ستيفان مالارميه
عام 1897 نشر مالارميه «أبدا لن تلغي الصدفةَ رميةُ نرد»، أي قبل رحيله بعامين. وهو قصيد غريب، لا شبيه له من حيث الكتابة والشكل. ومداره على «معلم» أو «ربان» تغرق سفينته، ولكنه قبل أن تبتلعه الأمواج، ويقضى الأمر؛ يتأهب لرمي زهر النرد، في تحد أخير لسماء لا تستجيب. لكأنها العزلة أو العدم، أو هي صرخة في واد، وكلام يذهب سدى؛ أو الذات الموكولة إلى قدرها، وهي تعاني من وطأة عالم ثقيل أعمى؛ لا طاقة لها على تحمله.
وربما كان هذا القصيد «منحوتة رمزية» لانهيار نظام قديم، و«بشارة» بزمن الريبة والشك؛ أو «هذيان في غمرات الموت» بعبارة الشاعر. وقد استأثر هذا النص بعناية فلاسفة وكتاب مرموقين من أمثال سارتر وبلانشو ودولوز ورنسيار، والشاعر محمد بنيس عند العرب؛ وكنت كتبت عنه وعن «لاعب النرد» لمحمود درويش.
أذكى هذا النص منذ نشره نوعا من التصور التخيلي الباطني، لكن إلى أي مدى يصح القول إن ملارميه دس فيه «شيفرة» أو «دُلسة» بعبارة حازم القرطاجني؟ صحيح أن مالارميه كان مأخوذا بـ»العدادة» من حيث هي طريقة في اكتناه الشخصية واستشراف مستقبلها، بواسطة التحليل العددي لخصائصها. والسؤال قد يلوح غريبا، وإن كان له وجه من الصواب؛ فهذه القصيدة تنويع على أعداد مثل:5 و7 و12..
وعلى أس من هذا، يزعم الفيلسوف كانتين مايسو أنه توصل أخيرا إلى فك لغز قصيدة مالارميه الشهيرة «رمية النرد». ومقاله برهنة بارعة تكاد تكون هندسية، واستنباط رياضي في آن، أساسه فكرة الريب أو الشك؛ وعلى أساس من لعبة أعداد تلوح لي، كما فهمت من مقاله، مركبة حينا، وغير مسماة حينا؛ أو هي على صلة بالإيقاع أو العروض الفرنسي؛ وطريقة مالارميه في نحت الألفاظ. نحن في عام 1897، كان لصرخة زراشت «مات الإله» (أفضل أن أترجمها هكذا بدل: الله مات) صدى يتردد في جنبات القرن التاسع عشر، حيث روائيون وشعراء وفلاسفة احتشدوا وعملوا بلا توانٍ من أجل ديانة جديدة متحررة من «الدغمائية المسيحية». وقد انبنت رؤيتهم على تمجيد الإنسان وإحلاله محل الإله، وعلى الجميل أو أيضا العقل، لكن بلا جدوى. وفي هذا السياق تفوق العلم، واستقرت الصدفة قانونا نافذا. ومنذ تك اللحظة الفارقة، صار كل شيء عبثا وبلا معنى. لكن ماذا عن مالارميه؟ كان هذا الشاعر من طراز نادر، زاهدا في الشهرة أو غير معروف إلا عند قلة، ولم تعرف له مشاركة في هذا السجال. كان مستغرقا في عالمه الخاص وما يمكن أن نسميه، على قلق العبارة «نسخ تحفه».
إن موضوع هذه القصيدة قد يكتنه في ضوء سيميائيات الصورة وفي إيقاعها الذي يجري مجرى دوامات الماء . ومن نافل القول التذكير بأن لـ»البعد اللغوي» في القصيدة الصدر دون سائر المكونات، إذ يُعرف الشعر، خاصة عند هذا الشاعر؛ باستخدامه الخاص للغة؛ وليس بمعنى «الفرق» عن اللغة المتداولة فحسب، وإنما بتطعيمها ونحتها؛ وتخليصها من الإسراف في التنغيم، بدون أن يمنعها ذلك من أن تكون نصاً شعريا له إيقاعه الخاص، وهو الذي يعيد تركيبها في الميديوم/الوسيط الشعري؛ وذلك كلما تخففت (الشعرية) من شعريتها، أو مِما زاد منها على الحاجة أو من فضل القول. كما يعرف الشعر باحتفائه بتماثلات الصوت والإيقاع والصورة، وهي من مظاهر كثافة اللغة الشعرية أو سُمكها. وهذا النظام هو الذي حاول الفيلسوف الفرنسي أن يستكشف مؤتلفاته ومختلفاته، وما يعقده بعضها ببعض، من علائق شد وجذب. وهذا ما أتاح له الانتقال من مكونات الشعر الأساسية إلى فروض التشكيل الخيالية وتجريداته البعيدة كما تمثلها «رمية النرد».
ربما كان مالارميه يغذي رؤية أو خيالا أو حلما في غاية الجنون، إن لم يكن أملا كاذبا؛ وهو أن يكتب كتابا تنتظم كل مكوناته داخليا بحبل سري معرفي يصل بين مختلف صوره، على نحو لا تهتدي إليه قراءة تكتفي باعتماد «الحساسية».
والمكونات الأساسية ليست بالأمر الذي يستعصي رصده، إذ يمكن إخضاع كل من المعجم والتركيب لأساليب البحث العلمي الخالصة، والتقدم بها في أرض موطأة واضحة المعالم، خاصة أن مسائلها عند الشاعر محكومة، بنية، وإيقاعا بعقلية رياضية صارمة. أما عالم الصورة، وهو ما هو في هذا النص إذ هو مدار المعنى، وما إليه من أساليب إدارة الكلام، وتوزيع الألوان والأضواء والظلال؛ فيظل لونا من الحقائق اللطيفة ومن دخائل الذات، إذ تتعلق الصورة وتحديدا الاستعارة الشعرية أو التشكيلية، بمعنى المتكلم أكثر منها بمعنى الجملة، وقد تفيدنا أكثر بنبرة الشاعر أو الرسام الخاصة، أكثر مما تفيدنا عن اللغة أو عن بناها الدلالية، والتلفظ أو القول إنما يكون استعاريا لأن صاحبه أراد كذلك.
لقد صرف هذا الباحث الفيلسوف عنايته إلى «الخطاب الواصف» أو»الشعر على الشعر»؛ وإن لم يستخدم هذا المصطلح؛ فهو يحلل القصيدة ويفككها، ويستكشف ما تنطوي عليه من تفكير الذات المتكلمة في خطابها ورؤيتها له وطريقتها في أدائه، ويبين كيف أن القراءة نفسها استئناف لإنشائية الأثر، وأن الأثر الشعري هو في صميمه ذو طبيعة «قرائية»؛ أي هو لا ينشأ كتابةً أو تشكيلا أو تنغيما؛ ثم يُقرأ. وإنما هو ينشأ منذ البداية «قرائيا» أو قابلا للقراءة، بحسب ما تمليه عليه طبيعة جنسه، وبحسب ما يستعيره من عناصر من الأجناس الأخرى. ومادامت الصورة تتسع لهذه الظواهر، سواء تعلقت بشعرية الدال أو بشعرية المدلول، فلا ضير، في تقديرنا أن نصل بعضها ببعض، وأن نتنبه إلى أن منبتها الأصلي هو الشعر نفسه.
كان مالارميه قارئا كبيرا ككل الشعراء الكبار، لكنه كان يعاني من خيبة الأمل في العالم الذي حوله. كان يرى أنه لا مكان بدون احتفالات جماعية، والإيقاع نفسه طقس جماعي حميم؛ ومهمة الشاعر في تقديره هي أن يقدم نوعا من «التعبد» أو «شعيرة ج. شعائر» من شأنها أن تشبع الفكر الحديث» بعبارة مايسو. ربما كان مالارميه يغذي رؤية أو خيالا أو حلما في غاية الجنون، إن لم يكن أملا كاذبا؛ وهو أن يكتب كتابا تنتظم كل مكوناته داخليا بحبل سري معرفي يصل بين مختلف صوره، على نحو لا تهتدي إليه قراءة تكتفي باعتماد «الحساسية». وإنما ذاك أمر موكول إلى قراءة تعتمد بالإضافة إلى الحساسية العقل (الحسابي)؛ لأن الأمر لا يتعلق بمجرد انطباع وإنما بــ»تقدير» كمي للصورة وللمعنى في القصيدة. على أن ما يجدر الانتباه إليه في «رمية النرد» إنما هو الشكل «اللولبي» أو «الحلزوني»، ذلك أن القصيدة تتعهد موضوعها من كلمة إلى كلمة، بما يعني أنها تفتح ولا تغلق كما هو الشأن في الدائرة. واللولب حتى وهو يدور كالدائرة، فإنه يفتح على اللانهائي، وهو في قصيدة مالارميه عالم الصدفة والريبة والشك. وفي هذا ما يجعل الشكل اللولبي يعود أدراجه وقد أضاف إليها، خاصة كلما تناولنا ذلك من زاوية «جمالية التلقي».
وقد يكون هذا الشكل أشبه بدائرة ، غير أنها دائرة تستيقظ أو تنتشر؛ كلما تعلق الأمر بهذا النوع من الشعر «المشكل» كما ذكرت في مقال سابق. ربما كان حلم مالارميه أن يكتب كتابا يتحول فيه وبه شكل لغوي إلى شكل من أشكال الحياة التعبدية، وشكل حياتي إلى شكل من أشكال اللغة، أو ننتقل من شعر الآلهة إلى آلهة الشعر. ربما هو كتاب «الطقوس الشعرية» كما أحب أن أسميه، المحكوم بدقةِ شاعر ممسوس أو ضبطِ مهووس؛ من شأنه أن يؤطر القراءة العامة، وينظم ملاكها. ذلك أن الشعر نفسه كان قد طاله «التبديل» وكأنه صورة من تبديل الفِراش لدود القز. وينبغي أن نتذكر ما تعلق الأمر بالشعر الفرنسي، أن البحر الشعري «الإسكندري» المتكون من اثني عشر مقطعا صوتيا؛ وهو قسم العقيدة الشعرية أو الوزن الشعري الفرنســــي، شأنه شــــأن بحور الشعر الخمسة عند العرب (الطويل والبسيط والكامل والخفيف والوافر)؛ كان يترك مكانه لـ»الشعر الحر». والسؤال هو كيف للشعر أن يكون طقسا اجتماعيا جماعيا فيما «شعائره» أو إيقاعاته تتحلل وتكاد تندثر؟
الحق لا أحب أن أقطع بجواب، كما يفعل مايسو الذي يحصر مرموز القصيدة في عبارة نيتشه» مات الإله»؛ إذ بهذا «الموت» يغدو كل شيء «صُدفويا» أو محل ريبة، بما في ذلك المطلق الديني أو الميتافيزيقي. وهذا يحتاج إلى قدر من التأني، لأسباب منها أن هناك لاعبي نرد من الشعراء سبقوا مالارميه وإن لم يشتهروا شهرته؛ وأن مالارميه ليس بالشاعر المبهم؛ وإنما هو مؤلف «نص عويص» بعبارة رونسيار. وهو من هذا المنظور شبيه بأبي تمام عند العرب. وربما كان من مقاصد مالارميه وضع ميزان جديد للشعر يعادل «البحر الاسكندري» من حيث الضبط والقياس، والانسياح الإيقاعي الذي لا منطق له في توزيع زهر النرد؛ كما هو الشأن في الشعر الحر، حيث تتوزع الأسطر على البياض، بإرادة من الشاعر وحالاته ومواقيت كتابته.
٭ كاتب تونسي