إلغاء قرار لجنة التحفظ على أموال وممتلكات الإخوان على تسع مدارس وشركات لمخالفته القانون والدستور

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»واصلت الصحف الصادرة أمس الأربعاء 26 نوفمبر/تشرين الثاني تغطية انتهاء زيارة الرئيس السيسي لإيطاليا، وتوقيعه عددا من الاتفاقيات الاقتصادية، والمعروف أن إيطاليا هي الشريك التجاري الأول في الاتحاد الأوروبي مع مصر، والثالث على مستوى العالم بعد أمريكا والصين، وبدء زيارته إلى فرنسا التي ستنتهي اليوم، مصطحبا معه الوفد الاقتصادي والسياسي.
ولوحظ أن وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم اجتمع مع ممثلين لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، وأكد لهم أن الشرطة لا يمكن أن تدخل أي مقر أو تتخذ أي تصرف إلا بناء على حكم قضائي بالتنفيذ وأوامر لها من النيابة العامة.
وأولت الصحف اهتماما بارزا بانهيار العمارة في حي المطرية بالقاهرة، ومصرع سبعة عشر شخصا من سكانها، وإخلاء ثلاثة منازل مجاورة. كما أبرزت خبرا مفرحا جدا لكثيرين، وهو حكم محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بإلغاء قرار وزير الثقافة منع عرض فيلم «حلاوة روح» بطولة هيفاء وهبي، لأنه لا حق له في إصدار القرار، إنما الجهة المنوط بها إصداره هي الرقابة على المصنفات الفنية، وقالت المحكمة في حكمها أنها لا تتعرض إلى محتوى أو مشاهد الفيلم.
ومن الأخبار الأخرى إصدار النائب العام قرارا بحبس صاحب عبارة «هاتولي راجل» الدكتور الشيخ محمود شعبان أستاذ التفسير المساعد بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر فرع دسوق بمحافظة كفر الشيخ، خمسة عشر يوما للتحقيق معه في الاتهامات الموجهة إليه بتحريض الطلاب على أعمال التخريب.
وأصدرت محكمة القضاء الإداري حكما بإلغاء قرار لجنة التحفظ على أموال وممتلكات الإخوان، على تسع مدارس وشركات، وقالت إنه صدر مخالفة للقانون والدستور، كما ألغت قرار منع سفر أحفاد الرئيس الأسبق حسني مبارك للخارج.
وواصلت الصحف التركيز على دعوة الإخوان المسلمين والجبهة السلفية للثورة الإسلامية التي ستبدأ غدا الجمعة، برفع المصاحف وقيام وزير الداخلية بزيارة معسكر الأمن المركزي في منطقة الدراسة بالقاهرة، وتفقده القوات والمعدات الجديدة وأعاد التأكيد على أن الرصاص الحي في انتظار أي شخص يعتدي على أماكن أو منشآت عامة وإحالته إلى المحاكمة العسكرية. أما عن العمليات في شمال سيناء فقد أعلن الجيش أن قواته قامت بهجمات مفاجئة قتلت فيها خمسة عشر تكفيريا واستخدم البيان وصف عملية عنيفة وتصفية. وإلى شيء من أشياء كثيرة لدينا….

لغة العقل يجب أن
تتسيد المرحلة في كل جوانبها

ونبدأ بالجبهة السلفية ودعواتها بدعم من الإخوان المسلمين إلى مظاهرات تبدأ يوم الجمعة القادم للثورة الإسلامية برفع المصاحف، وتتواصل إلى أن تصل إلى قمتها في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني المقبل ليكون موعد إسقاط النظام وقيام الصحف كلها بشن الهجمات ضد هذه الدعوة، والمطالبة بأن يتم التصدي لدعاتها ولكل من ينزل للمشاركة في مظاهراتها بكل حسم. أما الوحيد الذي دعا إلى الجلوس والتحاور معهم للاستماع إلى وجهات نظرهم ومطالبهم رغم أنهم أعلنوها، وهي إسقاط النظام فكان صاحب اكتشاف «وجدتها.. وجدتها» وهو نيوتن الذي توقع «المصري اليوم» عمودا يوميا باسمه فقد فاجأ الجميع يوم الأحد بهذا المطلب قال: «الشيء الوحيد الذي لم نشاهده ولم نسمع عنه، هو الدعوة إلى الحوار حول ذلك اليوم، لم نسمع وجهة نظر الذين ينادون بالنزول إلى الشارع في ذلك اليوم، ما هو الهدف ما هي طلباتهم، لماذا ذلك اليوم تحديدا؟ لماذا لا نبدأ حوارا جادا مع مطلقي هذه الدعوات، لماذا لا نستمع إليهم، لماذا لا نسعى إلى حقن الدماء؟ على الفضائيات القيام بدورها، مثل ذلك الحوار بالفعل بالرأي والرأي الآخر، يمكن الوصول إلى حلول أفضل من ذلك الذي يتم الإعداد له. مصر أيها السادة لم تعد تحتمل مثل هذه المهاترات على الجانبين، لغة العقل يجب أن تتسيد المرحلة في كل جوانبها، لنا العظة والعبرة في العديد من الأوطان المارقة من حولنا، لم نصل حتى الآن إلى ذلك الحد، يجب ألا نصل إليه أبدا، هناك من يسعون طوال الوقت إلى الوصول بنا إليه. أليس هناك رجل رشيد من بين ما يقارب المئة مليون نسمة؟ أليس هناك من هو أهل ثقة مسموع الكلمة ينصت إليه الناس، رجل علم ورجل دين ورجل سياسة أيا كان؟ المهم أن يسارع إلى احتواء الموقف».

محمد أمين: لا أعرف كيف
يهون الوطن على بعض المصريين؟

ولكن زميلنا وصديقنا محمد أمين شن هجومه عليهم في جريدة «الوفد» عدد يوم الاثنين قائلا: «عاوز أعرف ماذا تفعل أمريكا لو هدد بعض سكان الولايات المتحدة بثورة مسلحة؟ ماذا تفعل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لو رفع المتظاهرون أعلام «القاعدة» و»داعش»؟ هل يتحدث إعلامها عن ثنائية الحرية والأمن، هل تخرج «هيومان رايتس ووتش» لتندد بسياسة البيت الأبيض وتصرفات الرئيس أوباما؟ هل تصلح في هذا الوقت رفاهية الحنجوريين؟ هل تصمت أجهزة الإعلام عن تمويل البلطجية؟ لا أعرف كيف يهون الوطن على بعض المصريين؟ للأسف بعضهم سياسيون وكتاب ومنتمون لمنظمات مجتمع مدني، أكل عيشها من الكلام.. هل أكون عاقلا ومثقفا ومحترما حين أطالب بمصالحة فورية مع الشباب المسلح؟ هل أكون من ضيوف المؤتمرات الدولية حين أقول للرئيس إرحل وسترحل قريبا؟».

الله يدعو إلى السلام والأمان

أما الهجوم الأبرز يوم الاثنين فكان لزميلنا الإخواني خفيف الظل في «الأخبار» ورئيس تحرير جريدة «أخبار اليوم» السابق سليمان قناوي وهجومه على دعاة رفع المصاحف بقوله عنهم: «لو تدبرتم آيات القرآن لن تجدوا رب العزة يدعو في أي من الذكر الحكيم إلى رفع المصحف، بل ستجدونه سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذا التدبر في أكثر من سورة «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها». بدلا من أن ترفعوا المصاحف افتحوا المصاحف لتجدوا أن الله يدعو إلى السلام والأمان. فهم المصحف مقدم على رفعه، كفاكم نزقا وشططا، كلما استبد بي الخوف على بلدي آويت إلى ركن بعيد يعصمني من الناس، وتضرعت إلى الله أن يحفظ مصر وأهلها الطيبين الأطهار وجيشها ورجاله الذائدين عن الحياض، وأن تشل كل يد آثمة شريرة تزرع القنابل والمتفجرات لتروع الآمنين» .

ما أحوجنا لمن يُهدي إلينا عيوبنا

وإلى المعارك والردود المتنوعة التي بدأها يوم الاثنين في «اليوم السابع» صديقنا العميد السابق في الجيش، المناضل الذي خاض معارك عنيفة ضد الفساد في عهد مبارك يحيى حسين عبد الهادي، الذي دافع عن زميلنا وصديقنا متعدد المواهب بلال فضل الموجود الآن في أمريكا وقال مخاطبا الرئيس السيسي: « لو كنتُ مستشاراً للرئيس عبد الفتاح السيسي لطلبتُ منه عكس ما يطلبه المنادون برأس بلال ومنع مقالاته وأفلامه وبرامجه، وطلبتُ منه أن يقرأ لبلال فضل مباشرةً، لا أن يقرأ عنه.. أعرف أن من حق الرئيس (أي رئيس) أن يستمع لمن يقول له أصبتَ عندما يُصيب، وهؤلاء والحمد لله كثيرون.. وأتفهم أن تَطرَبَ النفسُ البشريةُ لبعض التطبيل الذي قد يتداخل مع الثناء الجاد، ولكن في حدودٍ مقبولة.. إذ حتى في الفن لم نسمع عن فرقةٍ موسيقيةٍ كلّها من الطبالين، باستثناء فرقة سعيد الأرتيست.. حتى هذه الفرقة تظل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.. مجرد فقرةٍ غريبة في حفل، وليس الحفل كله.. ولم نسمع أن مطرباً غَنّى بمصاحبة فرقةٍ كلها من الطبالين ليس فيها عودٌ ولا كمان.. يا سيادة الرئيس مصر فعلاً في حرب.. والحرب يخوضها المقاتلون لا السماسرة.. أما الطبول فتُقرع للتحميس فقط لكن الموسيقات العسكرية لا تحارب.. لو كنتُ قريباً من أُذن الرئيس لقلتُ له يا سيادة الرئيس اقرأ لبلال وإن لم يُعجبك كلامه.. لم تَعُد بحاجةٍ لمن يُسمعك ما تُحّب فما أكثر هؤلاء حولك.. لكن ما أحوجَك لمن يُسمعك ما لا تُحب.. ما أحوجك وأحوجنا لصوتٍ مختلف.. صادم لكنه صادق.. سيقولون لك إنه لا يُحبّك؟.. ما ضرّك لو أن كاتباً لا يُحبّك؟ إنما يأسى على الحب النساء.. يكفي أنه يُحب مصر.. لو أخطأ في مئة كلمةٍ وأصاب في واحدةٍ فقط فما أحوجنا لها.. ما أحوجنا لمن يُهدي إلينا عيوبنا.. إذا ضاقت صدورنا بمُخالفينا في الرأي فسنتحول بالتدريج إلى نُسخةٍ مكررةٍ من نُظمٍ ثرنا عليها. يا سيادة الرئيس إن هذا المبدع المصري الساخر الجريء انتقد مبارك في عز جبروته، ويا ليت مبارك كان قد قرأ له ووَعَى ما يقول.. وانتقد محمد مرسي حتى يومه الأخير في الحكم، ويا ليت مرسي كان قد قرأ له ووَعَى ما يقول.. وينتقدك الآن يا سيادة الرئيس، فيا ليتك تقرأُ له.. بل أَتِح لقرّاء الصحف الورقية أن يقرأوا له.. لماذا لا يكتب بلال فضل في «الشروق» أو «اليوم السابع»؟ بل لماذا لا يكتب في «الأهرام»؟. لو كنتُ مستشاراً للرئيس لقلتُ له لا تَدَعْ هؤلاء المنافقين ينهشون بلال فضل باسمك وإن خالَفَك.. هو أصلاً قادرٌ على ابتلاعهم.. لكنهم نذير شؤمٍ على كل من طبّلوا له.. ويؤكدون بضجيجهم انطباعاً سلبياً يتراكم الآن لدى الكثيرين، بأننا عائدون لأيامٍ كانت تُزاحُ فيها الجديّةُ لصالح التفاهة.. وتزاحُ فيها الصراحةُ المُوجعة لصالح النفاق المبتذل.. ويُزاح فيها يوسف إدريس لصالح سمير رجب.. لا أعادَها الله من أيام».

مبارك ذهب ضحية نظامه وليس بقوة الميدان وحده

وثاني المعارك في يوم الاثنين ستكون من «التحرير» لزميلنا جمال الجمل وقوله في عموده اليومي «تماهي»: «قبل أربع سنوات كاملة كانت مصر تخوض انتخابات أحمد عز البرلمانية، وكانت نتائج الانتخابات الاحتكارية «ضغطة ثالثة على زر الغضب»، فالضغطة الأولى تمثلت في استفحال القمع الأمني، والضغطة الثانية والأكثر استمرارية تتعلق بالاقتصاد المنهار ومستوى المعيشة والخدمات. لم يقرأ نظام مبارك المؤشرات الواضحة، فقد أوهمه الاعتياد أن شيئا لن يحدث، فالأحزاب عاجزة والمعارضة عموما تعبيرية لن تقوى على التغيير، سيصرخون يوما أو بضع ساعات ويحملون ما تيسر من لافتات ويغردون ويركبون الفضائيات ثم يتحدثون ليلا في المقاهي على الإنجازات التي لم يشعر بها سواهم. لكن الوقت قد فات وأدرك النظام أن القوى التقليدية التي أنفق السنين والثروات في إعدادها لمثل هذا اليوم «الأمن والحزب» صارت يا للمفارقة التراجيدية، هي نقطة ضعفه، لكن هل يعني هذا أن النظام سقط بسهولة كده وخلاص؟ بدا واضحا إلى حينذاك أن مبارك ذهب ضحية نظامه وليس بقوة الميدان وحده، فهناك قوى داخل النظام كان تتحين فرصة مناسبة للتخلص من تراكمات الشيخوخة والبطء المزمن، التي تمثلت في صعود شلة النجل، كما بلورتها إدارة عز للانتخابات بطريقة «احتكار الحديد»، فهل تتكرر تجربة الانتخابات الاحتكارية هذه المرة أيضا وتسد أبواب التجديد؟».

التظاهر السلمي حق دستوري أصيل

ومخاوف جمال عبّر عنها بتوسع في اليوم نفسه زميلنا المفكر الاقتصادي الكبير ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام أحمد السيد النجار، وهو يلخص لنا حصيلة المناقشات التي تمت مع مجموعات من الشباب الذين ينتمون لأحزاب وقوى سياسية، ومن شاركوا في ثورتي 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران استعدادا للمؤتمر الذي كلف الرئيس عبد الفتاح السيسي «الأهرام» بإعداده للشباب، والذي سيحضر بعض جلساته قال النجار: «خلال تلك الجلسات التحفيزية استحوذت قضايا الحرية والديمقراطية وقانون التظاهر بالذات على جانب مهم من المناقشات، وتراوحت مواقف المشاركين بين إلغاء القانون أو تجميده أو تعديله، بشكل يحافظ على حق التظاهر السلمي، باعتباره حقا دستوريا أصيلا، وتوافقت الغالبية الساحقة مع الشباب على اعتماد موقف المجلس القومي لحقوق الإنسان من هذا القانون، كموقف معبر عنهم، كما طالبوا بضرورة تعديل قانون الحبس الاحتياطي والإفراج عن جميع المسجونين السلميين الذين سجنوا بسبب مخالفاتهم قانون التظاهر وذلك من خلال عضو رئاسي. وذهب البعض إلى أن موقف الدولة والرئاسة تحديدا من هذا القانون سيمثل رسالة مهمة للموقف الحقيقي للدولة من الشباب، ومن قضية الحريات واحترام الدستور. وذكر العديد منهم أن التظاهر السلمي هو الذي أطاح بنظام مبارك، الذي وصفه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالنظام الاستبدادي، وهو الذي أزاح حكم جماعة الإخوان وعزل محمد مرسي بإرادة شعبية كاسحة، تجسدت في تظاهرات سلمية عملاقة. وعبر الشباب في غالبيتهم عن شعور بالمرارة والغضب من الهجوم على ثورة يناير والمشاركين فيها، بما يخالف الدستور والحقائق ويتعارض مع ما يعلنه الرئيس من موقف إيجابي تجاهها، من دون أن يكون هناك أي موقف للدولة من هذا الهجوم وما ينطوي عليه من أكاذيب وما يتضمنه من تلون حربائي مبتذل لبعض الأبواق التي ادعت في وقت من الأوقات تأييد ثورة يناير بعد إزاحة مبارك من الحكم، ثم عادت لتشوه الثورة وشبابها بأسوأ أنماط الدعاية والأكاذيب. وأكد الشباب أن هناك حملة ممنهجة ومنظمة للتحريض ضد الثورة وتشويه المشاركين فيها خاصة من الشباب.
وطالبوا في هذا السياق بضرورة وجود موقف واضح من الدولة ومؤسساتها بشأن العلاقة بين الثورتين 25 يناير و30 يونيو. وأشار الشباب إلى أن استمرار غموض موقف الدولة من استهدافهم من بقايا نظام مبارك ورموز الفساد، سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين الدولة والشباب، وشكلت طريقة التعامل مع تظاهرات الطلاب سببا للغضب والجفوة بين الدولة وقسم من الطلاب الفاعلين سياسيا بصورة سلمية. وأكد الجميع في الوقت نفسه رفض كل أشكال العنف والفوضى، واعتبروا أن من يقوم بمثل تلك التظاهرات العنيفة يستحق الردع بالقانون العادي القوي للغاية في هذا الصدد والذي يضمن مواجهة هذه الظاهرة بصورة حاسمة».

متى تتوقف امتيازات النخبة؟

وعن الامتيازات المتعددة الأشكال التي تمنح للنخبة فتؤدي إلى خلق فئة فوق المساءلة وفوق القانون..وما في ذلك من فساد وإفساد يكتب لنا أنور الهواري في «المصري اليوم» عدد الثلاثاء قائلا: «أُحبُّ الإشارة إلى أنّ امتيازات النُّخبة مقصودٌ بها معنيان: المعنى الأول هو الإفساد المتعمد للنخبة. والمعنى الثاني هو قابلية النخبة للفساد والتمتع بمزاياه. والامتيازاتُ- باختصار شديد- تعني الاستثناء من القانون، وقد سبق أن عانت مصرُ من «الامتيازات الأجنبية»، التي منحتها الدولةُ العثمانيةُ- في بلادنا- للدول الأجنبية، ولرعايا الدول الأجنبية، وكانت من أسباب إضعاف ثم إسقاط الدولة العثمانية، وقد جاهدت الجماعة الوطنية المصرية- أحقاباً طويلة، حتى تم إلغاء هذه الامتيازات الأجنبية، التي فرضت على المصريين أن يكونوا غُرباء في بلادهم، على مراحل، في اتفاقية 1936م، ثم معاهدة مونترييه بسويسرا عام 1937، حتى تم إلغاء المحاكم المختلطة نهائياً عام 1949.
فساد نُخبة الأربعينيات من القرن الماضي، كان القاصمة التي قصمت ظهر الحقبة الليبرالية، وأدّت لسقوط الملكية، وأفسحت الطريق مُمهّداً أمام عدد قليل من ضُباط الجيش من صغار الرُّتب، للقيام بثورتِهم صباح 23 يوليو 1952، وسط قبول شعبي، ومن دون أن تُبدي النُّخبة الفاسدة أي مقاومة تدافع بها عن وجودها، الذي كان قد فقد مُبرّره الأخلاقي والوطني… الامتيازات النّخبوية، أكثرُ خطراً مما سبق وعرفناه وكافحناه من امتيازات أجنبية، كل أنواع الامتيازات تضعُ فئةً فوق القانون، وتُعطيها حقوقاً ليست لها، وتجعل باقي المصريين- وهم الأغلبية الكاسحة- غُرباء في وطنهم، يشعرون بالأسى، وتنطوي صُدورُهم على الإحساس الدفين بالغُبن وبالمظالم. هذه الامتيازاتُ النُّخبوية يستأثرُ بها كبارُ الموظفين العموميين، بعضٌ من أهل العلم والجامعات، بعضٌ من أهل العدالة والقانون، بعضٌ من أهل الأمن والضبط والربط، بعضٌ من قادة الأحزاب، بعضٌ من أصحاب مراكز الأبحاث، كثيرٌ من قادة وملاك القطاع الخاص والإعلام الخاص، كثيرون من أهل الاقتصاد الموازي الذين لا يتورعون عن المُتاجرة في أي شيء، ولا عن المُتاجرة بأي شيء. الامتيازاتُ النخبوية، سواء بالقانون، سواء بالالتفاف عليه، سواء بالتراضي بين الفساد الرسمي والأهلي، سواء بضعف الدولة وغياب سلطة الرقابة، سواء بوضع اليد أو بالتوريث، هي- بأي شكل من أشكالها- امتيازاتٌ تلغي سيادة الدولة من جذورها، لأنها تضع البعض فوق القانون الذي يسري على الجميع، ولأنها تخلق دويلة ومجتمعا فوق الدولة وفوق المجتمع. وقديماً كتب عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته فصلاً بعنوان «الفصلُ الخامسُ في أنّ المال مُفيدٌ للجاه».

الداخلية ترفض تقديم المستندات
الخاصة بالرواتب والأجور والمكافآت

ونبقى في «المصري اليوم» عدد الثلاثاء نفسه ومقال حمدي رزق، الذي يتساءل فيه عن مرتب وزير الداخلية يقول: «هذه حقيقة، فعندما ترفض الداخلية تقديم المستندات الخاصة بالرواتب والأجور والمكافآت التي يتقاضاها العاملون بالوزارة، فلابد من الاعتراض. لا يجوز التحجج بأنهم يحاربون الإرهاب، لأن وزارة الدفاع تحارب الإرهاب أيضاً، ولكنها تسمح برقابة المحاسبات عليها، وهذا أكبر دليل على أني لا (أتشطر) على الداخلية». أعلاه من مأثورات المستشار هشام جنينة، رئيس جهاز المحاسبات، الكلام واضح ولا شطارة فيه، ما معنى أن يستجيب الجيش ويفتح للجهاز ملفات الرواتب والمكافآت، بشفافية محمودة لقطع الألسنة القذرة التي تلوك سيرة قادة في حرب، وتمتنع وزارة الداخلية وتترك الشائعات ثعابين تتلوى راقصة على أنغام رئيس الجهاز كلما صعد إلى مسرح الكلام.
سيبك من تهمة أنه إخواني، وربعاوي، تهمة تحتاج إلى بيان، وكله بأوان، وسيبك من أنه يكيد للداخلية كيداً ويتشطر عليها، حد يقدر على الداخلية، لكن الحق أنه يتكلم بالقانون، وعلى الداخلية أن تستجيب من فورها، ليس بتصريح إعلامي، بل بقرار من الوزير بفتح ملفات رواتب ومكافآت العاملين في الوزارة، وأولهم راتب اللواء محمد إبراهيم بالمكافآت والحوافز والبدلات أمام مراقبي الجهاز، شفافية وليس خضوعاً لابتزاز.
عصي على الفهم أن يفتح رئيس الجهاز الكلام في حضور رئيس الوزراء، ولا يستجيب الوزير، ولا يلزمه محلب بالاستجابة الفورية، هي وزارة ولا إمارة داخل الوزارة، الجيش حامل اللواء يتعفف، ويفتح الملفات، والداخلية تتمنع ولا تمكن الجهاز، بإمارة إيه، من يحارب الإرهاب ويبذل الدم سخياً من أجل الوطن، لا يترك رئيس الجهاز يلغ في سمعته، كلما وجد الفرصة سانحة، الغرض مرض، فلتفوت الداخلية الفرصة على جنينة أن يشين سمعتها، ويروج لما يتلقفه الذئاب في الدغل الإخواني؟
أعلم أن جنينة لا يستهدف الرواتب، آخر حاجة يفكر فيها، الأهم مخصصات السلاح والمهمات، وما إن يتحصل عليها حتى يذيعها تحت ستار شفافية أعمال الجهاز، وفعلها سابقاً بالحديث عن مخصصات التسليح مقارنة بالرواتب، وكانت سقطة مدوية من جنينة، ولكن هذا لا يمنع مراقبة ماليات الداخلية، رواتب ومكافآت، وتلزمه الداخلية عدم الإفصاح عن مخصصات العمليات، بما يعرض الداخلية للانكشاف أمام من ينتظرون حرفاً يردونه نصلاً في قلب الداخلية.
وإذا كان محلب غير قادر على وزير الداخلية، يأمره الرئيس، ويمكّن رئيس الجهاز من ممارسة واجباته كاملة غير منقوصة مع التحسب إلى ما يرمي إليه جنينة الذي يطنطن من الآن بما ينتظره من سجن لو لم يكن غير قابل للعزل. يقول جنينة: أنا حريص كل الحرص على أن تتمكن الداخلية بكل أدواتها من مواجهة الهجمة الإرهابية الشرسة.. بذمتك يا جنينة، طيب عيني في عينك».

يا وزارة الداخلية لِمَ الشغل
في الظلمة.. والخوف من النور

وعن الموضوع نفسه يكتب لنا محمود سلطان رئيس التحرير التنفيذي لجريدة «المصريون» مقالا يقول فيه: « المستشار هشام جنينة، قال إن وزارة الداخلية رفضت إطلاع «المركزي للمحاسبات» على ميزانيتها ومستنداتها المالية.. بحجة أنها في مواجهة مع الإرهاب.. في حين أن وزارة الدفاع سمحت برقابة الجهاز عليها، رغم أنها في حرب على الإرهاب أيضًا. الداخلية ـ بحسب ما أفاد جنينة في حواره ـ رفضت تقديم المستندات الخاصة بالرواتب والأجور والمكافآت التي يتقاضاها العاملون بالوزارة، وإذا كانت الداخلية وضعها المالي «سليم».. فلِمَ تتهرب من «المركزي للمحاسبات» وتخشى أن يطلع على الرواتب؟ الكلام الذي كان يتردد قبل ثورة يناير/كانون الثاني وبعدها ـ أن رواتب لواءات الداخلية ومديري الأمن «مليونية» تنافس أجور نجوم «هوليوود» الكبار.. الوزارة نفت وقالت إنهم «غلابة».. حسنًا!.. فلِمَ الشغل في الظلمة.. والخوف من النور.. وعدم عرض الرواتب والمكافآت لرقابة المركزي للمحاسبات؟ إذا كان الجيش.. وهو المؤسسة الأخطر في مصر، سمح للجهاز بمراقبة أدائه وإنفاقه المالي.. فلم تظل الداخلية وهي مؤسسة مدنية وليست عسكرية، متهربة وكأن على رأسها ريشة.. وتسكت أعلى سلطة تنفيذية عليها ولا تأمرها ـ بحكم ولايتها عليها ـ بأن تتحلى بالشفافية وتكشف إنفاقها المالي للجهاز المكلف قانونيا برقابة الإنفاق الحكومي الذي يتدفق من جيوب شعب غلبان وفقير ومعدم مش لاقي يأكل؟».

تقرير تقصي الحقائق
والدم الذي ما زال يصرخ فينا

أما رئيس تحرير «المصريون» ورئيس مجلس إدارتها جمال سلطان فكتب لنا مقالا في العدد نفسه ولكن في موضوع آخر تحدث فيه عن تقرير لجنة تقصي الحقائق، ومما جاء فيه: «وأخيرا صدر تقرير اللجنة الرسمية لتقصي الحقائق حول الأحداث التي أعقبت عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، خاصة أحداث رابعة العدوية والمنصة والحرس الجمهوري، ونظرا لمقاطعة كل من يمثلون الطرف الثاني في الأحداث، الإخوان ومؤيديهم ونشطاء التيار الإسلامي، الذين شاركوا في الأحداث، بسبب طعنهم في مصداقية وحيادية اللجنة ورفضهم الاستجابة لطلبها بتقديم شهاداتهم إليها، فقد كان من الطبيعي أن يخرج التقرير وهو يحمل نصف وجه الحقيقة، حيث كان اعتماده الأساس على مذكرات الأمن ومحاضر الشرطة، وبعض تحقيقات النيابة التي اعترفت اللجنة نفسها بأنها ناقصة وغير مكتملة، ولذلك فمن غير المجدي أن نتحدث عن تقييم عمل اللجنة، لأنه في النهاية عمل غير مكتمل. وكان أولى باللجنة أن تعلن تجميد عملها نظرا لأنها سلمت بأن الطرف الآخر امتنع عن تقديم شهادته، فما معنى أن تعمل لجنة بنصف رؤية ونصف وجه ونصف شهادة، ولم يكن يليق باللجنة أن تلمح في حديثها إلى مخاطر أن يتم تدويل القضية بما قد يفهم منه أن عملها كان لهذه الغاية خصيصا، وليس لكشف الحقائق كاملة. الغريب والخطير، في تقرير اللجنة أنها أشارت إلى أن التحقيقات القضائية في مذبحة رابعة ومذبحة المنصة لم تكتمل حتى الآن في النيابة العامة، وناشد التقرير القضاء المصري أن يستكمل التحقيقات في المذبحتين، محذرة من أن تأخير التحقيقات يثير هواجس وسوء ظن بالنيابة، كما يفتح الباب أمام تدويل القضية ونقلها للقضاء الدولي. وهذا كلام مذهل، فما حدث في رابعة والمنصة مر عليه حتى الآن حوالي عام وثلاثة أشهر، مرت على مصر أحداث جسام ووقائع في الصدام السياسي انتهت النيابة بكل همة من التحقيق في العشرات منها جميعا، وأحالتها للمحاكم وبعضها صدر فيه أحكام، بينما المذبحة التي يتحدث عنها العالم كله، وهي عقدة الأزمة الأكبر في كل ما حدث، لا تكتمل التحقيقات فيها حتى الآن. هذا مدهش جدا ويطرح أكثر من علامة استفهام، كما أنه من غير اللائق باللجنة أن تربط استكمال تحقيقات النيابة بقطع الطريق على تدويل القضية، فالتحقيقات واستكمالها مطلب أخلاقي وضروري بغض النظر عن أي أسباب أخرى.
هناك مسؤولية تقع على الدولة وأجهزتها السياسية والأمنية ، وهو ما يفتح السؤال الضروري عن تبعات ذلك التقرير الذي تسلمه الرئيس السيسي شخصيا وأحاله للحكومة لاتخاذ اللازم، فالقسم الأول الذي حمله التقرير المسؤولية وهم الإخوان والقيادات والرموز المؤيدة لهم يحاكمون فعليا الآن، فهل يمكن أن تستجيب الحكومة لمقتضى التقرير وتبحث في التحقيق مع المسؤولين الرسميين ـ سياسيا وأمنيا ـ عن المذبحة، أم أن التقرير سيكون مصيره الأدراج الباردة….».

كارثة الانعزال الحضاري

وننهي الجولة لهذا اليوم في «الشروق» عدد يوم أمس الأربعاء ومقتطفات من مقال الكاتب عمرو حمزاوي الذي يقول فيه: «… للعالم المتقدم والعالم النامي/الطامح بمجتمعاتهما ودولهما الديمقراطية والسلطوية نقاشاته الكبرى وموجات متلاحقة من السياسات المتشابهة التي يطبقها ويختبر ويقيم نتائجها، ونحن بصدد كل ذلك إما في خانات المنعزلين والمنكفئين على الذات، أو في أقل الأحوال سوءا نراقب من دون معرفة:
ــ مسارات التطور العلمي والتكنولوجي المعاصر، وحدود قدرة المجتمعات والدول على استيعابها ودمجها لخير وسعادة المواطن، وكيفية التعامل مع الخطوط الحمراء القيمية والأخلاقية والدينية التي تمنع بعض التجارب العلمية على الأجنة البشرية وتقف إلى اليوم موقفا ملتبسا من الاكتشافات المتتالية بشأن خرائط الجينات الوراثية والتدخل العلمي بها.
ــ الربط بين المعارف العلمية الجديدة وبين الإدارة الرشيدة والجماعية للتحديات البيئية والمناخية التي تواجهنا جميعا وتتعلق بمعدلات التلوث المتسارعة وارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بفعل انتشار التصنيع وشيوع أنماط الاستهلاك غير الصديقة للبيئة، وبتآكل المساحات الخضراء في العالم خاصة الغابات، وبالتصحر ومد المحيطات والبحار وتزايد الكوارث الطبيعية.
ـ وضعية الحقوق والحريات عالميا، وكيفية التعاطي مع تفاوت نماذج إدارة الشأن العام بين الحكومات الديمقراطية وبين السلطويات من دون إخلال بقواعد التعاون الدولي ومع دفع ضمانات الحقوق والحريات إلى الأمام، وسبل التعامل مع الأخطار المعولمة للإرهاب والعنف والتطرف وانتشار أسلحة الدمار الشامل وانهيار منظومات الدول الوطنية والصعود المطرد للكيانات غير الدولاتية وتمدد شبكات مواردها البشرية والمالية ومواقعها الجغرافية – هنا نقاشات عالمية جادة عن أوضاعنا العربية لا نسهم نحن بها وتداول لأفكار بشأن المزج في مواجهة ظواهر العنف بين أدوات القوة الخشنة (العسكرية والأمنية) وأدوات القوة الناعمة (التنمية والقانون والعدالة والمساواة).
ــ مستقبل العلاقة بين أضلاع مثلث المواطن والمجتمع والدولة وترابطاتهم القائمة داخله بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والمجال العام وامتدادات كل ذلك العالمية في ظل الانسحاب التدريجي لبلدان الشمال والغرب من سياسات الرفاه ومفهوم الدولة الوطنية الراعية والضامنة للحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، واكتفاء الشرق في الصين وروسيا بمزيج من اقتصاديات السوق وشــــيء من رعاية الدولة وإقصاء لحقوق وحريات الناس الشخصية والمدنية، التهديدات الواردة على الدول الوطنية في بـــلاد العرب ومواقع أخرى بسبب انفجار الهويات الطائفية والدينية والمذهبية والعرقية وبفعل الكيانات غير الدولاتية المتسلحة بالإرهاب والعنف والمعتاشة على الاستبداد والجهل والفقر».

حسنين كروم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية