سلسلة مجزّأة تقصد بها الترويح عن النفس من العمل الذي تزاوله، وقد انتقلت آنذاك إلى الهند للعمل كأمينة معرض/متحف ولتكتب عن الفن بحكم انها تخصصت أكاديميا في تاريخ الفن.
وقالت “إن الكتابة عن الفن تبدو كالمهزلةً حيث لا يستطيع النص ان يمثل تماما المواد الفنيّة التي يتناولها؛ كما لا يمكن للنص ان يكون له وزنه الخاص أبدا. كنت مهتمة باستكشاف شيء آخر، انها كتابة تكتسب وجودها من خلال مخاطبة الفن ومن خلال مخاطبة وجود الفن نفسه”.
وواصلت “كانت الكتابة الروائية تمثل شكلا من أشكال التمرد. كتبت الكلمات الأولى في منزل جدّتي في مدينة بيون التي صارت في ما بعد مكانا لأحداث الرواية. كانت الصور حية للغاية في ذهني، عن أم وإبنتها؛ انها انعكاس روح في أخرى، أي انها تماثل رسماً أزيل جزء منه.
شعرت بسعادة في كتابة كل جملة؛ يمكنني أن أختفي خلف القص/السرد دون ان يشاركني في ذلك أي شخص؛ ثم اتضح سريعا أنّني أكتب رواية، وتحولت المسودة إلى مسودات، وبدأت أتعلّم ان أكتب من خلال أخطائي .”
وعند ذلك تكشف الكاتبة التحول الكبير في عملها فتقول “ظل موضوع الذاكرة دائما مركزيا في الرواية لكنه اكتسب أهمية أكبر حين تم تشخيص ما أصاب جدتي من الزهايمر: فقمت بالتنقيب والبحث عن الزهايمر ووجد كل ما عثرت عليه في بحثي طريقه إلى الرواية.”
وقالت إنها تشعر الآن بانها غير ذلك الشخص الذي بدأ كتابة الرواية قبل سنوات، وحين أبلغها ناشر أعمالها بأن الرواية قد رشحت للفوز قالت إنها فرحت وانتابتها غبطة عارمة لكنّه فرح يبدو وكانّه لشخص آخر نال إعجابها. وتعزي ذلك إلى ان هناك مسافة امتدت بينها وبين الكتاب، بين الشخص الذي كتبه وبينها هي الآن.
معزة منغيستي
تقول معزّة “تصور هذا: مقاتلون اثيوبيون شرسون، حفاة، يهاجمون دبابات ايطالية بأسلحة عفا عليها الزمن. يمكنك بسهولة ان تميزهم، وهم يندفعون منحدرين من التلال، يصيحون صيحات المعارك تحت سماء يميل لونها نحو السواد من أثر قصف طائرات موسليني، ويبدو على الجنود الاثيوبيين أنّهم متعبون ومع ذلك فقد كان من المستحيل القضاء عليهم. فِي خيالي كان هذا بمثابة بعث جديد لحرب طروادة على التراب الأفريقي؛ وكان هؤلاء الرجال، وبعضهم من أقربائي، يماثلون أنصاف آلهة من الذين صورهم هوميروس في ملاحمه، كانوا ممتلئين بالتحدي والغضب. وقد كان ذلك بالنسبة لي كفتاة صغيرة في أمريكا، وأفريقية، حين أتعرّض أحيانا للسخرية أغمض عيني فأراهم يتجمعون حولي لحمايتي؛ فأجد الآلاف من جنود القائد أخيل ينتفضون للانقضاض على جميع أعداءنا.”
وتواصل إفادنتها فتقول “لقد تخلّقت رواية (الملك الظل) من هذه الإلهامات اللصيقة بطفولتي. وأثناء كتابتي لروايتي الأولى كنت أتلقى دروسا في اللغة الايطالية، وانتقلت إلى روما للتقصي والتنقيب في الأرشيف وسرعان ما اكتشفت أنني كنت أقرأ ماضياً أُخضع للتعديل والرقابة. وتواصلت مع أحفاد جنود ايطاليين كانوا يعسكرون في اثيوبيا ونقّبت في الأسواق المتجولة بحثا عن صور من العهد الاستعماري. وكانت كل صورة تذهب بي عميقا إلى جيوب تاريخية تخفي الأشباح. وكتبت بإلهام من تلك الصور عن ما اعتقدت أراه فيها.
وتواصل: “بعد نحو خمس سنوات من الكتابة ملأتني المسودة الأولى باليأس فقذفت بالمخطوطة بعيدا وأخرجت تلك الصور القديمة، واقتربت أكثر من الاثيوبيين الموجودين فيها. انهم سلاسل من البشر الأحياء، من الذين تم تجاهلهم وإخماد أصواتهم فتقدموا نحوي خارجين من الظلال ومنحوني كلمات وجهتني في الاتجاه الجديد”.
وانهت معزة إفادتها بالقول “لم استطع ان أتخيل ان يكون اسمي بين المرشحين لجائزة بوكر هذا العام، فخلال السنوات القليلة الماضية كان الكتاب ملجأ لي. لقد منحني التاريخ دروسا وإلهامات، إنّني اشعر بالامتنان والتواضع العميقين.”
تسيتسي دانغاريمبا
“قبل ان أتخطى عتبة الحادية عشرة من العمر كان الكتاب الوحيد الذي قرأته هو رواية (الفتاة الأفريقيّة) للكاتبة كامارا لييه. أسعدني أن أرى فتاة سوداء مثلي في عالم الأدب. بحثت عن قصص أخرى عن فتيات سود لكني لم أجدهن فقرّرت ان أملأ ذلك الفراغ. وكان من الأمور الهامة بالنسبة لي أن أحكي عن شخصيّة نسائيّة أفريقيّة رغبت في شيء ما وأبدت استعدادها لاتخاذ الخطوات الكفيلة بالحصول عليه.
كانت روايتي الأولى The Mornable Body هي الجزء الثالث من ثلاثيّة بدأت كتابتها في ثمانينيات القرن الماضي، بعد مضي أعوام قليلة على استقلال زيمبابوي. زوّدت آمال بناء دولة جديدة الرواية بالمعلومات، وبعد صدور روايتي الأولى “ظروف عصيبة” عام 1988 طلب مني الناشر ان أكتب تكملة لها فنشرت رواية ” Book of Not” وكان واضحا أنها غير مكتملة.
مع تحولي إلى كتابة رواية The Mornable Body كانت الدولة الجديدة اعتراها التمزّق، وكان من الواضح أننا على مشارف إنحدار، وكان هذا الهبوط يجرف معه الأفراد إلى الهاوية. أردت ان أفحص موضوع كيف وصل الزبمبابويّون إلى هذا الوضع؟ وكانت أطروحتي تتلخّص في أن الأمة تتكوّن من بشر وبالتالي لا يمكن أن تكون عافيتها أكثر من عافية هؤلاء البشر. أردت ان ألفت الإنتباه إلى المسؤوليّة الفرديّة في الاختيارات التي يتخذها البشر. أردت ان أضع النساء في مركز النقاش الذي يتعلّق بالمسؤولّة والخيارات الفرديّة.
أن ترشيحي للقائمة الصغيرة للفوز بجائزة بوكر يجعلني أشعر أن جهدي ونواياي قد حظيا بالمصداقية.
دايان كوك
تقول كوك: “كنت مشغولة بعملين حينما بدأت أكتب ما سيصير، في ما بعد، روايتي (القفر الجديد) عن العلاقة بين عالم الطبيعة والحضارة، وأكتب عن الأمهات وبناتهن. لم أبدا بالأفكار الكبيرة حول التغيّر المناخي أو الحث على كتابة حكاية بؤس تشد الأذهان. كان طموحي أكثر بساطة من ذلك. أردت ان استكشف آثار الطبيعة على البشر، وعلاقات التغيّر.
بدأت الرواية من مكان متخيّل، رقعة أرض شاسعة غير مسكونة، آخر أرض قفر من نوعها. وكانت لديّ فكرة، في بداية مسيرتي المهنيّة، حينما كنت أكتب قصصي التي صارت في ما بعد كتابي الأول “الإنسان في مواجهة الطبيعة”. قضيت يوماً وأنا أسجّل ملاحظات عن هذا المكان المتخيّل: ما هي القصة التي ستدور أحداثها فيه، وعن ماذا ستكون. ثم وضعت ما كتبته جانبا. ومرّ عامان قبل ان ألتقطه من جديد.
نادراً ما كنت أتحدّث عن (القفر الجديد) خلال كتابتي، لكني كنت حين أفعل أصفها بانها (ما قبل حدوث القيامة). وكان في ذهني ان عالم المستقبل يبدو قريب الشبه من زماننا هذا، وربما أسوأ منه قليلاً. إنّه مكان تكون فيه الأشياء قد وقعت سلفاً لكننا لم نستطع الحيلولة دون وقوعها أو لم نرغب في وقف وقوعها. لكن ليس هناك في روايتي تحديداً للحظة قبل أو بعد. ليس هناك وقوع لكارثة غيّرت مجرى الحياة عن سيرتها المعتادة. لم يكن هناك هجوم أو فيروس أو انقلاب. كانت هناك تعرية بطيئة. كانت أيامهم تمر على النحو الذي تمر عليه الأيام، مليئة بالأتراح والأفراح، لحظات من فقدان القدرة العقلية والاكتئاب، لكنها أيضاً ودائماً ما تكون بها أسباب للبقاء على قيد الحياة. ذلك ما كنت أهتم بكتابته: إيجاد ما يجعل الحياة تستحق ان تعاش في عالم تتزايد فيه العدوانيّة وتضعف فيه القدرة على الكرم والضيافة.
قد يمكن لمجموعة قضاة جائزة بوكر الذين يقرأون الروايات في أحد الاعوام ألا يلاحظوا مثل هذا الكتاب الذي يتطلّع نحو المستقبل عن أمهات وبناتهن وعن الأرض والسلطة والتغيّر المناخي والعالم الطبيعي والفقد. أنا شديدة الامتنان لما قام به قضاة الجائزة.
براندون تيلار
يقول تيلار:” بدأت في كتابة رواية (حياة حقيقيّة) حينما كنت أعمل في مختبر أبحاث. وفي ذلك الحين كنت أركّز على كتابة قصص قصيرة لكن وكيلي الأدبي اقترح عليّ كتابة رواية. فكّرت في نوع الكتاب الذي سأكتبه واستقريت على الكتابة عن حرم جامعي قضيت معظم سنين حياتي في أروقته ومبانيه أو حوله.
كانت الفكرة هي الكتابة عن عالم العلوم، تنبع من الرغبة في استخدام ما هو متاح. قرّرت أنني لا أريد أن أقضي وقتاً طويلاً في العمل على كتابة الرواية. أردت العودة لكتابة القصص القصيرة، ويبدو أن أسرع طريق لإنجاز ذلك هو أن آخذ أجزاء من حياتي أو أشياء كنت دائماً أفكّر فيها وأحوّلها إلى عمل روائي.
بالطبع تغيّرت الرواية خلال كتابتي لها. صرت أعتني بشخصياتي، وعلى مدى خمسة أسابيع مكثفة قضيتها عاكفا على الكتاب لم أفعل غير ان أزاول عملي في المختبر، وكنت أذهب من مستند ويرد خاصتي إلى بيانات متتالية وإلى المجهر ثم أرجع إلى الرواية عدّة مرّات في الساعة. كانت تلك حياتي خلال تلك الأسابيع.
حينما انتهيت من ذلك أعتقدت ان الرواية لن ترى النور أبداً. لذلك كانت الرواية تفاجئني في كل خطوة من مسيرتها تقريباً، إذ أنظر الآن إلى الكتاب وقد شق طريقه إلى القراء، وإذ أسمع كيف أن الناس قد استمتعوا به، أشعر أن للكتاب حياته الخاصة بانفصال عني، وانّه صار ينتمي الآن إلى القراء.