في كتاب «حزب الله والدولة في لبنان» لحسن فضل الله: كشف الضغوطات والاغراءات للتخلي عن مقاومة إسرائيل

حجم الخط
0

عندما نتابع الهجمة السياسية العالمية والإقليمية ضد «حزب الله» اللبناني المنتشرة حاليا وفي السنوات الاخيرة، لا بد لنا أن نفاجأ عندما نقرأ في كتاب صدر في لبنان، الأسبوع الماضي، عن العروض التي قُدمت لهذا الحزب والإغراءات التي قُدمت لقيادته لتغيير سياساته المتصدية لإسرائيل والملتزمة مقاومة عدوانها المتكرر على لبنان وفلسطين وباقي الجيران العرب، التي تم رفضها من جانب القيادة لأسباب مبدأية.
ففي الفصل الخامس من كتاب صدر الأسبوع الماضي بعنوان «حزب الله والدولة في لبنان، الرؤية والمسار» للنائب حسن فضل الله، أحد اركان هذا الحزب، والعضو في «كتلة الوفاء للمقاومة» في مجلس النواب اللبناني، يؤكد الكاتب أن جميع هذه العروض في السنوات الـ15 الأخيرة، كانت تسعى إلى اقناع الحزب بتقديم ضمانات أمنية لإسرائيل مقابل إغراءات مادية وسياسية ومن مصدر أساسي هو الولايات المتحدة الأمريكية.
ويشير فضل الله في الكتاب الصادر عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في لبنان إلى أن العرض الأول تحملة مسؤول ياباني عام 2000 وفيه استعداد لتمويل مشاريع بنيوية بمليارات الدولارات في مناطق انتشار «حزب الله»، وتقديم مساعدات مالية سخية لبيئته الشعبية ورفعه عن لائحة الإرهاب الأمريكية وفتح الأبواب الغربية أمامه. والعرض الثاني جاء من نائب الرئيس الأمريكي (حينها) ديك تشيني عبر أحد أصدقائه الذي عرض تقديمات مالية سخية ودورا مركزيا في السلطة. كما حمل، حسب الكتاب، الرئيس سعد الحريري (قبل انتخاب رئيس للمجلس النيابي عام 2005) عرضا للأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصر الله بتسمية محمد رعد أو محمد فنيش أو علي عمار رئيسا للمجلس النيابي، بدلا من الرئيس نبيه بري. وهؤلاء نواب في كتلة الوفاء للمقاومة (حزب الله).
ولعل القسم المهم جدا أيضا في الكتاب هو ذلك الوارد في الفصل الرابع عن علاقة «حزب الله» بسورية في ظل قيادتي الرئيسين حافظ الأسد ومن بعده ابنه يشار.
فيصف فضل الله فترة تطبيق اتفاق الطائف وقبلها وبعدها سنوات (يعني أواخر ثمانينات ومعظم تسعينات القرن الماضي) بأن الدولة اللبنانية آنذاك خضعت لإشراف إدارة الدولة السورية إشرافا شبه كامل، فولدت مؤسسات الدولة بعد الطائف على يد القابلة السورية، وتحولت إلى أداة طيّعة بيد قلة من المسؤولين السوريين المهتمين بمصالحهم الشخصية، على حساب لبنان وسورية، ومعظمهم توقفوا حاليا أو أصبحوا خارج السلطة.
بيد أن فضل الله يشير إلى أن «حزب الله» تلاقى مع سورية في الهدف المركزي، أي التصدي لإسرائيل، لكنه اختلف معها في كثير من التفاصيل اللبنانية، حتى أنه تصادم معها، ولم يكن على وئام مع السياسة التي انتهجها الفريق السوري لإدارة الملف اللبناني في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
وكان هذا الفريق بقيادة اللواء السوري غازي كنعان وبإشراف نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام. والأول قضى اغتيالاً، في ما بعد، والثاني حاليا في المنفى في فرنسا.
ورغبة من فضل الله في تفسير حدة هذا الخلاف أشار في الصفحة (118) من الكتاب إلى أن حزب الله دفع ثمنا من حياة عدد من عناصره، عندما عاودت سورية فرض سيطرتها العسكرية على بيروت عام 1987، واستهدفت حينها احد أعضاء حزب الله في بيروت في الحادثة المعروفة بحادثة «فتح الله» (نسبة إلى الشارع الذي وقعت فيه). وقد عرض تلفزيون «الجديد» اللبناني مؤخرا صورا من أرشيفه لما حدث في هذه المواجهة، حيث سقط عدد كبير من مقاتلي «حزب الله» برصاص الجيش السوري المنتشر في لبنان آنذاك.
ولكن فضل الله عاد وأكد أن قساوة هذا الحادث لم تدفع الحزب إلى تغيير مساره المقاوم، ورفض ان يُستدرج إلى مواجهة تخدم إسرائيل وأمريكا آنذاك. بيد أن القيادة السورية أصرت على استمرار عدم الوئام بعد هذه الحادثة الأمنية، وانتقل الصراع إلى الشأن السياسي عندما جرى إقصاء «حزب الله» عن أي بحث في الحلول للأزمة الداخلية أو إشراكه في تركيبة الدولة بعد إنجاز التسوية السياسية في تلك الفترة.
وينتقد فضل الله، في هذا الفصل، ما سماه «تبرع المسؤولين اللبنانيين في إقحام سورية بالملفات الداخلية اللبنانية، بما فيها القضايا الشخصية والعائلية، فضلا عن الموضوعات الأساسية كتفسير الدستور واقتراح قوانين الانتخابات حتى سمي أحدها بقانون غازي كنعان، كذلك صلاحية تعيين الرؤساء وتشكيل الحكومات وتعيين كبار موظفي الدولة بمن فيهم قادة الأجهزة الأمنية ورؤساء السلطة القضائية.. وكل ذلك تم برضى الحكومات المتعاقبة.. فتحولت الإدارة السورية إلى سلطة مطلقة الصلاحية». (ص 119).
وما يثير الاستغراب أيضا قوة انتقاد فضل الله للنظام السوري آنذاك وللسياسيين اللبنانيين الذين خضعوا له (ومنهم كثيرون ممن يعادونه بشراسة الآن، علما بأن النظام السوري انتقل من الوالد إلى الابن). فيقول فضل الله في الفصل نفسه: «حلت في اغلب مؤسسات الدولة (آنذاك) إدارة سورية بوجوه لبنانية.. مما يكشف حقيقة المسؤولية اللبنانية ايضا». ويضيف: «تحكمت قيادات سورية بالقرار واستجلبت لنفسها منافع جمة بما فيها ثروات طائلة، واستولت جهات لبنانية على مقدرات الدولة (فيما) امسك الرئيس حافظ الأسد بالقضايا الإستراتيجية وفي مقدمها الصراع مع إسرائيل والسياسة الخارجية».. وفي هذه الحالة، حسب فضل الله،: «وجد حزب الله نفسه خارج الملعب المحلي.. وفضل البقاء خارج الدولة اللبنانية المهمشة.. وبالمقدار ذاته كان فريق الإدارة السورية يريده خارجها كي لا يرفض صورته الخاصة.. وحين يحاول تقديم صورته كان نصيبه الصد والمنع». ويصف ذلك قائلا: «كان حزب الله مدركا أن هذه السياسة ما هي إلا سياسة الإقصاء المتعمدة من الفريق السوري وبعض شركائه اللبنانيين».
ويستخلص قائلا: «في محطات كثيرة، كانت إدارة الملف اللبناني في دمشق شريكة بزرع الألغام في طريق المقاومة (اللبنانية)». (ص 121).
ويُصعد فضل الله في الفصل نفسه هذا الموقف مستشهدا بما حدث في العدوان الإسرائيلي على لبنان في نيسان/ابريل 1996، حيث واجه «حزب الله» الاتهامات نفسها التي وجهت اليه في العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، بأنه جر لبنان إلى مواجهة خاسرة، إلا أن الطرف الأساسي في انتقادات منتصف التسعينات كان سوريا والطرف الآخر في عام 2006 كان لبنانياً.
ويقول فضل الله عن عام 1996: «لم يَرُق للفريق السوري (ولحلفائه اللبنانيين) خوض المقاومة لهذه المواجهة (عام 1996 عندما حدثت مجزرة قانا الأولى) فرفض غازي كنعان سياسة حزب الله في الرد على الهجمات الإسرائيلية.. ومارس تهويلا نفسيا حول المدى الذي سيبلغه رد الفعل الإسرائيلي (وصح قائلا) هل الحزب يريد لسورية أن تخوض الحرب في حمص لأن إسرائيل ستصل إلى هناك».
ويضيف فضل الله قائلا: «لكن عبد الحليم خدام ذهب أبعد من ذلك بعدما وجه اللوم إلى حزب الله حيال ما يجري وقال في جلسة مع الحزب: ماذا يعتقد السيد حسن نصر الله نفسه حتى يخوض هذه الحرب؟ هل يريد أن يكون أبو عمار آخر؟ عليكم من جانبكم وقف النار…» ويستطرد فضل الله قائلاً: «ولما وجد حزب الله الأبواب تقفل بوجهه من الفريق السوري المولج الملف اللبناني، فتح قناة اتصاله الخاص بالرئيس السوري حافظ الأسد عبر نجله بشار».. وعندما تأكد حافظ الأسد أن «حزب الله» قادر على الصمود، يقول فضل الله، طلب من المسؤولين السوريين عن الملف اللبناني الكف عن الضغط على المقاومة لوقف النار من طرف واحد، الذي سيؤدي إلى فرض إسرائيل شروطها على لبنان وسورية، ولم ييأس الفريق السوري المهيمن في لبنان فتحرك شركاؤه ضد المقاومة لكونهم لم يجرأوا على انتقاد الرئيس حافظ الأسد. وظلت هذه المجموعة السورية تحمل المقاومة المسؤولية إلى ان قرر حافظ الأسد تنحية عبد الحليم خدام عن الملف اللبناني وأوكله إلى فاروق الشرع، ما ساهم في التوصل إلى اتفاق نيسان 1996 بعد أن قاد حافظ الأسد نفسه المفاوضات مع الأمريكيين بمشاركة روسية، إيرانية وفرنسية وبحضور المقاومة ممثلة بأمينها العام حسن نصر الله.. ومما لا يذكره الكتاب الدور المهم الذي لعبه رئيس الحكومة اللبناني الراحل رفيق الحريري، من خلال اتصالاته الدولية وتنسيقه مع سفير لبنان في الولايات المتحدة رياض طبارة في المساهمة في إصدار قرار دولي أدى إلى شرعنة المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، وذلك طبعا بدعم من سورية والمقاومة، وفي ان الرئيس رفيق الحريري، عندما أُتيح له المجال كان يستخدم علاقاته الدولية من أجل التنسيق مع المقاومة وأنه كان يجتمع بشكل متواصل مع قادتها. وهذا أمر اعترف به قائد المقاومة السيد حسن نصر الله وتمنى، في أحد خطاباته الاخيرة، عودة هذا التنسيق لحزب الله مع الرئيس سعد الحريري وغيره من قادة لبنان والعالم العربي والخليج بدلاً من صراعاتهم الأخرى.
* كاتب لبناني

سمير ناصيف*

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية