دمشق – «القدس العربي»: جددت الولايات المتحدة الأمريكية تأكيدها تصنيف هيئة تحرير الشام تنظيماً إرهابياً، كونها تشكل امتداداً مستمراً لجبهة النصرة – النسخة الأولى من تنظيم «القاعدة» في سوريا، ما يعني أن كل محاولات هيئة تحرير الشام الساعية إلى إعادة إنتاج صورتها، وتجديد هيكلتها والبحث عن آلية أمنية ضمن التوجّه الدولي للحفاظ على بقائها، وكسب رضى الفاعلين الخارجيين، قد باءت بالفشل، خاصة أنها لم تترافق مع تغيرات فعلية في بنيتها التنظيمية والفكرية.
وجددت وزارة الخارجية الأمريكية الإعلان عن صرف مكافأة مالية بقيمة عشرة ملايين دولار أمريكي، لمن يدلي لها بمعلومات عن القائد العام لهيئة تحرير الشام، «أبو محمد الجولاني». ونشر برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، أول أمس على حسابه، عبر موقع «توتير» تغريدة، جاء فيها «السوريون اجتمعوا على شغلتين الأولى هي شرب فنجان القهوة عالصبح عا صوت فيروز، والتانية إنو الجولاني لازم يطلع من سوريا… ساعدونا في القضاء على الإرهاب وبلغونا عن الجولاني». وسبق ذلك تغريدة مصورة، كتبت فيها وزارة الخارجية الأمريكية أنها تبحث «عن معلومات عن القائد الأعلى لتنظيم هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة سابقاً» والمسؤولة عن جرائم كثيرة بحق السوريين، ساعد في تحديد مكان «الجولاني» أرسل معلوماتك إلى برنامج المكافآت من أجل العدالة». وتضمنت التغريدة رقماً للتواصل على تطبيق «سكنال» و«واتساب» و«تلغرام» من أجل التواصل والإبلاغ. وكانت الخارجية الأمريكية أعلنت عام 2017 عن «مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار، مقابل معلومات عن أبو محمد الجولاني».
وجددت الخارجية الأمريكية الإعلان وأضافت في تغريدتها المصورة عبارات أخرى ذكرت فيها «الجولاني يتظاهر بالاهتمام بسوريا لكن الناس لم ينسوا جرائم تنظيمه (جبهة النصرة) في حقهم، إذا كان لديك معلومات عنه قد تحصل على مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار».
وكان برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية قد أعلن، في شهر أيار/مايو عام 2017 عقب الإعلان عن تشكيل هيئة تحرير الشام شمال غربي سوريا، عن مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تتعلّق بمكان وجود أبو محمد الجولاني.
وأمام ما تقدم، أبدى الخبير السياسي محمد سرميني اعتقاده بأن التغيرات الجوهرية التي أجرتها هيئة تحرير الشام سابقاً قد باءت جميعها بالفشل. وقال إن الفترة السابقة شهدت محاولات إعادة تعريف نفسها، بأنّها مشروع مقاومة ضد النظام السوري والاحتلال – روسيا وإيران – مع غضّ النظر عن الإشارة إلى الولايات المتحدة. والتشديد على إظهار الهيئة بأنها تنظيمٌ محلّيٌّ لا يطمح لأن يكون عابراً للحدود، والتخلي عن الهويّة الجهادية في تعريف بنية التنظيم، وتسويق نفسها اجتماعياً بتغيير هيكلتها التنظيمية، من أجل الحصول على رضا الفاعلين الخارجيين، إلا أن تلك المـحاولات بـاءت بالفـشل».
وقال مدير مركز جسور للدراسات الاستراتيجية لـ «القدس العربي» إن الهيئة عملت من أجل إعادة إنتاج صورتها وغيّرت من أجل ذلك خطاب الهيئة بشكل يتجاوز مفهوم المراجعات لدى التنظيمات الجهادية، إلّا أنّ ذلك لم يثنِها عن السعي لأجل الحفاظ على كتلتها الصلبة والحؤول دون تفكّكها أو ذوبانها. وتبرز التغيرات وفق المتحدث في الحرص على إعادة تعريف الهيئة؛ بإظهار أنها تنظيمٌ محلّيٌّ لا يطمح لأن يكون عابراً للحدود. وحاولت الهيئة التخلي عن الهويّة الجهادية في تعريف بنية التنظيم، وإظهارها كفصيل معتدل يستند للفقه الإسلامي ويسعى لتطوير خطابه السياسي في الإطار المحليّ. ومحاولة تبرير العلاقة مع تنظيم «القاعدة» باعتبارها ضرورة فرضتها الظروف وكانت قائمة على ارتباط اسمي لا بنيوي.
وقرأ المتحدث هذه التغيرات، بأنها جاءت بعد أن بدأت تشعر قياداتها بوجود مخاطر كبيرة على وجودها ومشروعها ومكاسبها شمال غربي سوريا بعد التغيّرات الجوهرية على المشهد وأبرزها تحوّل أماكن سيطرتها إلى منطقة عمليات تركية. وقال سرميني: يُمكن القول إن هيئة تحرير الشام بحثت عن آلية أمنية في إطار التوجّه الدولي للحفاظ على بقائها، والتي تتمثّل في عرض نفسها كطرف محلي قادر على ضبط التنظيمات الجهادية العاملة في سوريا ومكافحتها إن تطلب الأمر ذلك.
مظهر «ديمقراطي»
اجتماعياً، تحدث سرميني أن هيئة تحرير الشام حاولت خلال الفترة الماضية نفي تهمة الاستبداد عنها، وإظهار نقيض ذلك، بالتركيز على «ديمقراطيّة» الهيئة، حيث زادت من تحرّكاتها الموجّهة اجتماعيًّا منذ شهر أيار/مايو الفائت، كما أعلنت عن لقاءات مختلفة وظهور متعدّد لقائدها أبو محمد الجولاني في مناسبات عديدة، كزيارة مخيمات النازحين ثم الالتقاء بالأسرى المحرّرين أخيراً، بالتوازي مع الالتقاء بوجوه اجتماعية من العشائر المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى زياراته في العيد ولقائه بعض الأطفال وإهدائهم ما يُسمّى بـ «العيديّة» كما فعلت بعض المنظّمات الخيريّة ومؤسسات المجتمع المدنيّ.
صورة مغايرة للجولاني
وقدمت الهيئة قائدها بصورة مغايرةً لما يشاع عنه من أنه يتخفّى عن الناس ولا يهتم لشؤونهم، والتسويق لصورة جديدة تتمحورُ حول «القياديّ» الملتحم مع الشعب، والذي يزور المخيمات ويحاول مساعدتها، ويلاعب الأطفال ويهديهم، ويتقرب من العشائر باعتباره من أبنائها؛ والمدرك لواقعها وفاعليتها، إضافة إلى التسويق للهيئة باعتبارها جزءًا من الفعاليات الاجتماعية والثوريّة والنازحين، وأنها بطبيعة الحال تختلف -أفرادًا وأجهزة وقيادةً- عن التنظيمات المتشددة التي لا يعرف لقياداتها أي انخراطٍ في متابعة الشأن الاجتماعيّ والبحث عن حلول له. واتّسقت هذه التحركات واللقاءات الاجتماعيّة، وفق المتحدث، مع إعادة هيكلة الهيئة تنظيميًّا ومحاولة تعزيز قوات العصائب الحمراء المركزيّة في الهيئة إضافة إلى توازيها مع إطلاق حملة أمنيّة لملاحقة «اللصوص والفاسدين» إثر خلافٍ جرى مع تنظيم «حرّاس الدين» في قرية عرب سعيد.
ووصف الخبير السياسي، الحملة الإعلامية لتحركات الجولاني غير المعهودة – بمحاولة الهيئة بالتركيز على «ديمقراطيّتها» أي أن قيادتها تحمل قدراً كبيراً من المسؤوليّة، ومن ثمّ فإن متطلبّات القيام بها تستدعي الالتقاء بالأطراف كافّة والأخذ برأيهم، ثانياً تقديمُ قائد الهيئة بصورة جديدة تتمحورُ حول «القياديّ» الملتحم مع الشعب.
إلا أن مساعي الهيئة لإعادة إنتاج صورتها بقيت محدودة الأثر، ولم تحقق الكثير لدى الفاعلين الدوليين، خاصة «أنها لم تترافق مع تغيرات فعلية في بنيتها التنظيمية؛ ومراجعات في بنيتها الفكرية، وما زالت مصنفة ضمن قوائم الإرهاب».