التجمع المناهض للفصل العنصري: مقاومة الاحتلال في الفضاء الإلكتروني

زهرة مرعي
حجم الخط
0

لأن الوعي الزائف يسود والتطبيع يسوق كفعل طبيعي ولد

بيروت-“القدس العربي”:رغم الهرولة العربية نحو كيان الاحتلال والمساهمة بتلميع جرائمه، لا تزال حقيقة فلسطين العربية في وجدان الشباب في لبنان. ففي العاشر من تشرين الأول/اكتوبر من عام 2019 شهدت الجامعة اللبنانية الأمريكية في بيروت ولادة “التجمع المناهض للفصل العنصري: مقاومة الاحتلال في الفضاء الإلكتروني”. وصفت المبادرة بالتعليمية المستقلة، وتهدف لتطوير سردية مضادة تدحض السردية الصهيونية السائدة، وتحويلها إلى مواد رقمية، عبر ورش عمل ودورات تدريبية مجانية يقدمها محترفون.

“القدس العربي” تضيء على هذه المبادرة بتحقيق يبدأ مع مؤسستها الإعلامية والأستاذة في الجامعة اللبنانية الأمريكية مايا مجذوب.

*في مرحلة  نمو الفصل العنصري وتلميعه عربياً ما هي حوافزك لتأسيس المبادرة؟

**التلميع والتطبيع العربي مع كيان الاحتلال و “صفقة القرن” أهم أسباب ولادة التجمع. تسويق التطبيع وكأنه طبيعي وجزء من حياتنا وعفا الله عن ما مضى، وأنه المستقبل والحداثة يتصدر بعض الإعلام. والمسوقون له يرون الخطاب المضاد رجعيا وخشبيا. لذا نحتاج لخطاب استراتيجي مضاد يرفض التسليم بـ “الأمر الواقع” كما يشاع – أي التطبيع مع الاحتلال. الخطير أن تسويق التطبيع يستهدف وعي الشباب في لبنان. ولهذا مناهضة الاحتلال تأخذ بالاعتبار الجانب التعليمي، والاستفادة من الإعلام المفتوح، حيث نخوض معركة فعلية في الفضاء الإفتراضي، والغلبة لمن يمتلك قوة تسويق سرديته. إنها معركة استمالة “العقول والقلوب”. أما استراتيجياً، فليس فعالاً مواصلة سرد المظالم الواقعة علينا والتباكي على وسائط التواصل الاجتماعي. نحتاج أيضاً لمأسسة خطاب مضاد يتضمن استراتيجية مواجهة فعلية. كلها عوامل تضافرت وحفّزت ولادة التجمع.

*في الإعلان عن التجمع قلتم أنها مبادرة تعليمية. هل سيم تدريسها وأين؟

**انطلقت المبادرة بالتعاون مع مركز البحوث والتدريب الإعلامي في الجامعة اللبنانية الأمريكية بإشراف الدكتور جاد ملكي، والدكتورة غريتشن كينغ. عبر هذه المظلة الأكاديمية نقدم صفوفاً مجانية تدرّب على دحض ومواجهة سردية الاحتلال الإسرائيلي استراتيجياً ضمن فضاء الإعلام الرقمي. ويتابعها الراغبون أونلاين بسبب جائحة كورونا.

*ذكرت في حوار تعبير الدبلوماسية الرقمية. فما هي معاييرها؟

**هو عنوان مضلل ومدروس من قبل العدو، لأنه يشرعن ممارساته. في تفكيك الدبلوماسية الرقمية نكتشف حقيقة البروباغندا الصهيونية التي تقع تحت اسم “هازبرا” وهي كلمة عبرية. “هازبرا” عبارة عن أجهزة مهمتها تلميع وتبييض صورة الاحتلال وتبرير جرائمه. دور “هازبرا” سطع إثر مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982. ترافقت تلك المجزرة الدموية الفظيعة وللمرة الأولى بمادة مصورة ومتاحة في الإعلام، مما ترك اثراً كبيراً لدى الرأي العام العالمي. بوجود الفيديوهات كان تبرير العدو مستحيلا، ولهذا كان بحثه عن منحى إعلامي استراتيجي لتبييض صورته. واليوم نجد الـ “هازبرا” حاضرة بقوة كجهاز تحت مسمى “الدبلوماسية الرقمية” والوزارات الإسرائيلية كافة تضمه كقسم رئيسي. وهو يضاف إلى جيش إلكتروني هائل من المتطوعين والمُجنّدين بأجر على الشبكة الإلكترونية لنشر البروباغندا الصهيونية.

*تنشط الولايات المتحدة بسيف العقوبات على المعادين لإسرائيل والصهيونية. فماذا عنكم كتجمع مناهض للفصل العنصري؟

**كلها محاولات صفيقة لتدجين الأفراد على تقبل الاحتلال. وهذا يزيد الضغوط والتحديات، مساعينا تقع ضمن مؤسسة ولسنا فرداً أو إثنين. نحن كثر وفي حقول أكاديمية متعددة، ونعمل للتشبيك والاتحاد معاً، وتكتلنا جزء أساسي من قوتنا. والتكتل تحديداً داخل الجامعات مسألة بالغة الأهمية لمواجهة موجة التطبيع. ومن داخل المؤسسات نفسها نحن قادرون على خلق ثقافة مضادة والبدء بالتغيير.

*وهل من محاولات للتواصل مع جامعات أخرى في لبنان وخارجه؟

**نركز حالياً على العمل داخل لبنان خاصة وأننا كمواطنين وللأسف لسنا متوافقين على سردية موحدة ضد الاحتلال. الأولوية لتوحيد سرديتنا ونشر الوعي لدى الجيل الجديد، الذي وللأسف يفتح عينيه لينتصب أمامه التطبيع. والإتكال على الثقافة السائدة تعني التسويق للعدو. لهذا مهمتنا الأولى تنشيط سرديتنا الحقيقية وزيادة الوعي لدى الشباب، فالتراخي سيؤدي لسيادة الوعي الزائف.

*وما هي اللغات المعتمدة للتعبير عن حكايتنا؟

**نعتمد العديد من اللغات لخطابنا الإعلامي الرقمي وبخاصة الإنكليزية للوصول إلى الرأي العام العالمي. نحن في حلبة صراع رقمية واستمالة الرأي العام العالمي جزء لا يتجزأ من معركتنا.

*ماذا عن الإقبال وهل من شباب متمسكين بالحق والعدل؟

**الإقبال موجود. جزء أساسي من التحدي أن ثورة 17 تشرين قلبت الأولويات لدى الناس. لذا ركزنا على أن تحرير فلسطين جزء لا يتجزأ من معركة التحرير التي نخوضها في لبنان، والرابط بينهما عضوي. تحرير لبنان من الفساد وتحرير الأرض صنوان، وجزء من أراضينا لا يزال محتلاً، والعدو يخترق أجواءنا يومياً. وخطاب الثورة لا يُحصر فقط بإسقاط نظام وحكومة، بل يشكل تحرير الأرض مفصلاً أساسياً منه، والتحرر يطال كافة المستويات. وفلسطين يفترض أن تكون حاضرة في أدبيات الثورة أكثر من أي وقت مضى، تماماً كما كان علمها حاضراً في ساحة رياض الصلح.

طغيان الانقسامات

خضر سلامة الخبير في صناعة وتسويق المحتوى الرقمي والمدرب في التجمع قال رداً على سؤال عن كيفية مقاومة الاحتلال في الفضاء الإلكتروني؟

**إنها ثلاثة عناوين نستعرضها سريعاً:

صناعة المحتوى الذكي: أضف روايتك للصراع، احكي المعلومة التي تعرفها، أصنع الفيديو والصورة والتصميم ووظف مهارتك من أجل تقديم المحتوى الفلسطيني بشكل تفاعلي مقبول عند الجمهور الذي تستهدفه (لغة، مصطلح، format).

توزيع المحتوى: المبادرة إلى إنشاء الصفحات المباشرة وغير المباشرة المعنية بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، على مواقع التواصل كما على أدوات الدردشة، ونشر وإعادة نشر كل المحتوى المعرفي المؤيد لفلسطين.

بناء شبكات الدعم: أحد المشاكل الأساسية تتمثل بغياب التنسيق بين المجموعات المناصرة لفلسطين محلياً وعالمياً، وغياب الثقة، وطغيان الانقسامات الهوياتية والسياسية على علاقاتها، رغم إمكانيات التكامل الكبيرة بين مهارات أفرادها وقدراتهم. والمشكلة الثانية هي غياب الحاضنة المؤسساتية (مالياً، معرفياً، قانونياً) والتي تضمن عمل هذه المجموعات.

*نحن بصدد الصراع على المعلومة والمحتوى. فما هي أدواته؟

**نستطيع إيجاز الصراع على المحتوى بالأدوات التالية: نتائج البحث. والحسابات الأكثر تأثيراً. والمواقع المرجعية. وشروط النشر. وجميعها تصب في خانة الإمساك بحصرية، ومصداقية أو صياغة المعلومة أكانت خبرية، تاريخية أو ثقافية وغيره. فليتصور القارئ نفسه جاهلاً بمعلومة ما، أول ما يفعله كمستخدم رقمي هو وضع كلمة مفتاحية على محرك البحث، أو سيدخل إلى صفحة أو موقع مرجعي أو حساب متخصص، يظنه جاداً في المعلومة التي يقدمها. ومن يستطيع إمساك هذه الأدوات، يمسك صياغة المعلومة وانتقاء المصطلح، والدقة التوثيقية، وشروط النشر عبر علاقاته بمواقع التواصل كشركات ربحية تلتزم بقوانين. ومن يمسك بكل ذلك يمكنه صناعة المعرفة والموقف تالياً.

*هل من تكافؤ فرص لمواجهة السردية الصهيونية إلكترونياً؟

**بإجابة واقعية وفجة وحزينة ربما؟ لا تكافؤ فرص، فالمحتوى الفلسطيني اليوم والمقاوم عموماً، يعتمد على همة أفراد وتجمعات محدودة النفوذ والتنظيم واللوجستيات. إلى جانب غياب الغطاء السياسي والتشريعي تالياً، وغياب أي اهتمام حقيقي رسمي أو فصائلي بموضوع ضعف المحتوى وخسارة السيادة الرقمية على المعلومة شيئاً فشيئا. ولكن، المقاومة كرد فعل لم تستوجب يوماً تكافؤ القوة، وهنا يكمن المعنى الحقيقي للكلمة، هي توازن الإرادة، إنها إرادة حماية روايتنا للصراع.

*تتوجهون للأجيال الصاعدة المسماة إلكترونية فكم هي معنية بقضيتنا مع الاحتلال؟

**مؤخراً، تقدمت جمعية محلية بنص مشروع مضاد للعنف الأسري إلى منظمة دولية، أعادت هذه المنظمة المشروع مشترطة التمويل بشطب كلمة “مقاومة” من النص العربي، المعتمدة كترجمة للكلمة الانكليزية، رغم أن كلمة مقاومة وردت في سياق غير معني بفلسطين. وفي مخيم للفلسطينيين اللاجئين، اشترطت منظمة على معلّم النشاطات لتوظفه، عدم تقديم الأطفال لأعمال فيها ثلاثة عناصر: المفتاح، الزيتونة وخريطة فلسطين الكاملة. سردت مثالين دون الدخول في المجزرة الثقافية التي وقعت بمحتوى مناهج مدارس الأونروا في العقد الأخير، وكيفية تفكيك روابط معلميها وقصقصة هوامشهم داخل الصف.

وبعد كل هذا، يأتي من يلوم “الجيل الصاعد” فمن يصنعه؟ من أين يأتي بمعلوماته وموقفه؟ فليتفضل المعنيون للمبادرة بملء الفراغ الواقع في العمل الاجتماعي والثقافي والتربوي والمدرسي، والمتروك لشروط تمويل يضعها المعادون. وللإنصاف، فهذا “الجيل الصاعد” لم يختبر بعد في أي صراع جدي ومباشر مع الاحتلال.

*نعرف أن مواقع التواصل بدءاً من فيسبوك تحجب حسابات أو تغريدات تُصنفها معادية للسامية. فما هو العمل حيالها؟

**أحسن معلّم في مقاومة عدوك هو عدوك نفسه، فلنراقب التجربة الإسرائيلية وكيف نجحت الحكومة الاحتلالية بإجبار شركات رقمية على الخضوع لإرادتها والالتزام بشروط نشرها وتليين معايير الخصوصية للحسابات المشبوهة، وهذا يتطلب أولاً رؤية. ثم منصة حكومية جامعة تملك الوعي والمعرفة والقدرة على لعب دور ندّي في الضغط على شركات كفيسبوك وغوغل، المهتمة بالربح التجاري ونفاذ خدماتها للأسواق، وصولاً لتسوية قانونية تحمي السيادة الوطنية والحق بصناعة المحتوى، لا سيما العربي منه.

*ماذا نحتاج لنعيد كتابة تاريخنا على ويكبيديا مثلاً؟

**أهمية موقع ويكيبيديا رغم كونه غير معتمد أكاديمياً، أنه مقدم معرفة سريع وسهل، ويحتل رأس نتائج البحث. بذل الإسرائيلي وما زال جهداً كبيراً للتحكم بالصياغة والمصطلح لمعظم المقالات باللغات الأجنبية، ويكاد يحتل العربية أيضاً.

شروط التحرير على موقع ويكيبيديا صارمة وتحتاج لعمل بحثي ورعاية منظّمة وهي مسار طويل يشترط التوثيق والدقة في استعمال المصطلح، والدعم بالمكننة.

نحتاج إلى تدريب كادر تحريري، وإلى إنتاج توثيق جاد وعلمي لاحتلال فلسطين ومسار المقاومة، وإلى خطوط إنتاج متعدد اللغات، وهنا أهمية الانتظام ضمن شبكات عمل.

توثيق قصصنا

وسألنا أديب فرحات المخرج والمحاضر والمدرب في شؤون السينما والإنتاج  في التجمع عن اهتمامه الخاص بهذه المبادرة؟

**يشكل هذا النوع من المبادرات حاجة في مجتمعنا، كوننا لا نعرف كيف يفكر العدو ويتصرف. ونحن لا نتابع إعلامه وكيفية تصرفه مع الدول الغربية. لا معارك على الجبهات، إنما الحرب الثقافية مستعرة بقوة بوجود وسائط التواصل الاجتماعي، ويضاف إليها أجواء المنطقة السياسية.

*ما هو أثر أفلامنا عن القضية الفلسطينية عالمياً؟

**قبل نشوء منظمة التحرير الفلسطينية كان اللاجئون الفلسطينيون سبّاقون في مبادراتهم ومنها تأسيس “استوديو بعلبك” ومن مهماته الإنتاجات الداعمة للثورة الفلسطينية وحق العودة، وكافة الإنتاجات الوطنية والعربية. وهذا الأستوديو بقي منتجاً حتى الثمانينيات من القرن الماضي، وقدّم أفضل النوعيات. وفي مرحلة السبعينيات وما تلاها كانت المعارك قائمة على جبهة الشعر والأدب من سميح القاسم إلى غسّان كنفاني الرائد على صعيد المقاومة الثقافية. وحفلت الثمانينيات والتسعينيات بالإنتاجات السينمائية المقاوِمة منها التي قدمها الثنائي جان شمعون ومي المصري عن فلسطين واللاجئين في المخيمات، وكذلك برهان علوية ومارون بغدادي. وكذلك أفلاماً عدّة هادفة لآباء السينما اللبنانية.

*المواجهة صعبة ومعقدة على جبهة السينما لأن اللوبي الصهيوني يسيطر على هوليوود. كيف تشقون الطريق؟

**صحيح، والإمكانات تميل لصالح العدو المنظم جداً والذي يعتمد تقنية عالية. ربما تأخرنا في تنظيم مواجهتنا، وبالنهاية الساحة مفتوحة وليس بمقدورنا البقاء مكتوفي الأيدي. انتمي جغرافياً لجنوب لبنان ومن قرية اُحتلت على مدى 20 سنة، وإلتزامي التدريب في التجمع المناهض للعنصرية أراه مسؤولية. كفة نتفليكس تميل لصالح العدو، لكنها مؤخراً اشترت مجموعة من الأفلام اللبنانية وبدأت عرضها. يمكننا العمل لإيصال إنتاجاتنا التي تخبر قضيتنا وإيصالها إلى نتفليكس، إما أن نحظى بفرصة العرض أو لا. وفي كافة الأحوال مهمتنا توثيق قصصنا وتسجيلها وطرحها للناس من فلسطين إلى احتلال جنوب لبنان. المنصّات التي تُعرض عليها الأفلام تتبدل، فقد نكون مستقبلاً مع منصة مختلفة كلياً عن يوتيوب ونتفليكس.

*لمن سنقول حقيقة قضيتنا للعرب أم الأجانب؟

**التوجه للشعوب واحد. للأنظمة البيع والشراء في السياسة بخلاف الحكومات ففي الكويت وتونس ومعظم الدول العربية التي هي خارج الاشتباك لا يزال موضوع فلسطين أساسياً. المخاطبة المفضلة هي للشعوب الأوروبية والغربية التي تتوجه إليها حكوماتها بخطاب مختلف عن خطاباتنا. وأفلام الثمانينات والتسعنيات كانت تصل للجمهور الأوروبي، والتعاطف معها كان واسعاً جداً.

*وهل لمهرجانات السينما المساهمة بنشر سرديتنا الخاصة بقضينا؟

**بالطبع. مع العلم أن كيان العدو ومنذ العقدين الماضيين يحاول ابراز أفلامه في المهرجانات العالمية. وفي المقابل الأفلام العربية والفلسطينية خاصة تصل إلى تلك المنصّات. سبق ورُشحت أفلاما لهاني أسعد إلى الأوسكار، وهذا العام ثمة فيلم فلسطيني سيُرشح للأوسكار من قبل الأردن وعنوانه 200 متر.

*وماذا عن سردية قضيتنا في الدراما وهي الأكثر شعبية؟

**نحن مقصرون في سرد روايتنا بصرياً. فيما بعض الإنتاجات العربية تروج للتطبيع، وتؤنسن صورة المحتل وجنوده. صفقة التطبيع بين دولة الاحتلال ودولة الإمارات تضمنت في بنودها الأولى التعاون السينمائي، وفي خلال أشهر سبع ستعمل مجموعة من السينمائيين على فكرة تقبل الآخر وفكرة حوار الثقافات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية